من يتجرأ على أن يقول الحقيقة للعرب؟





استغربت كثيرا صمت المثقفين الفرنسيين من يهود وسواهم على أحداث غزة. فقد بحثت في الصحف التي أستشيرها يوميا عن مقالات لمشاهيرهم فلم أجد لها أثرا. أين هو ريجيس دوبريه؟ أو برنار هنري ليفي؟ أو اندريه غلوكسمان؟ أو جان دورميسون؟ أو ماكس غالو؟ أو حتى جان دانييل الذي يمثل الضمير اليهودي والفرنسي المستنير والذي لا يمكن أن يترك مناسبة كهذه تفوت دون أن يعلق عليها ويخصّص لها إحدى افتتاحياته المتميّزة في النوفيل اوبسرافتور؟ لا أحد. لا صوت. صمت مطبق. ينبغي الاعتراف بأنّ إسرائيل وقّتت عدوانها بشكل جيّد. فاحتفالات الميلاد ورأس السنة تعتبر فترة ميتة هنا في الغرب وكلّ واحد مشغول بعائلته وأحبائه ولقاءاته الحميمة واحتفالاته.


أعتقد أنّ هناك سببا آخر لهذا الصمت الغريب. أعتقد أن الكثير من المثقفين الغربيين يترقّبون نجاح إسرائيل في العملية وتخليصهم من حماس التي أصبحت عالة على الجميع. ولكن هل هم وحدهم يترقبون ذلك يا ترى؟ أم العالم كله بما فيه قسم كبير من القادة العرب؟ لحسن الحظ فإنّ أنطوان صفير اللبنانيّ الأصل استيقظ من النوم وأتحفنا بتعليقاته على الموضوع في جريدة الفيغارو. ورغم كلّ الانتقادات التي يمكن توجيهها له أو لبعض توجهاته إلا أنّي وجدت من المفيد عرض المحاور الأساسية لأفكاره . فما الذي يقوله هذا الخبير السياسيّ في شؤون المنطقة؟

في رأيه أنّ حماس أخطأت في تقديراتها. فلا الحكومات العربية تحرّكت لنجدتها ولا حتى الشارع العربي رغم بعض المظاهرات هنا أو هناك. فماذا تعني مظاهرة في القاهرة لا تضمّ أكثر من ألفي شخص؟ لا شيء تقريبا. وهل يمكن مقارنتها بالخمسة ملايين نسمة التي نزلت إلى الشارع بعد موت أم كلثوم؟ بل وحتى الضفة الغربية لم تتحرك كثيرا ولم تشعل الانتفاضة العارمة تلبية لرغبة زعيم حماس خالد مشعل. والسبب في رأي صفير يعود إلى التحسّن الطفيف الذي طرأ على مستوى المعيشة بفضل السياسة الاقتصادية الحكيمة لسليم فياض والتوزيع الجيّد للمعونات الدولية على السكان.

وبالتالي فالمظاهرات التي جرت حتى الآن في العالم العربي لا تشكّل إطلاقا أيّ خطر على الأنظمة.

وحتى في طهران حيث جرت أضخم مظاهرة لاحظنا أنّ السلطات الإيرانية لا تدعم حماس إلا باللفظ. فهي تفكر بأوباما واستلامه للسلطة قريبا كي تسوّي أوضاعها مع أميركا وليست مستعدّة للتضحية بمصالحها القومية من اجل سواد عيون خالد مشعل. ثم يردف أنطوان صفير قائلا:

يضاف إلى ذلك أنّ إيران شيعية وحماس سنية. واليوم تحصل مجازر للشيعة على أيدي السنّة في عديد المناطق من الهند إلى الباكستان إلى العراق بل وكادت أن تحصل في شمال لبنان لولا أنهم تحاشوها في آخر لحظة قبل فوات الأوان. وهذا ما يفسّر سبب مناورة حزب الله في لبنان. صحيح أنّه كان أوّل من دعا إلى مظاهرة في بيروت لنصرة الفلسطينيين. ولكنّ السيد حسن نصر الله كان في غاية الصراحة والأمانة عندما قال: نأمل أن تقوم الدولة الفلسطينية قريبا لكي نرسل إليها الأربعمائة ألف فلسطيني المقيمين عندنا.. وهذا يعني انه يريد مساعدة الفلسطينيين عن طريق التخلص منهم كيلا تختلّ التركيبة السكانية والعددية للبنان لأنّ السنّة سوف يصبحون أغلبية إذا ما بقي الفلسطينيون فيه..وبالتالي فوراء غطاء المظاهر والعواطف الاستهلاكية والتصريحات الديماغوجية واللغات الخشبية ابتدأ كل واحد يفكر في مصلحته. وحزب الله لن يتجرأ على شن حرب جديدة تدمّر البنية التحتية للبنان مرة واحدة كل سنتين..

