“نداء تونس” الليبراليّ و”الجبهة الشعبيّة” اليساريّة أمام النّهضة: قراءة في التّوازنات الجديدة في الخارطة السياسيّة التونسيّة

بورقيبة وعقيدة الولاء لتونس:
إنّ نظرة ولو سريعة في تاريخ تونس الحديث، وفي طبيعة المجتمع التونسيّ كافية لتثبت أنّ هذا المجتمع ميّال إلى الوسطيّة، وأنّه لا يدار بإيديولوجيا دوغمائيّة منغلقة، دينيّة يمينيّة كانت أو يساريّة. ولذلك نجح بورقيبة في حكم تونس بعد الاستقلال، رغم الظّروف العسيرة، ورغم أخطائه الكبيرة. كان يناقش أعقد القضايا ويفكّر في أشدّ المسائل تركيبا، وفي الوقت ذاته، يخاطب النّاس فيها بأبسط الخطابات والأساليب التي يفهمها الجميع، في حين كان لا يتواصل مع وزرائه بغير الفرنسيّة. ولم تكن تسمع في خطاباته كلمة فرنسيّة واحدة، مع إتقانه الفرنسيّة إتقانا، فهو يقرأ بها ويكتب. كان جمهور السّامعين يضحك حينا، ويتأثّر حينا وهو يستمع إلى بورقيبة يخطب فيه. وفي الحالتين كان يستمتع ويقتنع رغم المسرحة الظّاهرة التي يمارسها الزّعيم الخطيب على المنصّة. كان لكلّ مقام عنده مقال.
 لم يكن بورقيبة يساريّا ولا يمينيّا ولا متديّنا ولا متطرّفا. كان جهويّا أو شجّع الجهويّات وكرّسها. وهذا هو خطؤه التّاريخيّ القاصم. ولكنّه كان تونسيّا أوّلا، ولاؤه لتونس ولشعبها فقط. وكان حداثيّا مثقّفا ثانيا، ولذلك كان السلفيّون التقليديّون من اليسار والإسلاميّين لا يحبّونه. لم يكن عدوّ اليسار، ولا عدوّ الإسلاميّين. كان عدوّ الكلاسيكيّة، والتّقليد، والظلاميّة الإيديولوجيّة. وكان خطيبا كاريزماتيّا ثالثا.
لم يمارس بورقيبة الحكم بإيديولوجيا منغلقة من الإيديولوجيّات. والدّليل على ذلك أنّه جرّب الاشتراكيّة في الستينيّات منوالا في التّنمية. وجرّب الوحدة، والإيديولوجيا القوميّة مع ليبيا في السّبعينيّات، وجرّب الليبراليّة واقتصاد السّوق. لم يكن مطيعا لإحداها إذ يتركها بمجرّد ثبات فشلها. كان يجرّب ويتابع ويقيّم. ما كان يعنيه هو تونس لا الإيديولوجيا. تسقط كلّ الإيديولوجيّات وتحيا تونس. هذا كان شعاره. لم يكن يقبل أن تتحوّل أرض تونس ساحة للتّجريب، والتّطبيق الإيديولوجيّين. لم يقبل أن تسود الإيديولوجيا وطنه. استدعى الإيديولوجيا باعتبارها اجتهادا بشريّا قد يكون خادما لتونس ولشعبها. فتونس أوّلا والإيديولوجيا ثانيا. لم تكن له مشاريع خفيّة، ولا أجندات إيديولوجيّة ولا ولاءات لما وراء البحار والجبال. لم يرضع حليب الوهابيّة، ولا الإخوانيّة، ولا الستالينيّة، ولا النّازيّة، ولا الرأسماليّة. كان كبيرا بين الكبار. كان مأثور الكلام مأثور المواقف.
وكان حريصا على أن تظلّ الدّولة المستثمر الأوّل، وأن تمسك بوسائل الإنتاج الرئيسيّة، وأن تحافظ على أدوارها في التّشغيل، وفي توفير التّعليم، والصحّة، والنقل، والخدمات الأساسيّة للمواطنين. لم يكن لصّا، ولا مبذّرا، ولا متباهيا. لم يكن يأخذ أكثر ممّا يحتاج إليه. وما كان يأخذه يكفيه. كان حريصا على مظاهر الزّعامة في اللّباس، لم يكن يزايد في ذلك كالرّئيس الحالي المؤقّت. ولكنّه معها جميعا كان مراهنا على التّعليم، والمعرفة، والبحث العلميّ من جهة. وكان يثبّت المؤسّسات والإدارة من جهة ثانية.
