نحو إعادة التفكير في مفهوم الأمة: النزعة الكلبية والنزعة التّقَوية وجهان لعملة واحدة
حين تبلغ بعض الأمور أو بعض المسارات نهاياتها الطبيعية تكون قد أفصحت تباعاً عن جميع مكنوناتها وعن جميع خصائصها؛ وحين تنضج الثمرة وتبلغ تمامها، فتشرف على الموت، يكون جنين الشجرة قد اكتمل في بذرتها؛ هكذا هي الأمور في الطبيعة، وفي المجتمعات (الطبيعية) الراكدة، حيث تعيد الحياة إنتاج ذاتها مرة تلو مرة، بلا أي تغير نوعي سوى ما تأتي به المصادفة، على صعيد الطبيعة غير المؤنسنة بعد، وما تأتي به تيارات العصر وقاطرة التاريخ العمياء، على صعيد المجتمعات الراكدة والنماذج الثقافية المتيبسة، التي ليست بعد منظومات عمل تاريخي راهن تستفيد من تراكم المعرفة وتراكم الخبرة، فتجدد بنيانها، وتثري حياتها الروحية، فتنتج نموذجاً ثقافياً جديداً، يحمل خصائصها الوطنية والإنسانية الأصيلة، ويضعها على قدم المساواة مع سائر النماذج الحديثة، التي ليست سوى تنويعة على التجارب الإنسانية وأشكال الحياة الاجتماعية. هذا الدرس، درس النتوج والصيرورة، وإمكانية تحول ما هو موجود بالقوة إلى موجود بالفعل، الذي لم تدحضه أي فلسفة بعد، هو الدرس الأول في معنى العقل، عقل العالم، وعقل الكون، بجميع المعاني الممكنة، وفي جميع العوالم، أو في جميع الأمكنة والأزمنة، سوى عوالم النيام بأحلامها وكوابيسها، وعوالم الذين أوتوا الحكمة من علٍ.
الدرس الذي يعلم من البداية أن للإرادة الذاتية حدوداً هي ذاتية الواقع، فضلاً عن موضوعيته وعن كونه موضوعاً لفعل الإنسان. فالإرادة الحرة هي التي تعي حدودها وحدود حريتها، في ضوء منطق الواقع، الذي لا يمكن أن يطيعنا إذا لم نطعه. ذلكم هو مبدأ التقانة وحاضنتها المعرفية والثقافية والروحية، منذ شرع الإنسان في اختراع الأدوات حتى يومنا، التقانة (مبدأ اختراع الأدوات، ومبدأ كل اختراع) التي لم تكن، وليست اليوم، سوى أدوات الحاجات الإنسانية، المادية والروحية، الضرورية منها والكمالية. ولعل القول الأخير أو القول الفصل كان ولا يزال لهذه الحاجات الإنسانية، التي لم تحظ، ولن تحظى، على الأرجح، بإشباع تام، وذلك هو أصل التقدم والتحسن.
وهكذا ما كان يسمى “حركة التحرر الوطني” العربية؛ وقد يطيب لبعضنا أن يسميها “حركة التحرر القومي”، التي أفصحت تباعاً، في سياق التجربة العملية، عن جميع مكنوناتها وجميع خصائصها، وتبدو لنا اليوم جلية، لا في الأنظمة “القومية” الشمولية وما جرته على بلدانها من خراب، فحسب، بل في الأحزاب والتنظيمات الشمولية المعارضة و”المقاومة”. فلم تكن هذه الحركة سوى حركة اعتماد، أو مراوحة في المكان، إن لم نقل حركة تراجع بلداننا ومجتمعاتنا وانتكاسها إلى أسوأ ما في تاريخها. فكل ما لا يتقدم يتراجع بالضرورة. هذا التقويم الإجمالي لا ينفي التقدم والتحسن الحاصلين في هذا القطاع أو ذاك، ولكنه يشير إلى أن هذين التقدم والتحسن لا يزالان محصورين في جزر معزولة، حتى في القطاع المعني ذاته، ولا يزال تأثيرهما محدوداً في الحياة العامة، وبعيداً عن إحداث نوع من ثورة كوبرنيكية في الذهن تتغير بموجبها زاوية نظر الفرد والمجتمع إلى ذاته وإلى العالم، وتتجدد، من ثم، طرائق التفكير والعمل. لدينا مصانع حديثة، مثلاً، ولكن ليس لدينا صناعة حديثة، ولدينا آلات وتجهيزات حديثة ولكن ليس لدينا تكنولوجيا، بمعنى دمج العلم بالعمل، ولدينا صحف ومجلات ولكن ليس لدينا صحافة، ولدينا نقابات ولكن ليس لدينا نقابية ذات مناقب، ولدينا أحزاب ولكن ليس لدينا سياسة، ولدينا برلمانات ولكن ليس لدينا حياة برلمانية أو نظم برلمانية … إلخ.