وأما على الصعيد العالمي فنلاحظ أن حماس محشورة في الزاوية أيضا. فلا قادة الغرب ولا قادة الشرق سوف يتحسّرون على إضعافها سياسيا بل وحتى تدميرها عسكريا إذا أمكن. فقادة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يرفضون التحدث معها لأنهم يعتبرونها منظمة أصولية إرهابية لا خير يرجى منها آو من الجلوس معها على نفس الطاولة. ولو قبلوا بالجلوس معها لحققت اختراقا دبلوماسيا كبيرا ولكن ذلك يبقى مجرد حلم بعيد المنال.

إذا ما أخذنا بعين الاعتبار كل هذه المعطيات والحيثيات فهمنا لماذا تجرأت إسرائيل على الانخراط في مغامرتها العسكرية على قطاع غزة الفقير البائس المحاصر. ورغم أن حماس أصبحت مشلولة كليا إلا أنها ترفض القبول بإعلان وقف إطلاق النار مفضلة بذلك مصلحتها الشخصية كتنظيم سياسي وعسكري على مصلحة السكان البائسين الذين يدفعون الثمن باهظا حاليا. ويرى صفير أن هذا موقف انتحاري من طرف حماس اللهم إلا إذا كانت تأمل في أن تؤدي معركة غزة إلى اشتعال المنطقة كلها. وعندئذ يصبح الشعار: علي وعلى أعدائي يا رب. ولكنها لم تشتعل حتى الآن..

تحليل أنطوان صفير للأمور صريح عموما وخال من اللغة الديماغوجية ولكن تنقصه فكرة واحدة أساسية: وهي انه إذا استطاعت حماس أن تصمد في وجه إسرائيل بضعة أيام إضافية مثلما فعل حزب الله في حرب تموز فان المنطقة عندئذ قد تشتعل فعلا ويشكل ذلك نصرا لحماس. ولكن في اللحظة التي أكتب فيها هذه السطور لا أحد يعرف ما الذي سيحصل بالضبط.

فيما وراء هذه التحليلات الصحفية السريعة ولكن الضرورية لا بد من طرح بعض الأسئلة الفلسفية المعمقة: إلى متى سيستمر الصراع العربي الإسرائيلي؟ هل سيستمر مائة سنة أخرى كما يحلم الأصوليون والقومجيون؟ آم انه يشهد الآن آخر حلقاته المأساوية في مدينة غزة الشهيدة ؟ وهل يمكن للفكر العربي الرافض جذريا لوجود اليهود في المنطقة أن يستمر على حاله وكأن شيئا لم يكن؟ أم إننا سنشهد منعطفا كبيرا حتى على المستوى الأيديولوجي والفكري وليس فقط السياسي بعد انتهاء أحداث غزة؟

