«مَن أنتَ أيّها المَلَاك؟» لـ: إبراهيم الكونيّ

يستعرض الكوني في روايته الأخيرة «مَن أنت أيّها الملاك؟»، معاناة الأقلّيات في بعض البلدان التي ترفض الاعتراف بها ككينونة مختلفة، بل وتصرّ على النظر إليها على أنّها جماعات بؤريّة مرشَّحة للخيانة، وأنّها متسلّلة من خلف الحدود ينبغي ترحيلها، كما ينبغي الوقوف في وجهها عندما تحاول تفتيت الوطن.. أمّا مَن ينصهر ويتدجّن من أبنائها فيكون صالحاً مرضيّاً عنه، أهلاً للعيش تحت سماء الوطن، والنهل من خيراته. مع عدم إغفال وضعه تحت المراقبة. خشية أن يتحرّك العرق الدسّاس بما يمكن أن يكون قد تجرّعه في طفولته.. وهذه المعاناة التي يتحدّث عنها الكوني تنطبق على الأقلّيّات التي تعيش في بعض البلدان العربيّة وعلى كثيرين في مهاجرهم راهناً أيضاً، بعد التغيّرات العاصفة التي شهدها العالم، فواقع أن يُمنَع الأب من تسمية وليده بالاسم الذي يختاره يشكّل جريمة إنسانيّة ما تزال مقترفة بشكل دوريّ، حيث مئات الآلاف من البدون، أو «مكتومي القيد». كما أنّ هناك تقييداً على الاسم، حيث تحتاج تسمية المولود إلى موافقة قد تتأخّر شهوراً، وكأنّ التسميات باتت تشكّل الخطر الأكبر الذي ينبغي الوقوف في وجهه.. حيث تصرّ السلطات على عدم الاعتراف بأقلّيّاتها، وكأنّها تهمة ينبغي التطهّر منها، كما لا يوضَع علاج شافٍ لمشاكلها التي تبقى عالقة ومؤجّلة، وقيد الابتزاز دوماً..

لا يبتعد الروائيّ الليبيّ إبراهيم الكوني عن أجواء الصحراء وعوالمها التي تنسكن بها رواياته كلّها، بطريقة أو بأخرى، حتّى أنّ هذا التركيز من قبله حصره في الصحراء التي بدا وكأنّه غير قادر على التخلّص منها، أو غير مريد لذلك ربّما، في توأمة بينهما.. يختار الكوني جانباً هامّاً، يبني روايته على المفارقات، يبدأ بطله «مسّي» بالبحث في السجلّ المدني عن اسم لوليده، يختار له اسماً من قائمة لا ترضى عنها السلطات، أي يكون اسماً منحدراً من لغة أخرى وسلالة أخرى، غير تلك التي يضفي عليها النظام القداسة ليستلّ منها سلطاته المقدّسة. يختار لابنه اسم «يوجرتن» الذي يعني بطل الأبطال، أو رسول الحرّيّة بمعنى آخر، لكنّ اختياره يقابَل بالرفض، وعند اعتراضه يصبح نهباً للتأجيل والتمطيط المزمنين. أثناء ذلك، تقع كثير من الأحداث، تموت الأمّ التي لا يتغرغر فمها باسم وليدها، يكبر الابن الذي يبقى بعيداً عن التعليم، يصبح عرضة للانتهاكات والسباب، يوصف بأوصاف شائنة، قد يكون أهونها اللقيط. تمضي السنون، ولا يفلح في انتزاع الاسم لابنه. عندما يكبر ابنه يختار لنفسه اسماً «جريء»، ولا يكون عند حسن ظنّ والده به، يقرّع والده على تضييعه كلّ تلك المدّة في سبيل الاسم، ولا يعترف بأنّ الاسم هو الهويّة، بل يقول إنّ الفعل هو الأهمّ. يستنكر الأب من ابنه ما يسمعه، لكنّه يغفر له طيشه ونزقه وتهوّره لأنّه في مرحلة تجبره على ذلك، ثمّ يقع الأب نفسه ضحيّة صفقة بين «موسى» الذي هو قرين «مسّي» نفسه، أو الوجه المهادن له، والسلطات التي تتكفّل له بتيسير أموره المُعسّرة.. يتّفق مسّي مع شركة نفط ليعمل معها كدليل صحراويّ، كونه ابن الصحراء، مقابل وعد منهم بمساعدته على انتزاع اسم ابنه، يبرّر لنفسه خيانته للعهد الذي شبّ عليه، بأنّه من أجل وليّ العهد، الذي سيرث منه عهده.. يعرّفه في الصحراء على الحجر المقدّس الذي دوّنت عليه أرواحُ الأجداد الوصيّة، والتي تقول بأنّه ينبغي قتل من يدلّ الأغيار على الكنوز الدفينة، يتعرّف مسّي على «نزيه» الذي يعمل سائقاً مع الشركة، والذي كان قد استلم منه ملفّه منذ سنوات، وأعطاه إيصالاً بالاستلام، كان كفيلاً بطرده من وظيفته. يدلّه على بعض الوسائل الممكنة في محاولة أخيرة.

