من المتوسط إلى المتوسط

نساء المتوسط يسردن حكايات تتعدّد الأصوات فيها. يختلفن مع بعضهن البعض في جزء من أفكارهن وقناعتهن ، ولكنهن يتحدنّ في البوح عن مشاعر وخصائص نفسانية تقارب بين ذواتهن. روح الطرفة وخفة الدّم حاضرتان في يومياتهن. يضاف إليهما رغبتهن في التقريب بين ضفتي الشمال والجنوب والتّواصل مع الأخر. الغريب. البعيد. الأسمر والأبيض. القادم من بلاد أخرى.

سمحت لي فرصة التجوال عبر مدن متوسطية لقاء نساء قادمات من عوالم الشوق ومتاهات الترحال. تعلمت منهن قول (ِCiao) بالايطالية و(Pozdravljeni) بالسّلوفينية. فقهت عنهن فنّ الكلام. وتعلّمت منهن رؤية ألوان طيف جديدة، تشمم عطور مختلفة، وصفات طبخ وطرق مبتكرة في تحضير البيتزا. جالستهن وتحدثت طويلا معهن. في كلّ مرّة، كنت اترك الصدفة والعفوية تحركان محور دردشاتنا. نساء متوسطيات من جنسيات مختلفة حاولت التّطفل على ذكرياتهن، طموحاتهن وخيبتهن أيضا. كنت اطرح عليهن أسئلة كثيرة وأتلذذ بالاستماع إلى مكاشفات أعماقهن. كنت أغازلهن وألاطفهن. بعد كل لقاء وحديث مع إحداهن، أضيف إلى قاموسي نكتة جديدة وشغفا بمخالطة المرأة. لقاءات متعددة ومتشعبة يصعب عليّ أن اختصر جميعها، وأظل اشعر دائما بتعلّق، وبقربّ منها.
 

الرّقص قبل نهاية الحلم:

تقول الأم تيريزا: “الحياة كنز، فحافظ عليه”، والتّجوال فرصة، فلنقتنصها. ومن يتجول في بلاد القديس اوغستين لابد أن يتوقف في الجزائر العاصمة، القابعة في صمتها، وببياضها، في مواجهة المتوسط. مدينة بوجه واحد وبحقائق مختلفة. مدينة يصعب فهمها دونما العيش والتعمق في مساءلة حاضرها، والاقتراب من أهلها، وبعض نسائها، مثل “نادية”(37 سنة) التي صادفتها في مقهى “طانطوفيل”، بالقرب من المسرح (الاوبيرا سابقا) وخاطبتنا: “الجزائر العاصمة مدينة متقلبة المزاج. لفهمها، لا بد أولا من مغازلتها”.  

نادية تعمل بائعة في متجر في إحدى ضواحي المدينة. تفضل زيارة وسط العاصمة، من حين لأخر، لارتشاف قهوة والتسكع قليلا في الشوارع، من “ديدوش مراد” إلى “باب الوادي”، مرورا بشارع “العربي بن مهيدي” و”الكيتاني”، من اجل تناسي تعب عملها. “لما أر أناسا كثيرين، يمشون في مختلف الاتجاهات، يهرولون ويركضون اشعر ببعض الارتياح. أحب الأماكن المكتظة بالنّاس. استشعر فيها حبّ الحياة” تقول. أمام المسرح الحياة تسير بشكل مضطرب ومتسارع. مكان يكتظ بالقادمين من فضاءات التجارة وجحور الثقافة. أرصفة يملأها باعة الصناعات الحرفية، الصور التذكارية ومحلات المأكولات الخفيفة. صراخ المارّة وأبواق السيارات لا يتوقف طوال النهار. ولا يستعيد الشارع هدءوه سوى مساء. فالجزائر العاصمة هي المدينة المتوسطية الوحيدة التي تنام باكرا. تغلق أبوابها عادة في حدود التاسعة مساء. وتستيقظ في الصباح متأخرة. مرهقة ومثقلة بأضغاث الأحلام.

من ساحة الشّهداء تنطلق عادّة الحياة في جسد المدينة. هنالك أين نصادف، ككلّ اثنين وأربعاء، “منيرة” التي تقف في انتظار الحافلة التي تنقلها إلى كلية الحقوق بضاحية بن عكنون. “ألجي مدينة مُتعبة” تقول منيرة، وتضيف: “ولكنني أجد فيها كثيرا من ملذّات العيش”. صخب العاصمة يميّزها عن بقية المدن الجزائرية الأخرى. رغم الفوضى التي تلف مشاوريها اليومية فإن منيرة تعلّق مازحة: “نحنalgérois (عاصميون) يعني rois (ملوك)” (حيث تلعب على الكلمة باللّغة الفرنسيّة).