إنّ التّذكير بزمن بورقيبة مهمّ في فهم اللّحظة الرّاهنة. فللماضي أضواء يلقيها على الحاضر كثيرا ما تكون فاعلة ومؤثّرة. ولنا أن نلقي نظرة على المجتمع التونسيّ في رمضان الثّاني هذا بعد ثورته التي لم تكتمل، حتى نعاين اللبس والغموض اللذين يسودانه. وهما ناتجان عن فعل فاعل قاصد الإغماض والإبهام والتّعمية من ناحية، وعن افتقار لأدوات التّحليل من ناحية ثانية.
“نداء تونس” واستئناف معركة التّحديث المعطّلة:
ظهور “نداء تونس” فاجأ الجميع، وأربك الجبهة الإسلاميّة التي تقودها حركة النّهضة. فلقد أعدّت فكرة الحزب بهدوء وبتأنّ. وولد الحزب ناضجا يتّكئ على كاريزما الباجي قائد السبسي، ولكنّه أيضا يجمع في قيادته العليا وزراء كثر من حكومة قائد السبسي الانتقاليّة، ومن جملة من رموز المجتمع المدنيّ في تونس. فمن حيث التّنظيم هو شبيه بحزب النّهضة، إذ له قائد رمز، وقيادات صفّ أوّل، وقواعد مستهدفة بالاستقطاب.
وله خطاب واضح ولا يتبنّى أيّ إيديولوجيا خلافا للقطبين الآخرين الإسلاميّ واليساريّ.
 
لقد أفلت حزب نداء تونس ممّا وقعت فيه التشكيلات السياسيّة الكبرى في تونس، نعني عبادة الإيديولوجيّات اليساريّة، واليمينيّة السلفيّة الرجعيّة الميّتة. فالوفاء والانضباط الإيديولوجيّان هما ما أضعف اليسار التونسيّ وما جعله عاجزا عن النّفاذ إلى القواعد الشعبيّة الواسعة. أمّا نداء تونس، فحزب حداثيّ شعاره الدّفاع عن الجمهوريّة وعن النّمط المجتمعيّ التونسيّ وعن مكاسب المرأة وحقوقها وعن المجتمع المدنيّ. 
هذا الحزب عدّل المشهد السياسيّ في تونس، إذ أعاد الصّراع الحقيقيّ إلى الواجهة، وهو صراع الوسطيّة والحداثة ضدّ الرّجعيّة والدوغمائيّة. فالصّورة السّائدة في تونس بعد الثّورة أنّ الاستقطاب السياسيّ والإيديولوجيّ فيها ثنائيّ بين اليسار وبين الإسلاميّين، أو بين المحافظين على الدّين وبين العلمانيّين. وهذا غير صحيح، فلقد كانت هناك جبهة خاوية أو لنقل ضعيفة وغير مؤثّرة في الانتخابات التأسيسيّة، هي الجبهة الوسطيّة الحداثيّة. ويأتي حزب نداء تونس ليحاول ملء هذا الفراغ والاستفادة من حالة الاستقطاب الحادّة بين العدوّين الإيديولوجيّين.
لكن على نداء تونس أن يردّ على الاتّهامات المكالة إليه من خصومه لاسيما الترويكا من جهة واليسار من جهة ثانية. ومن هذه الاتّهامات أنّه امتداد للبورقيبيّة التي ترى النّهضة أنّها خرّبت عقيدة المجتمع التونسيّ، حيث مارس بورقيبة نزواته العلمانيّة، وتجنّى على إيمان النّاس. أمّا العائلات اليساريّة فترى أنّ مع البورقيبيّة عرفت تونس بدايات الانحراف نحو العنصريّة الجهويّة، والحيف الاجتماعيّ. ومع حزبه الاشتراكيّ الدستوريّ، بدأ المجتمع التونسيّ يعرف نشأة العمل الميليشيويّ الليليّ. كما أنّ أواخر عهده شهدت بداية الصّراع العنيف مع اتّحاد الشغل. وافتتح الاستبداد والقمع والتّعذيب تاريخه الطّويل في تونس. 