تتناهب الابن حالات عديدة، يحقد على والده الذي يضحّي به في سبيل الاسم، كأنّ الاسم بات أغلى منه نفسه، أي صار يعيش من أجل الاسم الذي رهن له حياته كلّها، غدا الخطوة الوحيدة، من دون أن يكون هذا الاسم الخطوة الأولى فقط، ينضوي الابن تحت لواء جماعة معارضة، تخطّط لنسف السجلّ المدنيّ، يصبح غير مكترث بما ستؤول إليه الأحوال، لا يهمّه شيء، لا يخشى من شيء، لا يكون هناك شيء يخشى عليه، يصبح مستهتراً بكلّ القيم التي ضحّى والده من أجلها، يرفض أن يعود إلى الصحراء التي تكون الموئل الأوّل والأخير لأبنائها، يعارض قرار والده بالرحيل قبل الترحيل الإجباريّ، يترك البيت ليلتحق بمجموعته، دون أن يتكلّف عناء متابعة سير أوراق الاسم، لأنّه قد اكتسب لنفسه اسماً وُصف به «جريء»، برّر لوالده، لطالما إنّ الاسم يكتسَب بناء على صفة، هاأنذا قد اكتسبت اسمي، ولا حاجة بي إلى أيّ اسم آخر..

ما المصير الذي يختاره الكوني لبطله الموغل في المعاناة..؟!

يكتشف مسّي أنّ ابنه قد دلّ الأجانب على موضع الحجر المقدّس، يهتاج ويتألّم جدّاً لذلك، يحاول أن يبدأ انتقامه الذي توجبه قوانين الصحراء، يرابط عند أسوار الشركة التي عقدت الاتّفاق معه، لكنّه لا يتمكّن من إيجاد مديرها الذي هرّب الحجر إلى الخارج، في محاولات لا تتوقّف لنهب التراث، وإفراغ الأرض من كنوزها، وعندما يتوجّه إلى المخفر ليبلغ عن السرقة التي وقعت، والتي تكون أرض الوطن ضحيّتها، لم يوله رئيس المخفر اهتماماً، وأخبره أنّ هناك سرقات يوميّة من هذا القبيل، وأنّ السلطات ليست فاضية لهذه الترّهات.. يتوجّه بعدها «مسّي» إلى البيت المهجور القابع في منطقة نائية، حيث يسكن ابنه مع ثلّة من الناقمين على الأوضاع، الذين يخطّطون لإشعال النيران ونسف منشآت الدولة.. يجتاز فسحة الحقول، يتمعّن في الحقول المستباحة بأنياب الجرّارات الوحشيّة، حيث لم تعد هنالك حاجة إلى حشاش الأرض التي كانت تقيهم وأجدادهم الجوع والعطش، «لأنّ نزيف الأرض الشقيّة المسمَّى في لغة القوم نفطاً، أشبعهم من جوع وآمنهم من خوف، فظنّوا أنّ هذا النزيف الذي حقّق لهم الرخاء يمكن أن يستمرّ إلى الأبد، فما كان منهم إلاّ أن قطعوا دابر أنبل الأشجار ليستزرعوا مكانها بسط الأعشاب الضارّة لا ليفيدوا من بهاء مرآها، ولكن ليتباهوا أمام بعضهم بعضاً بلونها الأخضر..»، ثمّ يصفهم بالأشقياء، ويشبّههم «بأحمق الصحراء الذي أبصر سراباً فخاله بحيرة ماء، فاستصغر ماء قِرْبته أمام سخاء بحيرة الوهم، فما كان منه إلاّ أن دلقه أرضاً ليهلك بعدها ظمأ!». ص251. يسير مسّي وابنه معه عبر الحقول صامتين، «كأنّ صمتهما إدانة لدنس الإنسان. كأنّ صمتهما إكبار لبكارة السكون. كأنّ صمتهما إعادة اعتبار لقداسة الصمت مقابل خطيئة اللسان». 252- 253. وهما في حالتهما ساهيان عمّا حولهما، يقع بصر الأب على شجرة رتم وحيدة، معزولة، منقطعة عن الأشجار، كأنّها في غربتها عن هويّتها الصحراويّة الخالدة مماهاة مع مسّي المنقطع عن وطنه الشقيّ، وجد في ذلك رسالة، لأنّ شجرة الرتم ملجأ روح الصحراء الوحيد، بحسب وصايا الأسلاف، «ولكنّ روح الصحراء لا تخرج من مخبئها في شجرة الرتم لتعود إلى صحرائها إلاّ بقربان جسيم». ص 253. وهذا القربان الجسيم يكون الابن الذي يضحّي به الأب، يغرز نصل مديته التي كان قد وهبها إليه والده، يقتل بها ابنه، الذي لم يبقَ وفيّاً لقيم الصحراء، لم يكن أهلاً ليخلف سلالتها، يفضّل الأب أن يبقى وحيداً معزولاً مغترباً كشجرة الرتم، ليعيد للصحراء ألقها وسحرها وملكوتها، يفي بوعده، يلتزم بوصايا الأسلاف.. يروي دم الابن شجرة الرتم، يكون ابنه أضْحية العيد.