ولأنه ليس لدينا سياسة ليس لدينا دولة، فإن إمكانية احتلال العراق ودمار دولته كانت ثاوية في قاع “ثورة” الثامن من شباط 1963 وتحولاتها، وفي بنية حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي اغتصب السلطة واحتكر جميع مصادرها، منذ عام 1968 واحتكر من ثم جميع مصادر الثروة وجميع مصادر القوة، وأعاد تنسيق بنى المجتمع وفق نسقه الشمولي، ووفق المصالح الخاصة العمياء لطغم رعاعية سمسارة ونهابة. وكانت ثاوية، بالقدر نفسه، في بنى الأحزاب التي تحالفت معه في “جبهة قومية تقدمية”. ولم تكن هذه جميعاً سوى خلاصة موضوعية لبنى المجتمع العراقي، الذي لا تزال جماعاته الإثنية والمذهبية والطائفية والعشائرية متحاجزة ومتفاصلة كالزيت والماء. وقابلية سورية للاحتلال ودمار الدولة، أو للتفكك والفوضى، وليقل لي أي عاقل خلاف ذلك، ثاوية في قاع ثورة الثامن من آذار 1963 وتحولاتها، وفي البنية الفكرية والسياسية والأخلاقية لحزب البعث الحاكم، “قائد الدولة والمجتمع” وقائد “الجبهة الوطنية التقدمية”. فقد دخل العراقيون نفق الثورة شعباً أو جنين شعب، ودولة جمهورية أو جنين دولة، وخرجوا منه طوائف وعشائر وإثنيات متقاتلة، وأخشى أن يخرج السوريون من نفق ثورة الثامن من آذار “المجيدة” على هذا النحو الكارثي. ومن اللافت للنظر أن القرن العشرين الذي صرنا فيه إلى ما نحن عليه اليوم ليس معدوداً، لدى القوميين والإسلاميين، في تاريخنا “المجيد”؛ فليس أسهل من طمس تجربة قرن من الزمن سوى إغماض العين عن مشكلات الواقع العياني؛ فلينعم الذين أوتوا الحكمة وهم نيام.
ها نحن أولاء نقطف ثمار ما زرعناه بأيدينا، منذ أكثر من نصف قرن. وقد أطلق بعض المفكرين على هذه المرحلة التي نشهد نهاياتها اسم “محاولة النهضة الثانية”، التي قادها عبد الناصر، وأطلق عليها آخرون اسم “الثورة”، وكان لهذا الأخير من البريق والتوهج ما جعله يطغى على الأول ويهمِّشه ويقصيه أو يفرغه من محتواه. بل إن “الثورة” كانت في واقع الأمر قطيعة معرفية وفكرية وسياسية وأخلاقية مع تلك النهضة الفكرية، أو اليقظة الفكرية، بما انطوت عليه من قيم الحداثة ومبادئها وأفكارها ومناهجها، وبما انطوت عليه من روح نقدية أولاً وكونية ثانياً ومتسامحة ومعتدلة ثالثاً، ومستقبلية ومنفتحة على العصر الحديث في المحصلة.