هناك نظريتان حول الموضوع: الأولى متشائمة والثانية متفائلة. الأولى تقول إنّ أحداث غزة بعد أحداث لبنان وكل ما حصل طيلة المائة سنة الماضية من الصراع سوف تترك شرخا لا يمحى بين العرب واليهود. وسوف تخلف أحقادا لا يغسلها التاريخ ولا يمكن تجاوزها. وسوف تزيد من علو الجدار النفسي الذي يفصل بين العرب واليهود بعد أن خاضوا المعركة على فلسطين مرارا وتكرارا وسالت الدماء أنهارا. ومعلوم أن الحاجز النفسي قد يكون حاسما في أي صراع بل وأشد خطورة من العامل الأرضي أو العامل السياسي. وهذا ما اعترف به بيل كلينتون بكل أمانة وصدق عندما فشل في فرض الحلّ على الزعيم الفلسطيني في كامب دافيد. فقد قال له عرفات في آخر لحظة: اسمح لي يا سيادة الرئيس إذا كنت قد خيبت آمالك. ولكن هل تريد أن تغتالني حماس بمجرد عودتي إلى غزة إذا ما وقعت على الاتفاق؟ حتى عرفات تراجع أمام الحاجز النفساني الرهيب رغم هيبته ومشروعيته التاريخية. فما بالك بالآخرين؟ وحده أنور السادات لم يتراجع ولكنه دفع نفسه ثمنا له على يد الأصوليين بالذات. من يتذكر أنور السادات الآن؟ آو من يقدر حجم التضحية التي قام بها؟ ليسمح لي القارئ هنا أن أروي بعض ذكرياتي الشخصية لأوّل مرة والتي لها علاقة وثيقة بالجدار النفسي الذي سوف يدمّر المنطقة عدة مرات قبل أن ينهار، هذا إذا ما انهار يوما ما! لا أعرف كم كان عمري عندما سمعت باسم اليهود أو اليهودي لأوّل مرة. سبع سنين؟ أم عشر سنين؟ أم أكثر أم اقل؟ لا يهم. لا ريب في أن تلاوة القرآن إبان الطفولة الأولى كانت هي المناسبة الأولى التي أتاحت لي الالتقاء بكلمة اليهود او بني إسرائيل. يضاف إلى ذلك مغازي الرسول بالطبع واصطدامه معهم في يثرب أي مع بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع. ولا يزال هذا الاصطدام العنيف الذي كانت له حيثيات خاصة مرتبطة بوقتها يلقي بظله الرهيب على أية علاقة مع اليهود حتى الآن. انه الباراديغم الأعظم المقدس الذي لا يمكن تجاوزه إذا لم نقدم تأويلا جديدا كليا للإسلام الأوّل وتجربة النبي ومعاناته التي أجبرته على هذا الاصطدام العنيف بهم آنذاك.أقصد بالباراديغم هنا قمة النموذج الفكري الذي يدشن تاريخا بأسره أو فلسفة بأكملها والذي يعلو ولا يعلى عليه. وإذا لم نفسره على ضوء أحدث المناهج التاريخية فانه سيظل يشكل حجر عثرة أمام أية مصالحة تاريخية قد تحصل بيننا وبين اليهود مستقبلا. أقول ذلك رغم أنّ الحضارة الأندلسية قد تجاوزته إلى حد كبير عندما لم تتردد عن إفساح مكانة كبيرة للعطاء اليهودي فيها هذا بالإضافة إلى العطاء المسيحي بالطبع. من هنا جمالها وتعدديتها وانفتاحها الذي ينقصنا الآن بشكل موجع. ولكن الأصوليين الحاليين أبعد ما يكونون عن الروح الحضارية للأندلس وسوف يظلون يستغلونه لإلهاب العداء التاريخي ضد الشعب اليهودي. فنحن لسنا في مرحلة صعود حضاري وإنّما لا نزال في مرحلة انحطاطية متطاولة ومتواصلة. انظر ازدهار التيارات السلفية الظلامية في كل أنحاء العالم العربي والإسلامي. يضاف إلى ذلك ان جرائم الجيش الإسرائيلي حاليا في غزة سوف تصب الزيت على نار الأصوليين وتعطيهم مبررات إضافية لتغذية نفس الموقف القديم الراسخ الجذور في العقلية الجماعية العربية الإسلامية. هذا بالنسبة للتاريخ القديم. أما بالنسبة للتاريخ الشخصي فأعتقد أن أوّل مرّة سمعت فيها باسم اليهود أو اليهودي بالأحرى كانت مرتبطة بحادثة شبه أسطورية ولا تكاد تصدق. كنا في قريتنا الصغيرة المرتفعة نسبيا على تلة وتحتها واد يقع أمام بيتنا بالضبط قد سمعنا بأنّ هناك يهوديا في المنطقة. لا نعرف من أين جاء؟ ولا كيف؟ وكان ذلك في إحدى الليالي فهرع الرجال بفؤوسهم وعصيّهم وأيّ شيء للركض وراءه لكي يقتلوه. وعشنا نحن الأطفال جوّا من الحماسة والرعب والهيجان لا يكاد يصدق. وكنا نعتقد أنّ اليهوديّ شخص غير مخلوق على منوال البشر. فهو الوحيد الذي له ذنب كالحيوان. وهذا ما يميّزه عن بقية الكائنات البشرية لعنه الله! ولا أعرف من أين أتتنا هذه الفكرة بالضبط. ولكننا كنا متأكدين بأنه يمشي أو يركض ويجرّ ذنبه وراءه..ولا أعرف فيما إذا كان رجال قريتنا الشجعان قد لحقوا به وقتلوه في جنح الظلام وأراحونا من شره أم لا..ولا أعرف أصلا فيما إذا كان هناك يهودي في المنطقة أم إن الأمر مجرد هلوسات جماعية..

