ناغاي لوسوكو: شمعة كبيرة عند نصب ضحايا هيروشيما… وضحايانا

مع أعياد المرأة وذكرى ثورة النساء على التمييز والقهر، أتذكر عيد ميلادي في السابع من مارس من كل عام. وتتواشج أيام الأسبوع الأول من مارس مع أنشطة تتذكر فيها النساء أوضاعهن ومكانتهن المتدنية في سلم التراتبية الاجتماعية على امتداد بلاد العالم وفي مقدمتها بلداننا العربية. ويصادف أن يكون الاحتفاء ورمزيته مقترنا ببشائر قيامة الحياة في الأرض والطبيعة وعودة النسغ الحي للشجر وأجساد النساء على نحو خاص، إذ تستجيب للتفتح الخصوبي في الطبيعة جوارح الأجساد وتتلقى هبات الربيع، رعشات واحتدامات تمد الحياة الإنسانية بأسباب البقاء ومحفزات الإبداع والتواصل بين البشر..
شأن طقسي ورمزي أكثر مما هو فعل واقعي، أن أطلب من شاعر عراقي صديق يقيم هووزوجته في هيروشيما، إشعال شمعة ووضع زهرة كبيرة بيضاء عند نصب ضحايا هيروشيما. أردت أن أشير إلينا نحن الضحايا الأحياء للسياسة ذاتها. ضحايا نتداول الحياة افتراضيا، لأننا بلا أية إمكانات للحياة في بلد الموت والموتى. فالكل، في حساب الجرد الأخير، مرهون للإبادة المتاحة والموت المجاني بقنابل ومتفجرات، لو جمعنا قواها خلال أعوام العنف الأربعة في العراق ومدنه، لاكتشفنا أنها تفوق مئات المرات قنبلة هيروشيما…
شئت أن احتفي بالإنسانية في قيامتها من الهولوكست النووي، لعلنا نتماهى مع الناجين ونقوم من خرافة الفكر الماضوي ونعيش في زمن البشرية وعصر الإنسان ونعيد الإعتبار للخيال والتسامح والمعرفة والعلم، على أمل أن ننجو من آليات التجهيل وأحكام التكفير وإلغاء كل من يخالف أو يختلف، أو يرى الحقيقة من زاوية غير التي نراها منها بنسبيتها وتنوع ظهوراتها…
فنحن في العراق الآن نعيش عصر الهويات البدائية المتناحرة، والهويات النهمة التي تفترس ذاتها برفضها لكل آخر، وتشير إلى انقراض وشيك لحامليها، بخاصة وهم يقصون نساء العراق عن الحياة والإسهام اليومي في صنع تفاصيلها، ويحجرون عليهن في زرائب الحريم ويعدونهن قطيعا شيطانيا يشيع الفاحشة فلا يأمن الذكور المساكين العزّل فتنتهن!.. ولايأمن عليهن أولياء الأمور من عهر يتشهونه أو يمارسونه مع نساء أخريات، بدعوى الترفيه عن المجاهدين الذين يبذلون دماءهم ودماء الأبرياء من أجل التعجيل بتأسيس إمارات إسلامية في جزر معزولة من العراق أو للإسراع بظهور مخلصّ موعود، يقتضي ظهوره أن يعم الفساد والدم والخراب العالم، ليبرر مجيئه على طوفان دم …
نشعل ناغاي لوسوكو لأيام سلام نرتجيها وحرية قد تفوز بها النساء والرجال ونحلم أن نقوم قيامة من جنون الطوائف وظلمات المتفقهين و نغتسل في لحظة حقيقة من طوفان الدم الذي يجتاح الزمن في العراق، ونحن لا نوح لدينا يبني سفينة إنقاذ يصحبنا فيها، ولا حمائم تشير إلى نجاة وشيكة من طوفان الجنون… لذلك، نقوم بأداء طقوس رمزية نستدعي بها السلام. وخير موقع على أرض البشر لقول نداء السلام هو ميدان هيروشيما، أمام النصب التاريخي للضحايا الذين افترستهم آية حضارة العلم العظيم…
لم يكتف الشاعر الصديق ( باسم فرات ) بزهرة وشمعة، بل اشترى شمعتين كبيرتين وأشعلهما هناك أمام النصب التذكاري للضحايا، وقال : شمعة لك وشمعة للعراق . ووضعهما وسط أكاليل الزهور، وخشي أن تحرق شموعنا النذرية زهور هيروشيما النضرة المتجددة,التي يضعها الزوار تحية لأرواح ضحايا قنبلة الحضارة على مدار أيام العام . وشكرني الصديق الشاعر لأنني بهذا، المطلب الرمزي، أتحت له تعلم كلمتين جديدتين من اللغة اليابانية، من سيدة يابانية تبيع الشموع حاورها بلغة الإشارة، طالبا شموعا كبيرة , فكتبت له بلطفها الياباني : ناغاي لوسوكو : شمعة كبيرة، وتعلمت زوجة باسم فرات ايضا ان تقول ناغاي لوسوكو, مثلما تعلمت أنا واستعرت الكلمتين عنوانا لمقالتي هذه…
ناغاي لوسوكو.