فلم يعد نقد الحركة القومية العربية (حركة القوميين العرب وحزب البعث العربي الاشتراكي والحركة الناصرية وجبهة التحرير الوطني الجزائرية .. وما تفرع عنها) مجرد نقد أفكار أو آراء يتفق المرء مع بعضها ويختلف مع بعضها الآخر، بل صار، ويفترض أن يكون، نقداً لتجربة عملية ذات طابع نسقي، أيديولوجي وسياسي وأخلاقي، شغلت نحو نصف قرن من الزمن، وأسفرت في غير مكان من عالم العرب عن أبشع مظاهر التسلط والاستبداد والطغيان واحتقار الشعب، ولا تزال مستمرة في غير مكان مقنَّعة بالأيديولوجية ذاتها، التي صبغت الوعي الاجتماعي بصبغتها، أي بازدراء القانون وازدراء النظام الأخلاقي العام، الاجتماعي/الإنساني، وازدراء كل ها هو عام ومشترك بين مواطني الدولة المعنية، وأنتجت نوعاً من ثقافة جماهيرية هي ثقافة الاستبداد وثقافة الخوف، وأعادت إنتاج علاقات التبعية والولاء والانقياد الأعمى والطاعة الذليلة لـ “صاحب الأمر”، الذي يمنح ويمنع على حسب ما يقتضيه الهوى. فبات من المؤكد، على مرور الزمن، أن هذا النسق الشمولي إما أن يكون بتمامه وإما لا يكون.
الكلبية والتقوية وجهان لعملة واحدة
أجل إنها مسألة طغيان، ومسألة الطغيان والشمولية والاستبداد، التي وسمت الأنظمة القومية والإسلامية، قبل أن تكون، وبقدر ما هي، مسألة اجتماعية اقتصادية و”صراع طبقات”؛ الثورة أكلت النهضة، وتحولت في غير مكان إلى “دولة”، ثم أكلت أبناءها، ثم أكلت نفسها، فتحولت إلى نوع من مسخ سياسي يبدو اللوياثان إلى جانبه كائناً رحيماً. فقد حلت الثورة محل الدولة، وحلت إرادة القيادة الثورية الخاصة، ثم إرادة القائد الفرد، “القائد الملهم” أو “القائد الضرورة” محل الإرادة العامة، وغدت “مصلحة الثورة”، التي لم يتبق منها سوى شعاراتها الجوفاء، التي تقنِّع القوة والمكر: “قوة الأسد ومكر الثعلب”، ومقتضيات الدفاع عن هذه الشعارات الجوفاء، غدت معياراً رئيساً، إن لم نقل وحيداً، للحقوق والواجبات، ومعياراً للقيم. ولم يتوقف أحد عند هذا المسار الانحداري: من العام إلى الخاص ثم إلى الفردي، (من سلطة الدولة إلى سلطة الحزب ثم إلى سلطة الفرد) الذي كان مسار تآكل الدولة وإزهاق روحها، أعني القانون، من جهة، وإخراج كتلة المجتمع الأساسية من عالم السياسية ومن عالم الثقافة، وتعطيل عملية الإنتاج الاجتماعي، تحت عنوان التأميم والتحويل الاشتراكي، من جهة أخرى. ولهذا المسار هنا مغزى آخر هو تذرير المجتمع وتفكيك عرى التضامن والتكافل بين الأفراد والجماعات والفئات الاجتماعية، وتحويله بالتدريج إلى نوع من “مجتمع بلا طبقات”، إنه بالأحرى مسار انحلال الروابط الوطنية، التي كانت آخذة بالتشكل في العهد الليبرالي القصير، بعيد الاستقلال، وبروز الظاهرة التوتاليتارية، الجماهيرية القطيعية، ونموها طرداً مع تغوُّل السلطة أو توحشها. فمن الحماقة أن نتخيل، ونحن في القرن الحادي والعشرين، صورة الدولة وصورة سلطتها السياسية على غير صورة الإنسان.
الطغيان الذي أزهق روح الشعب، وجفف منابع الإبداع، على كل صعيد، وجعل الحياة العامة قاعاً صفصفاً تتناوح في أرجائه رياح الألم والشكوى، وتفوح منه رائحة الموت، هو التعبير العملي عن نزعة كلبية[1]النزعة الكلبية، التي وسمت الأحزاب القومية والاشتراكية، تزدري النظام الأخلاقي، وتزدري القانون، أي تزدري الدولة، بمعناها الحديث، وتختزلها إلى مجرد سلطة غاشمة وولاية على البشر، وتجعل منها ملكية حصرية للحزب الثوري، (دولة البعث) وللقائد الملهم، أو للقائد الضرورة، (سورية الأسد وعراق صدام ومصر السادات أو حسني مبارك وليبيا القذافي، نبي الصحراء وأمين القومية العربية)، وتزدري من ثم الفضيلة والثقافة، أعني المواطنة، التي هي فضيلة الدولة الحديثة وقوام ثقافتها، ولا تعبأ بالحقائق الواقعية. النزعة الكلبية هي المعادل الأخلاقي للظاهرة الرعاعية في النظم الشمولية، قومية كانت هذه النظم أم إسلامية أم اشتراكية.