أما المرة الثانية التي التقيت فيها بيهودي بل وإسرائيلي حقيقة هذه المرة لا أسطورة فقد كانت في مدينة بوردو الفرنسية. كنا لا نزال نتعلم اللغة الفرنسية في بداية سنتنا الأولى في بلاد موليير وفولتير. وفي فترة الاستراحة بين درسين كنت جالسا في القاعة وحيدا وأمامي جريدة اللوموند مفتوحة على باب الشرق الأوسط. وكنت أعتقد ان قراءة الجرائد هي أسرع طريقة لتعلم اللغة الأجنبية. وفجأة يقترب مني شخص ويسألني بعد ان ألقى نظرة على الجريدة من فوق رأسي: ما الذي يحصل في منطقتنا اليوم؟ رفعت رأسي عن الجريدة وحدقت فيه فوجت شابا أشقر يشبه الأوروبيين لا العرب. فسألته مستغربا: عن أي منطقة تقصد؟ انا أقرأ عن الشرق الأوسط فقط. فقال لي: وأنا من الشرق الأوسط. قلت مستحيل، من أي بلد؟ قال احذر. فابتدأت أعدد جميع البلدان العربية بكل سذاجة حتى أنهيتها كلها فإذا بالرجل ليس من أي واحدة منها. وعندئذ ابتسم ربما بمرارة وقال: من إسرائيل. عندما لفظ هذه الكلمة تركت الجريدة والغرفة ومحفظتي وكل شيء وركضت مسرعا إلى الخارج وكأني هارب من إبليس ذاته! وأقسم بالله العظيم هذا ما حصل بالضبط. لقد فررت منه مرعوبا دون أن أنبس بكلمة واحدة وكأني أهرب من الطاعون أو الكوليرا. عندما أفكر في الحادثة الآن وبعد ثلاثين سنة على حصولها أشعر بالخجل من نفسي. ولكن ماذا أفعل؟ هذه هي الايدولوجيا التي تربينا عليها منذ نعومة أظفارنا. أنا نتاج هذه الايدولوجيا وذاك الجدار النفسي الرهيب الذي أقاموه بيننا. لست أنا فقط وإنّما كل أبناء جيلي. وغزة تدفع الآن ثمن ذلك. إنها تدفع ثمن الهوة السيكولوجية السحيقة التي تفصل بين اليهودي والعربي، بين الإسرائيلي والفلسطيني. فاليهودي سوف يظل يقتل ويقتل بكل وحشية حتى يعترف العربي به وبوجوده. ما دمت تنظر إليه كمغتصب دخيل على المنطقة فسوف يظل يذبحك أو تذبحه إلى أبد الآبدين. من هنا خطورة الصراع العربي الإسرائيلي وانسداده التاريخي. انه يقتلك لأنه خائف منك أكثر مما أنت خائف منه ! من يصدق ذلك؟ انه يعيش في غيتو كبير محاصر من كل الجهات ما عدا البحر ويدعى: إسرائيل. وسوف يظل متوحشا ضد الفلسطيني حتى يشعر بالأمان وتتغير نظرة العربي إليه وتقبله كجزء لا يتجزأ من المنطقة. عندئذ تخف عدوانيته ووحشيته. يقول تيو كلان وهو إحدى الشخصيات اليهودية العقلانية النافذة في فرنسا: أول شيء يفاجئك عندما تصل إلى إسرائيل ويحصل حادث ما هو صرخة الإسرائيليين العفوية المباشرة: انظر! إنهم جميعا ضدنا. سوف يأكلوننا! هناك هذيان إسرائيلي جماعي تجاه كل ما هو عربي. وأول شيء يحلم به الإسرائيلي هو أن يعترف العربي به ويتعامل معه كانسان طبيعي. عندئذ يشعر بفرح وطمأنينة لا توصف. من هنا التركيز على التطبيع.. ولذلك أقول إن محمود عباس أخطر على إسرائيل العدوانية من حماس. أقصد انه بسلوكه الحضاري هو القادر على تخفيف عدوانية إسرائيل تجاهنا وليس حماس التي تزيدها اشتعالا. ومرة قال محمود درويش إحدى هذه العبارات الذكية التي كثيرا ما يبرع في اشتقاقها. قال بما معناه موجها كلامه للإسرائيليين: إني أعرف أنكم خائفون ولكن خوفكم يخيفنا! ثم تحدث أيضا عن ضرورة “أنسنة” العدو فخوّنوه وكفّروه..وراحوا يزعمون بأنه يبحث عن جائزة نوبل ورضا اليهود الخ..هذه حقائق ينبغي أن تقال لخالد مشعل ورمضان شلح وحسن نصر الله الخ..  الأصوليون مسؤولون أيضا عن دمار غزة بل ودمار مستقبل العرب كله وليس فقط الهمجية العسكرية الإسرائيلية. فما دام رفضهم عنيفا ومطلقا لوجود إسرائيل فسوف تستشري أكثر فأكثر وتوغل أكثر فأكثر في الدم الفلسطيني. وبالطبع فإنّ القومجيين مسؤولون قبلهم لأنهم هم الذين رسخوا هذه الايدولوجيا أيام متطرفي البعث والناصرية وصدام وكل هذه الأشكال.. لهذا السبب قررت فتح النار على الايديولوجيا القومجية الاصولية الطائفية والعنصرية واللانسانية حتى ولو كلفني ذلك حياتي.
 