تحبذ منيرة الترويح على نفسها بتداول بعض مقالب وحكايات صديقاتها: علاقتهن مع عشاقهن، متاعبهن على أرصفة الشوارع والأحياء الشعبية، سقطاتهن أيام العادة الشهرية وغيرها من النكت والطرائف النسائية. التلصص على حميميات المقربين منها يمثل هوية منيرة المفضلة. تطوف في ثرثرتها عبر نساء ورجال كثر وتسألني: “وأنت متى تحدثني عن حياتك الخفية؟ وتخبرني بالحقيقة؟”. لست اعرف تحديدا ماذا تقصد. ولكن الحقيقة الأهم أننا شعرنا ببعض الكآبة في ملامح محدثتنا. تحولات الحياة الاجتماعية تؤثر على بعض مزاجها، وتحاول دوما تغليفها بابتسامة طفوليّة. مبتذلة ولكنها تبدو جد بريئة. صفات متناقضة نجد بعضها في شخصية “منى” التي تعرفت عليها حول فنجان قهوة بأحد مقاهي شارع الحبيب بورقيبة، وسط تونس العاصمة. “تونس جميلة ولكنها تستلزم مالا للعيش فيها”. منى ولدت وكبرت وتعلمت في تونس هناك أين تعمل صحافية بإحدى القنوات التلفزيونية. مهنة وفرت لها استقرار ماديا، احترام البعض لها وسخرية البعض الآخر منها. حيث لا يتوان بعض المتعصبين في نعتها بأوصاف دنيئة، بحكم أن القناة التي تعمل فيها تميل كفة الانفتاح على الثقافات الغربية وتقريب الرؤى بين الشمال والجنوب. قناة لا ترى مانعا في بث كليبات اشهر المغنيات الشهوانيات، مثل شاكيرا ولايدي غاغا. وتقول منى: ” أتلقى أحيانا في الشارع بعض الشتائم ولكنني متأكدة أن الوضع سيتغير يوما ما. ربما قريبا”. بشعرها الأسود الطويل وقميصها الصيفي الفضفاض تتحدى منى الأحكام المسبقة وتصرّ على السير في مواجهة كليشيهات منتقديها. “والدي رفض فكرة عملي كصحافية منشطة. واجهت معه متاعب جمّة من اجل إقناعه أن الظهور في التلفزيون لا يمس بسمعة العائلة. اقتنع مبدئيا ولكنه يظل ضحية أقوال و تأثيرات أناس آخرين يرون في المرأة عورة. جسدها وصوتها وحضورها يصنف في خانة المُحرّم”. سبق أن قرأت كثيرا عن نضال المرأة التونسية و تشبثها في حقها في الدّفاع عن رأيها وعن حقها في العيش المختلف. قرأت أعمال الطاهر حداد والمناضلة رجاء بن سلامة، ولكن تجربة سميرة التي تعمل مدرّسة بكلية الاقتصاد شدّت فضولي. حيث تروي: “زوجني والدي في سنّ العشرين من احد أبناء العمّ. بعد أربع سنوات وجدت نفسي أُما لولدين. مهمة شاقة وليست كما يعتقد البعض. في سنّ السادسة والعشرين صرت أُما لثلاثة أولاد. وبدل قضاء النهار بأكمله في متابعة شؤون البيت العادية والمملّة قررت أن استعيد مسار دراستي. أكملت سنتين جامعيتين بعد انقطاع دام ستّ سنوات وواصلت حتى بلوغ الدكتورة”. دكتورة في الاقتصاد وشهادة تقدير وتحية عرفنا لسميرة التي آمنت بكونها امرأة تونسية. وأيضا متوسطية. حيث تضيف مازحة: “المرأة مرآة ولو كانت غارقة في سبعين بئرا”. 

مدن متحركة:

نجت سميرة من الغرق في دوامة الفرائض الاجتماعية البطريركية مثلما نجت نريمان من الصراعات القديمة المتجددة التي تعرفها بيروت. ففي شارع الحمراء أين تجد الحياة العربية متنفسا لها. هناك أين يجتمع بعض المثقفين والكتّاب في مقهى “ليناس” عقدت نريمان معي موعدا في مقهى “ستاربكس”. كانت السّاعة تشير إلى السّابعة مساء لما وصلت مضيّفتي متأبطة كتابها الجديد. وقعت لي نسخة وخاطبتني: “هي روايتي الثانية. أرجو أن تعجبك. إنها مستوحاة من قلق وتيه العيش في هذه المدينة الافتراضية”. كما تخصص نريمان في روايتها فصلا مهما لجرائم الشرف في الشرق الأوسط.