كما يتّهم اليسار التونسيّ حزب نداء تونس، بأنّه حزب يمينيّ ليبراليّ سيكرّس خيار الخضوع لرأس المال العالميّ، بما يعنيه ذلك من التّفريط في ثروات البلد ومزيد الارتهان للجهات الخارجيّة المتحكّمة في المال والأعمال. فيما تتّهمه الترويكا بأنّه وكر للفلول والأزلام (من أين استعاروا هذه الصّفة القذرة!؟؟) وبأنّه يشكّل البوّابة التي منها سيحاول النّظام المخلوع أن يعود من جديد.
لكنّ نداء تونس يردّ على النّهضة، بدعوته إلى محاسبة الفاسدين. ولم ينفكّ يعلن أنّه ضدّ العقاب الجماعيّ، وأنّ كلّ مواطن لم تلحقه شبهة يمكنه الالتحاق بالحزب. بل إنّها تتّهم حزب النهضة الحاكم بأنّه يماطل في مسألة المحاسبة لغايات استقطابيّة ترويضيّة لأصحاب المال الفاسد. وشرع نداء تونس في العمل صامّا أذنيه عن كلّ الاتّهامات، متمسّكا بالقانون وبإخراج عمليّة المصارحة والمحاسبة من دائرة المزايدات والمناقصات السياسيّة. ورفع شعار المحافظة على مكاسب تونس الاجتماعيّة والمدنيّة، وشعار استئناف معركة التّحديث المعطّلة المهدّدة من قبل الإسلام السياسيّ الرّجعيّ، الذي ينخرط في مشروع استخلافيّ الولاء فيه للمشروع التّوحيديّ الكبير على أساس العقيدة لا للوطن.
  
اليسار التونسيّ: قوّة تعديل وتصحيح أم قوّة حكم؟
 إنّ مشكلة اليسار التونسيّ هي مشكلة مواءمة الإيديولوجيات الشّيوعيّة، والقوميّة مع طبيعة المجتمع التونسيّ أوّلا، ومشكلة تأسيس فكريّ هشّ ثانيا، ومشكلة مراجعات نقديّة غائبة ثالثا. فلابدّ من الإقرار بأنّ اليسار التونسيّ ظلّ نخبويّا لا يمتدّ خارج رحاب الجامعات والمكاتب الوثيرة المغلقة للمحامين. ومع ذلك لم ينجح اليسار في تأسيس طبقة فكريّة يساريّة واضحة ومتميّزة بأطروحاتها وبآرائها وبنقدها للمجتمع ولمظاهره ولساسته. ولم يستفد اليسار السياسيّ من النخب الأكاديميّة اليساريّة، ولم ينجح في إدراجها في العمل الميدانيّ الجماهيريّ. بل إنّ اليسار الأكاديميّ، والفنّي، والثقافيّ، والعلمانيّ لا يرى في اليسار السياسيّ ممثّلا له. والأسباب واضحة هي أنّ اليسار السياسيّ التونسيّ، يسار رجعيّ كلاسيكيّ تقليديّ لم يبلغ حتّى المرحلة الألتوسيريّة للماركسيّة. بل تغلب عليه الستالينيّات، والزّعامات الموهومة، وعبادة الأشخاص. 
لقد انتظرت قواعد اليسار مشاريع التّوحيد طويلا. وكثيرا ما خذلتها قياداتها التي غلبتها أوهامها الزعاماتيّة السكيزوفرينيّة، حتّى تكاد القواعد تنفض يدها منها. فهي لا تتّحد ولا تتخلّى، شأنُها شأن غيرها من الأحزاب الهرمةِ قياداتُها جميعا. أمّا الدّيمقراطية والتّداول على المسؤوليّة فليست إلاّ شعارا لا يعنيها.