ناغاي لوسوكو هي ما يحتاجه العراق لتبديد عتمات الجنون العقائدي و إحراق رايات الإمارة الإسلامية المرفوعة فوق جثث البنات والشباب المقتولين في أيام الإبادة وإزاء مشهد مريع من أنقاض ثقافتنا ورماد مكتباتنا… هل تكفي شمعة من كل عراقي لدحر كائنات الكهوف وخلائق التحريم ورجال العصابات الدينية والسياسية ومافيات الجريمة المنظمة؟
هل بوسع عشرين مليون شمعة أن تهزم السحنات الكريهة لرسل طالبان والمبشرين بالقيامة وبظهور المخلصّين الخرافيين؟
هل تكفي عشرون مليون شمعة لمحو الرماد ومخلفات قرون من القمع وتدمير العقل وحجب البراهين بخرافات وأقاويل؟
هل تهزم ملايين من ناغاي لوسوكو – الشموع الكبيرة – ظلمات بغداد وتحيي موات العقول وتغسل الحاضر من عار الابتذال الفكري وحكم الذكور ذوي اللحى الشعثاء، والممسوخين إلى وحوش تحتسي دما وتضاجع رمما وتبيد شعبا بدعوى أحكام الشريعة والعودة الى أصول الدين؟
ناغاي لوسوكو، شريعة الضوء وحاشية الأمل الإنساني. ناغاي لوسوكو هي أصابعنا التي بترت لأننا بتنا نخشى كتابة اسم مذكر جنب اسم مؤنث لئلا نقتل بدعوى إشاعة الفحش مثلما منع أشباح الإمارة الإسلامية في العامرية وحي الغزالية والدورة في بغداد بيع الطماطم مع الخيار في دكان واحد وحرموا وضعهما في كيس واحد لئلا تحدث الفاحشة، فهم لايرون ابعد مما تحت سرتهم حيث ترقد أدمغتهم المعطوبة بين سيقانهم ويعملون على تدمير منجزات العقل و الحضارات لأنها تضع العقل في مقامات عالية وتؤدي أفعالها باتجاهات مغايرة بينما تتجه إماراتهم الظلامية إلى سنن الكهوف وشرائع التحريم وهدر دم من لا يؤمن بما يؤمنون…
ناغاي لوسوكو هي عقولنا التي طال اقتلاعها وطال إلغاؤها وآن الأوان لنعيد لها اعتبارها الذي أهين منذ جُلد الفيلسوف الكندي وحورب المعتزلة وأهل الكلام، ومنذ أحرق التوحيدي مخطوطاته، ومنذ بترت أطراف الحلاج لصيحته العظمى التي أملاها خيار عقله وتوصلات تأملاته، ومنذ سملت عيون المفكرين وقطعت ألسنُ ناقدي نظم الحكم حتى يومنا هذا …سأوقد كل ليلة ناغاي لوسوكو من أجل شروق العقلانية وسطوع العلم ودحر الخرافة، وسأوقد كل مساء ناغاي لوسوكو من أجل حرية النساء في بغداد، وهن يرغمن على ارتداء الحجاب الأفغاني المزود بثقوب للرؤية، أو يجبرن على ارتداء النقاب في مناطق أخرى ويمنعن من الذهاب إلى أعمالهن وجامعاتهن ومدارسهن…
هذا نذر جمالي أن أوقد شموعا من أجل حرية التعبير وحرية العيش وحرية الفكر وحرية الإقامة في أية منطقة من مناطق العراق. طقس حضاري لا علاقة له بأية شعائر أو تلميحات دينية أو خرافية…
ناغاي لوسوكو شمعة كبيرة من أجل حرية البشر وانعتاقهم واسترداد هيبة العقل الحر…
ناغاي لوسوكو لجميع الناجين من هولوكست العراق…
ناغاي لوسوكو لكل النساء اللاتي رملتهن حروب الطغاة وحروب الغزاة… ناغاي لوسوكو للمتنبي الذي يقتل مرات ويقوم من رماده، شارع مكتبات وثقافة وشاعرا خبر فرادة الفرد إزاء الجموع…
ناغاي لوسوكو لكم جميعا يا من تنادون بالحريات وسلطة العقل وسلام الأرض…

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This