تعتقد نريمان أن بيروت مدينة غير ثابتة, غير مستقرة. متحوّلة. لا تؤمن بمركزية الأشياء. تثرثر نريمان كثيرا. وتحب في غالبية الأحيان التدليل والتوكيد على كلامها من خلال اقتباس مشاهد سينمائية أو مقاطع من كتب وروايات. وتخبرنا:” في بيروت يجب أن تعرف الجري، بل العدو كي تستطيع العيش فيها. لا بد من تعلم السباحة وركوب الدراجة وسياقة السيارة والشاحنة لفهم وجهها اللامرئي”. نريمان تفقه لغة بيروت. تعرف كل مداخلها ومخارجها. طافت بنا من الروشة إلى جونيه وعرفتنا على حانتها ومكتباتها، مثل حانة “جدل بيزنطي” أين تقام الأمسيات الشعرية ومكتبة بيسان أين تضمحل نظرية “صدام الحضارات”.

بيروت حكاية عشق تهيم فيها “كريستين”، القاطنة في الأشرفية، التي بلغت الستين ولم تغادرها سوى مرة واحدة للعلاج في فرنسا، وتعلل السبب: “بيروت تشعرني بطفولتي. أشمّ فيها شبابي ولا أملّ من السير والتسكع في أزقتها”. بيروت فيروز أم بيروت معلوف؟ زمن الحكايات فيها لا يتوقف. والقادم إليها ليس يمني نفسه سوى العودة إليها. “حنين العودة إلى الأمكنة يتجاوز رغبة مغادرتها” كما يقول باولو كويلو.

بيتزا بالنعناع:

نساء الجنوب يحسدن نظيراتهن في الشمال على هامش الحرية التي يتمتعن بها. ونساء الشمال يحسدن الجنوبيات على هدوء وسكينة حياتهن. “اخرج من عالمك إن أردت أن تصير إنسانا” هكذا يعلّق الشاعر الفرنسي اندريه سوريز. مقولة تؤمن بها أناستازيا. شابة يافعة. تدرس الكيمياء في الجامعة وتعمل وقت الفراغ نادلة في مطعم بيتزا بمدينة “فانتيميل” الايطالية. منحتني في لقاء معها بعض أسرار طبخ البيتزا الايطالية وأسرّت لي: “لو أني امتلك الخيار سأغادر فورا ايطاليا للعيش في طنجة. أحب المغرب كثيرا. طنجة والدار البيضاء زرتهما أكثر من مرة ووجدت فيهما جزء مني”. ومازحتنا بنيتها في طبخ بيتزا بالنعناع للجمع بين خصائص ايطالية وأخرى مغربية. أناستازيا مولعة بقصص “ألف ليلة وليلة” وتعتقد أنها قادرة على الحكي دون انقطاع متحديا شهرزاد. لما أخذتنا في زيارة إلى سوق المدينة ثم إلى شواطئها المنبسطة في كبرياء أخبرتنا عن رغبتها في تنظيم رحلة من الشمال إلى الجنوب تضامنا مع شباب الهجرة غير الشرعية بغية إبلاغهم انه لا فوارق بين ضفني المتوسط وان الجميع يتقاسم العيش حول منطقة واحدة. فكرة جميلة تقاسمها إياها “صوفي” التي تعمل ممرضة في مدينة “نيس” الفرنسية، في عيادة خاصة بالقرب من ساحة “ماسينا”. صوفي تقاسم أناستازيا أيضا شغف العيش في المغرب العربي. حيث تعلمت، حبا للثقافة العربية، الرقص الشرقي، حفظت بعض أغاني عبد الحليم حافظ وتعلمت مقامات الموسيقى العربية. سافرت كثيرا، من القاهرة إلى تونس، الجزائر والدار البيضاء وتعلمت أيضا بعض كلمات اللغة الأمازيغية. تمازحنا بالقول: “أنا مغاربية من اصل فرنسي”.

صحيح أن نساء المتوسط يثرثرن كثيرا. يحتكرن بعض الفظاظة في ردود أفعالهن. يبالغن في الضحك وفي القهقهة وفي السّخرية مما يدور حولهن. ولكننا لما نستمع إليهن نشعر أنهن يشتركن في هموم كثيرة. يقتسمن عيشا واحدا ويسبحن صوب ضفة مشتركة. نساء المتوسط يحملن بعض صفات “ساندريلا”. يعشن في الظل ولكنهن قادرات، في أي كل لحظة، على قلب الآراء و جملة المسلمات السائدة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This