إنّ اليسار التونسيّ بعد الثّورة كاد أن يُباد بفعل نتائجه المخيّبة في الانتخابات. ولكنّه استمدّ جذوته من خيبات التّرويكا الحاكمة، وسوء إدارتها للشّأن العامّ، وفشلها في تحقيق مطالب النّاس، ومراكمتها المشاكل على الفئات الضّعيفة. لقد أمدّت حكومة النّهضة ومن والاها اليسار أسباب النّشاط والعودة إلى الحياة السياسيّة من جديد. لقد استفاد اليسار من ضعف الأداء الحكوميّ، وتلقّف فشل الحكومة لُقية فريدة لن يتركها لتعميق جراحها وإزعاجها ورصد أخطائها ومواطن فشلها للتّشهير بها.
اليسار التونسيّ يسار تقليديّ محافظ، يحلم بالاشتراكيّة الطوباويّة، وبتحقيق نموذج الشيوعيّة اللينينيّة، أو الماويّة، أو التروتسكيّة، أو الستالينيّة. إنّه لا يختلف عن النّهضة من حيث الولاء الأعمى للإيديولوجيا، والطّموح إلى تطبيقها في تونس. ليس لليسار بدائل اقتصاديّة وسياسيّة خارج ما تقدّمه إيديولوجيّته. إنّ له رؤى عاجلة يمكن مناقشتها والاستفادة منها. ولو يتسلّم اليسار السّلطة فلن يكون أقلّ تخبّطا من حكومة النّهضة الحاليّة. فلقد فشل اليساريّون في توحيد صفوفهم منذ النشأة، وليس بعد الثّورة كما يبدو. فالانقسامات والاختلافات وحتّى المعاداة بدأت بالظّهور منذ سبعينيّات القرن الماضي. فكيف سيوحّد اليسار المجتمع التونسيّ المتعدّد المتنوّع؟
إنّ تونس لا تحتاج إيديولوجيّات، ولا طوباويّات، ولا إسقاطات. إنّ تونس لا تدار إلاّ من داخلها، وبشروطها الموضوعيّة اجتماعيّا، واقتصاديّا، وثقافيّا. إنّ من يحمل بدائل ومشاريع تغيير طبيعة المجتمع، على غرار الإسلام السياسيّ واليسار الرّاديكاليّ، فاشل لا محالة. ومع ذلك فحجم اليسار لا يمكن تجاهله. وليست معاداته من الحكمة. لابدّ أن يكون له دور فاعل في أيّ مرحلة من مراحل البناء الثوريّ. وأعني باليسار خاصّة حزب العمّال، والعائلة الوطنيّة.
ولكنّ الإعلان عن انبثاق جبهة يساريّة متكوّنة من الأحزاب اليساريّة، والقوميّة أمر يدعو إلى التوقّف والنّقاش. فيبدو أنّ ميلاد هذه الجبهة كان نتيجة عوامل ثلاثة أساسيّة. الأوّل هو الاستجابة لنداء القواعد الملحّ في الاتّحاد. والثّاني يتمثّل في الاستعداد لضمان مكان في المشهد السياسيّ خلال الانتخابات القادمة، تجنّبا لكارثة الانتخابات التأسيسيّة. والثالث هو الاستفادة من اهتزاز مكانة الأغلبيّة الحاكمة ومن أخطائها، وفشلها في الإيفاء بتعهّداتها الانتخابيّة، والتزاماتها مع ناخبيها. 
يقول حمّة الهمّامي “إنّ هذه الجبهة سياسيّة وليست انتخابيّة”، يعني أنّه يرسل رسالة طمأنة إلى الرّأي العامّ، مفادها أنّ الجبهة ولدت قويّة، وأنّها مبنيّة على أسس متينة تضمن لها الانسجام والدّوام، وأنّ النّقاش الإيديولوجيّ والسياسيّ قد تمّ استيفاؤه. والأكيد أنّ ميلاد هذه الجبهة قد أبهج اليساريّين، وأتاح لهم أخيرا أن يشعروا بأنّهم رقم مهمّ في المجتمع التونسيّ، سينال نصيبه من السّياسة التي تفكّر بشكل مختلف، وتطرح رؤى مختلفة عن السّابق.