أما ثالث مرة أو آخر مرة التقيت فيها بإسرائيلي أو بالأحرى بإسرائيلية فكانت في استوديوهات التلفزيون الفرنسي العام الماضي. فعندما دخلت إلى غرفة الماكياج فوجئت بوجود امرأة لا تختلف في شكلها كثيرا عن العرب. وفرحت لأنّ أحد المشاركين امرأة جميلة نسبيا وليس رجلا وذلك قبل أن تقدّم لي نفسها بالعربية وتقول لي: أنا إسرائيلية!  وهنا أيضا تحت وقع الصدمة لم أستطع التخلص من ردّ فعلي الأولي فلم أقدر على الترحيب بها كما ترحب بأي إنسان يقدم نفسه لك لأول مرة ولم أنبس بكلمة واحدة. بل قفزت على الموضوع فورا وكأنها لم تقل شيئا وانخرطت في حديث آخر. وأنا بارع أحيانا في صرف الأنظار عما لا أريد التوقف عنده او بالأحرى عما أريد تجاهله. أقول ذلك على الرغم من أنها سيدة محترمة وقد هاجمت السياسة الإسرائيلية أثناء البرنامج أكثر مني . وبعد أن عدت إلى البيت فتحت اسمها على سيدنا غوغل وعرفت عندئذ أنها كانت مساعدة لعزمي بشارة وأنها ياعيل ليرر صاحبة دار نشر مهتمة بترجمة الأدب العربي إلى اللغة العبرية في تل أبيب وتحمل الاسم الجميل المعبر: دار الأندلس.

ليفهم كلامي جيدا هنا: إني أعرف أن الأرض مغتصبة وأن الحق في جهة فلسطين والفلسطينيين وان الجدار النفسي كانت له مبرراته الشرعية بل وأكثر من الشرعية في الماضي. وأعرف أن السياسة الإسرائيلية القائمة على محو الاعتراف بالشعب الذي حلت محله في فلسطين هي السبب الأساسي في التراجيديا التي لا تزال متواصلة فصولا حتى الآن. ولكني لا أعتقد بان هذا الجدار النفسي الرهيب سوف يظل مستمرا إلى الأبد. بل ولا أعتقد بان استمراريته هي لصالح العرب والفلسطينيين بالذات. لماذا لن يستمر؟ لان فلسفة التاريخ تقول لنا بان أي صراع مهما كبر حجمه يستنفد ذاته بذاته بمرور الزمن وكلما دفع ثمنه باهظا من الأشلاء والتكاليف والضحايا. انه يتآكل من تلقاء ذاته يوما ما بعد ان يمل الناس منه ويصبحون منهكين بسببه. وشعوب المنطقة أصبحت منهكة أيها السادة ومتعبة ويحق لها ان تجرب شيئا آخر. ثم إن المستقبل مفتوح ولا يوجد غالب نهائي ولا مغلوب نهائي في التاريخ. فطمئنوا أنفسكم قليلا أرجوكم.

