من فتوح البلدان للبلاذريّ (ت 279هـ/892 م)
من فتوح البلدان للبلاذريّ (ت 279هـ/892 م)
فتح إفريقيّة
حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن أسامة بن زيد بن أسلم عن نافع مولى آل الزبير، عن عبد الله بن الزبير قال: أغزانا عثمان بن عفان إفريقية. وكان بها بطْريق سلطانُه من أطرابلس إلى طنجة. فسار عبد الله بن سعد بن أبي سرح حتى حل بعقوبة، فقاتله أياماً فقتله الله، وكنت أنا الذي قتلته. وهرب جيشه فتمزقوا. وبث ابن أبي سرح السرايا ففرقها في البلاد، فأصابوا غنائم كثيرة واستاقوا من المواشي ما قدروا عليه. فلما رأى ذلك عظماء إفريقية اجتمعوا فطلبوا إلى عبد الله بن سعد أن يأخذ منهم ثلاث مائة قنطار من ذهب، على أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم. فقبل ذلك.
وحدثني إبراهيم بن مسلم الخوارزمي عن عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي فراس، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: اشتبه على الناس أمر مصر، فقال قوم: فتحت عنوةً، وقال آخرون. فتحت صلحاً، والثلج في أمرها أن أبي قدمها، فقاتله أهل اليونة، ففتحها قهراً وأدخلها للمسلمين، وكان الزبير أول من علا حصنها. فقال صاحبها لأبي: إنه قد بلغنا فعلكم بالشام، ووضعكم الجزية على النصارى واليهود، وإقراركم الأرض من أيدي أهلها يعمرونها ويؤدون خراجها. فإن فعلتم بنا مثل ذلك كان أرد عليكم من قتلنا وسبينا وإجلائنا. قال. فاستشار أبي المسلمين، فأشار عليه بأن يفعل ذلك، إلا نفراً منهم سألوا أن يقسم الأرض بينهم، فوضع على كل حالمٍ دينارين جزية، إلا أن يكون فقيراً . وألزم كل ذى أرض مع الدينارين ثلاثة أرادب حنطة وقسطى زيت وقسطى عسل وقسطى خل رزقاً للمسلمين تجمع في دار الرزق وتقسم فيهم. وأحصى المسلمون فألزم جميع أهل مصر لكل رجل منهم جبة صوف وبرنساً أو عمامةً وسراويل وخفين في كل عام، أو عدل الجبة الصوف ثوباً قبطياً، وكتب عليهم بذلك كتاباً، وشرط لهم إذ توفوا بذلك أن لا تباع نساؤهم وأبناؤهم ولا يسبوا، وأن تقر أموالهم وكنوزهم في أيديهم. فكتب بذلك إلى أمير المؤمنين عمر فأجازه، وصارت الأرض أرض خراج، إلا أنه لما وقع هذا الشرط والكتاب ظن بعض الناس أنها فتحت صلحاً…
وحدثني محمد بن سعد قال: حدثني محمد بن عمر الواقدي عن الوليد بن كثير عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير قال: لما فتح المسلمون مصر بعث عمرو بن العاص إلى القرى التي حولها الخيل ليطأهم. فبعث عقبة بن نافع الفهري، وكان نافع أخا العاص لأمه. فدخلت خيولهم أرض النوبة كما تدخل صوائف الروم، فلقى المسلمون بالنوبة قتالاً شديداً. لقد لاقوهم فرشقوهم بالنبل حتى جرح عامتهم. فانصرفوا بجراحاتٍ كثيرة وحدقٍ مفقوءة، فسموا رماة الحدق. فلم يزالوا على ذلك حتى ولى مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح. فسألوه الصلح والموادعة، فأجابهم إلى ذلك على غير جزيةٍ، لكن على هدنة ثلاث مئة رأس، في كل سنة، وعلى أن يهدى المسلمون إليهم طعاماً بقدر ذلك.
حدثني محمد بن سعد قال: حدثني الواقدي قال: حدثنا إبراهيم بن جعفر عن عمر ابن الحارث عن أبي قبيل حسي بن هاني المعا فرى، عن شيخ من حمير قال: شهدت النوبة مرتين في ولاية عمر بن الخطاب، فلم أر قوماً أحد في حرب منهم. لقد رأيت أحدهم يقول للمسلم: أين تحب أن أضع سهمي منك؟ فربما عبث الفتى منا فقال: في مكان كذا. فلا يخطئه. كانوا يكثرون الرمي بالنبل فما يكاد يرى من نبلهم في الأرض شيء. فخرجوا إلينا ذات يوم فصافونا ونحن نريد أن نجعلها حملة واحدة بالسيوف، فما قدرنا على معالجتهم. رمونا حتى ذهبت الأعين فعدت مائة وخمسون عيناً مفقوءة. فقلنا: ما لهؤلاء خير من الصلح، إن سلبهم لقليل وإن نكايتهم لشديدة. فلم يصالحهم عمرو، ولم يزل يكالبهم حتى نزع وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح فصالحهم.
قال الواقدي: وبالنوبة ذهبت عين معاوية بن حديج الكندي، وكان أعور.
حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا عبد الله بن صالح عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب قال: ليس بيننا وبين الأساود عهد ولا ميثاق، إنما هي هدنة بيننا وبينهم على أن نعطيهم شيئاً من قمحٍ وعدسٍ ويعطونا رقيقاً، فلا بأس بشراء رقيقهم منهم أو من غيرهم.
حدثنا أبو عبيد عن عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد قال إنما الصلح بيننا وبين النوبة على أن لا نقاتلهم ولا يقاتلونا، وأن يعطونا رقيقاً ونعطيهم بقدر ذلك طعاماً، فإن باعوا نساءهم لم أر بذلك بأساً أن يشترى…