والنزعة التقوية، التي تسم “الجماعات الإسلامية” وجماعات “المقاومة الإسلامية”، بلا استثناء “لا تمت بصلة إلى التقوى الفعلية، التي تقرن عبادة الله باحترام القانون واحترام الحقيقة المطلقة والارتفاع بها فوق الصورة الذاتية للشعور”، كما يقول هيغل. فهذه الجماعات تخفِّض كل منها الله إلى إله خاص بها مطبوع بطابعها المذهبي أو الطائفي، فتصير “أفكارها” إلهية، وأفعالها إلهية وسلاحها إلهياً و”انتصاراتها” إلهية وقادتها آلهة تختار شعوبها، كإله إسرائيل. النزعة التقوية هي بالأحرى نزعة مذهبية أو طائفية لا تمت بصلة إلى الدين بوصفه مبدأ معرفة ومبدأ حرية ومبدأ محبة ومبدأ جهاد النفس الأمارة بالسوء. “فالدين الذي أعلن على الملأ أن الناس جميعهم متساوون في نظر الله، لا يسعه إلا أن يقرر أن جميع المواطنين متساوون في نظر القانون”.
النزعة الكلبية والنزعة التقوية وجهان لعملة واحدة، وهما أساس الفساد والتعسف والاستبداد. وكلتاهما نزعتان شعوريتان، (ذاتيتان)، تحدد كل منهما عالماً خاصاً وحصرياً لا مكان فيه للآخر المختلف، ونسقاً أخلاقياً قوامه ازدراء كل ما هو عام ومشترك، وتعظيم ما هو خاص وحصري، حزبياً كان هذا الخاص أم مذهبياً أم طائفياً أم فئوياً أم طبقياً أم “قومياً”. وهما سمتان بارزتان لا للأحزاب الأيديولوجية والتنظيمات الشمولية فحسب، بل للبنى المذهبية والطائفية والإثنية، التي غدت بنى موازية للأحزاب الأيديولوجية والتنظيمات الشمولية وجماعات “المقاومة الإسلامية”، تتغذى منها وتغذيها. ولعل أخطر ما تنطوي عليه هاتان النزعتان: ونزعة تقوية تلبستا الأحزاب، الأيديولوجية، القومية، كحزب البعث العربي الاشتراكي وغيره، كما تلبستا “الجماعات الإسلامية”، جماعات الإسلام السياسي وجماعات “المقاومة الإسلامية”، وصارتا من أبرز خصائصها. ولم تكن الحركة الاشتراكية، ولا سيما الأحزاب الشيوعية، بريئة منها. جذر النزعة الكلبية والنزعة التَّقَوية يكمن في عقيدة أكثرية القوميين وفي عقيدة أكثرية الإسلاميين وأكثرية الاشتراكيين، أو في اقتناعهم الذاتي، أنهم يناضلون في سبيل “الأمة العربية” وفي سبيل “القومية العربية”، أو في سبيل “الأمة الإسلامية” و”الدولة الإسلامية” أو في سبيل دكتاتورية البروليتاريا، وإلغاء استغلال الإنسان للإنسان، وأنهم قد نذروا أنفسهم لهذه “القضية”، وأن هذا النضال يمنحهم حقاً مطلقاً في تحديد المعايير الأخلاقية ومعايير الحق والخير والجمال، لتغدو هذه المعايير معايير “قومية” أو “ثوابت قومية” خاصة، لا تمت بصلة إلى المعايير الاجتماعية والإنسانية، شأنها في ذلك شأن المعايير (الثوابت) “الإسلامية” لدى الجماعات الإسلامية، والمعايير “الاشتراكية” لدى الأحزاب الشيوعية، ويمنحهم حقاً حصرياً في تحديد ما هي “مصلحة الأمة” (العربية أو الإسلامية)، ومصلحة الطبقة العاملة و”الجماهير الشعبية”، اللتين استبيح باسمهما المجتمع، وانتهكت باسمهما الحقوق وصودرت الحريات، وارتكبت باسمهما أبشع الجرائم. الحزب القومي يتماهى مع “الأمة العربية” في هوية واحدة، حتى لا يعود للأمة من وجود خارج حدوده؛ والجماعة الإسلامية تتماهى مع “الإسلام” في هوية واحدة، فتصير عقيدتها هي الدين القويم وتصير هي وحدها الملة الناجية؛ والحزب الشيوعي يتماهى مع الطبقة العاملة وحلفائها الطبيعيين في هوية واحدة فيصير هو الحزب “الثوري” الوحيد وحامي حمى العقيدة الماركسية اللينينية. نريد من ذلك أن نتلمس حدود “الأمة العربية” وحدود “الإسلام” وحدود “البروليتاريا الثورية” في وعي هذه الأحزاب والجماعات التي احتكرت الحقل السياسي في بلدانها.