بهذه النهاية المأسويّة ينهي الكوني روايته، ليكشف عن هويّة ذاك الملاك الذي يسأله في العنوان. ولكن بعيداً عن النهاية الميلودراميّة المؤسية التي أنهى بها الرواية، وقريباً من المناقشة الفكريّة حول هذه النهاية، لماذا يكون الافتداء قاسياً إلى هذه الدرجة، لماذا يقضى على الإنسان الذي لا تسعفه أرضه، لماذا هذا الإصرار على العودة إلى روح الصحراء، ولماذا هذه النوستالجيّة المَرضيّة إلى البدايات، لماذا يختصر العمران الشرور كلّها، لماذا تكون الصحراء الملاذَ الأخير، لماذا الحرص على البقاء في الصحراء التي تكون المكان الأقدس بالنسبة لشخصيّاته؟ هل هي حيَوات ومصائر روائيّة لا ينبغي التمعين فيها أم أنّها رؤى الروائيّ التي يقترحها..؟ هل يكون ملتزماً بها إذا سنحت له الظروف..؟! ماذا لو أنّ الكاتب اختار عدم قتل الأب لابنه الذي كان يسعى إلى قتل تعاليمه في روحه، من خلال الثورة عليها، وعدم الالتزام بها، كأن يرفع الأب مديته، ويمرّ الشعاع المخضّب بالدم أمام عينيه، من دون أن يزرعها في كيانه، ليسقي بدمه شجرة الرتم؟ لماذا لا تكون الشجرة المفتداة منقذة للابن كونها تحمل روح الصحراء، لا الموجبة للافتداء والتضحية به..؟! لماذا يبقى العمران نقيض الصحراء، المختصر لكلّ السلوكات الشائنة والملعونة..؟!

لا شكّ أنّ الحديث عن عظَمة البدايات واجب، لكنّ السعي إلى تعميم تلك البدايات على الحاضر والمستقبل، لعدم جدارة القيّمين على الأمور بالمكانة التي يشغلونها، ولعدم الرضى عن سياساتهم الفاشلة التي لم تكن بالمستوى المأمول، يكون خروجاً من التاريخ، وتهرّباً من سنّة الصيرورة التي تكمل دورتها اللانهائيّة.. الصحراء بشمسها الحارقة وأجوائها القاسية، تكون رائعة ومجمّلة روائيّاً، لكنّها واقعيّاً تبقى صحراءً.. هذا ما لا ينبغي تجاهله..

رواية الكوني، رواية الأسماء المنهوبة، والذوات المضحَّى بها.. رواية الهويات المتقاتلة القتيلة، والأسماء المنزوعة، المكتسبة، المرفوضة، المفروضة.. تزاوج بين الألم والأمل، تنزع طمأنينة مظنونة، تطرح وقائع عن آثام ما تزال مقترفة..

***

{{الرواية صادرة عن سلسلة دبي الثقافيّة يناير 2009، تقع في 255 صفحة من القطع الوسط. تنقسم إلى ستة وثلاثين فصلاً.}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This