ثم إني أحببت أن أخرج قليلا على النظرة العربية الامتثالية للصراع من اجل رؤيته من زاوية أخرى سيكولوجية أساسا حتى ولو أدى ذلك إلى حصول سوء تفاهم لدى البعض. أريد أن أخرج قليلا على الكلام المجتر المكرور منذ ستين سنة وعلى مدار الساعة. ولا أعرف فيما إذا كنت قد نجحت في مسعاي أم لا. بل ربما زدت الطين بلة. ولا أعرف فيما إذا كانت هذه هي اللحظة المناسبة لقول ذلك وغزة تحترق. بل أعتقد العكس تماما. ولكن لا بد أحيانا من قول بعض الأشياء حتى في غير وقتها. لا بد أحيانا من السباحة ضد التيار..أعتقد شخصيا أن الايدولوجيا العربية مدعوة للتغير تدريجيا فيما يخص هذا الصراع الجهنمي الخطير الذي دمر البشر والحجر وقضى على مستقبل شعوب بأسرها وأطفأ النور في عيونها. أعتقد أن هذا الانسداد التاريخي للايدولوجيا العربية لم يعد يحتمل ولا يطاق. ولم يعد يشكل خطرا على إسرائيل بقدر ما يشكل خطرا علينا نحن. فلا نستطيع بعد اليوم أن نتوقف عند هذه الايدولوجيا القومجية الأصوليّة التي تتخذ طابع القداسة والمعصومية لدى الجماهير الأمية الطيبة بل ولدى قسم كبير من المثقفين الأميين أيضا ولكن بمعنى آخر..فهناك أمية ألفبائية وهناك أمية ثقافية وينبغي التفريق بينهما. فبعد كل ما حصل لم يعد كلام هذه الايدولوجيا كافيا على الإطلاق. ولم يعد مسؤولا. بعد مائة سنة من الصراع وليس فقط ستين سنة أصبح هناك واقع على الأرض. أصبحت هناك دولة لليهود في المنطقة شئنا أم أبينا. وهذا الواقع إما أن تعترف به كما فعل أنور السادات وعرفات ومحمود عباس والقيادة الفلسطينية بل وبورقيبة الرؤيوي الكبير قبلهم كلهم وإما أن تدفن رأسك في الرمال كما يفعل القومجيون والأصوليون وتكابر ويدفع سكان قانا وجنوب لبنان وغزة وفلسطين والعرب كلهم الثمن. وعندئذ يفوتك قطار التاريخ وتدمر نفسك بنفسك وتؤلب العالم كله عليك. كنت قد تحدثت في مكان آخر عن جدلية العلاقة بين قوة الحقيقة: أي فلسطين، وحقيقة القوة: أي إسرائيل. وقلت بان محصلة الصراع الجاري في المنطقة ستكون ناتجة عن هذه الجدلية. بل ربما كان التاريخ البشري كله ناتج عن هذا الصراع الكبير. وبالتالي فينبغي أن نوسع عقولنا كثيرا لكيلا نفاجأ بكوارث جديدة في كل مرة. ما الذي أقصده بحقيقة القوة؟ لا أقصد فقط قوة إسرائيل وإنّما أيضا وبالدرجة الأولى قوة الإجماع الدولي المحيط بها والمتفق على شرعية وجودها. فهذا الإجماع الذي تحول إلى شبه كوني بعد سقوط الشيوعية والاتحاد السوفيتي أصبح عبارة عن حقيقة موضوعية لا يمكن أن يتجاهلها أي قائد سياسي عربي وبالأخص فلسطيني. إني أعرف أن تجرع السم الزعاف أسهل من القبول به على خالد مشعل وعلينا جميعا. ولكنه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يأخذه بعين الاعتبار وإما أن يغامر بحياة شعبه كله. وهذا ما هو حاصل الآن. وبالتالي فمحرقة غزة قد تؤذن بمحرقة الايدولوجيا التي أدت إليها. وقد تزيدها اشتعالا واضطراما. المستقبل مفتوح..

ملاحظة من هيئة التّحرير : الرّجاء النّقر على صفحات المقال الموالية للاطّلاع على كامل التّعليقات.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This