1 – إرادة/إرادات ذاتية مطلقة تنفي الإرادة العامة وتزدريها.
2 – حرية ذاتية طغيانية تنفي الحرية الموضوعية وتزدريها.
3 – حرية ذاتية لا تتعرَّف ذاتها في القانون، فتزدري القانون تحت عناوين شتى.
4 – نسق أخلاقي يستمد جميع مقوماته من الهدف “النبيل” أو “المقدس”، فيسوغ استباحة حقوق الآخرين، المختلفين والمخالفين أو المعترضين والمعارضين، وإهانة كرامتهم والاعتداء على حريتهم وإباحة دمائهم وأموالهم.
5 – رؤية أيديولوجية (ذاتية خالصة) حصرية تحجب الواقع وتحول دون معرفته، كما هو.
6 – منطق تبريري يتمحور على معصومية الذات وطهرانيتها وتماميتها وكمالها (الحزب أو الجماعة المذهبية أو الإثنية ..).
7 – غلو وتطرف في جميع الأمور لا يتركان مجالاً للتسامح والاعتدال.
8 – نوسان بين حدين أقصيين ليس بينهما حد أوسط أو حد أمثل.
9 – مساواة تعسفية بين الحقيقة الموضوعية والاقتناع الذاتي.
10 – مساواة تعسفية بين القيم السلبية والقيم الإيجابية ما دامت جميعها اقتناعات ذاتية.
11 – أنانية مفرطة وجشع لا يرتوي.
12 – خصوصية حصرية لا تتعرف ذاتها لا في فضاء المجتمع ولا في الفضاء الإنساني.
13 – ازدراء الآخر وتكفيره أو تخوينه، في سبيل استبعاده أو حذفه. فنحن لا نستطيع استبعاد الآخر والعمل على حذفه، أو تصفيته ثقافياً وسياسياً وأخلاقياً ومادياً، إذا أمكن، إلا إذا نسبنا إليه ما يكفي من الصفات السلبية، كالكفر والنفاق والزندقة والشرك والإلحاد والخيانة والعمالة والتواطؤ والتآمر وما إليها من الصفات التي تجعل من استبعاده ومحاولة تصفيته واجباً أخلاقياً.
14 – ازدراء للثقافة واستهانة بالإبداع في مختلف الميادين. فالفلسفة والآداب والفنون والدين أيضاً لا ينظر إليها إلا من زاوية الوظيفة الدعوية أو التعبوية أو التبريرية.
15 – اعتقاد عميق بتمامية الآراء (الأيديولوجيات) وكمالها وبحيازة الحقيقة واحتكارها.
—
[1] – الكلبية سمة للشخصية التي تتميز بالاحتقار الصريح للقواعد الأخلاقية. ومدرسة الكلبيين التي وجدت في اليونان القديمة (القرن الرابع ق . م) كانت تتخذ موقف الاحتقار من العادات والثقافة. وقد أدى احتقار قواعد السلوك بأتباع هذه المدرسة إلى انتهاك الفضيلة، ومن ثم فإن الذين يتجاهلون قواعد الأخلاق والفضيلة، بلا حياء. يطلق علهم اسم الكلبيين. وترتبط النزعة الكلبية بنقص التطور الثقافي، وبالأنانية وغير ذلك من الصفات السلبية. (عن الموسوعة الفلسفية). وتقترن هذه النزعة في النظم الشمولية باحتقار الشعب، بما هو مصدر السلطة والسيادة، وبازدراء القانون والاستهانة بحياة المواطنين فضلاً عن حقوقهم المدنية والسياسية، وارتكاب أفظع الجرائم باسم الدفاع عن مصالح الجماهير وثوابت الأمة.