لكنّ الجبهة الشعبيّة اليساريّة الوليدة لا تجمع كلّ الطّيف اليساريّ. ولا نعرف إن كانت جبهة مفتوحة أم مغلقة. كما نجهل العوامل المحدّدة لها من عدمها خلافا للعامل الإيديولوجيّ. ولم تقدّم الجبهة قراءة مغايرة، ولا عميقة للمشهد السّياسيّ التونسيّ اليوم. فهي لا ترى السّاحة إلاّ استقطابا بين حزب حركة النّهضة، وحزب نداء تونس. وهي ترى في نفسها الضّلع المكمّل لمثلّث الاستقطاب، في حين يبدو أنّها حكمت على أطراف فاعلة اليوم بالموت السّريريّ سياسيّا على غرار حزبيْ المؤتمر من أجل الجمهوريّة، وحزب التكتّل من أجل العمل والحرّيّات، وتيّار العريضة الشّعبيّة. وهو ما يعني أنّ الجبهة تقدّم قراءة تقليديّة تبسيطيّة للمشهد السياسيّ التونسيّ. فلا ترى فيه التنوّع والتعدّد، وهي بذلك تطمئنّ إلى المفاجآت. وتركن إلى الخطاب المطمئن لها دون عناء التّفكير والبحث في الاتّجاه المعاكس.
كما لم تتّسع الجبهة، لتضمّ الحزب الاشتراكيّ اليساريّ المنشقّ عن حزب العمّال في تسعينيّات القرن الماضي على خلفيّة ما كتبه رئيسه محمد الكيلاني من مراجعات تكيل الفضل لبن علي وتشدّد على خصومه. وقد نشرت هذه القراءات في المشهد السياسيّ في بعض الصّحف التونسيّة سنةً قبل الثّورة. وهي مقالات عدّها اليسار تخلّيا عن النّضاليّة، ومغازلة لبن علي، واستعدادا للتّعامل معه، دون قيد ولا شرط. ويرى حمّة الهمّامي أنّ الثّورة قطعت الطّريق على محمد الكيلاني وإلاّ لكان الآن من أعوان النّظام السّابق.
غير أنّ إقصاء أطراف يساريّة من هذه الجبهة، قد يجعلها عرجاء، ويفتح الباب أمام المقصيين للانضمام إلى كتل أخرى، على غرار “نداء تونس” الذي يلتهم أراضي الخصوم بنهم. كما أنّ الإقصاء يعني فيما يعنيه أنّ هذه الجبهة راديكاليّة، ممّا يسمح لخصومها بالمزايدة عليها بالتشدّد والانغلاق الإيديولوجيّ وبالستالينيّات والعنتريّات. وهو ما سيسهّل على خصومها تشويهها لا “بالكفر” فقط هذه المرّة بل أيضا بفاشيّة النّقاء والطهر الثوريّين، وقلّة التّسامح ونصب المشانق في السّاحات العامّة. وهو ما سيخيف النّاخبين حتما.
من جهة أخرى، يلاحظ المتأمّل في الجبهة الشعبيّة اليساريّة الوليدة أنّها لا تبتعد من حيث الفكرة والأهداف من هيئة 18 أكتوبر الشهيرة، باستثناء حركة النّهضة. فهيئة 18 أكتوبر كانت هيئة سلميّة للاحتجاج على الاستبداد. وكان هدفها إزعاج النّظام ودقّ مسمار في خاصرته. وقد زالت الهيئة بزوال شروطها كما عبّر حمّة الهمّامي. لقد اجتمع أقصى اليسار (حزب العمّال الشيوعيّ التونسيّ)، مع أقصى اليمين (حركة النهضة الإسلاميّة)، مع مناضلين مستقلّين (المحامي والحقوقيّ والنّاشط السياسيّ العيّاشي الهمّامي، مثلا) في هيئة 18 أكتوبر. والشّيء نفسه تقريبا نراه يتكرّر في الجبهة الشعبيّة، إذ تجمّع شيوعيّين مع قوميّين مع يساريّين مستقلّين. غير أنّ الفرق بين الهيئة والجبهة، أنّ الأولى كانت جبهة سياسيّة لمقاومة الاستبداد في حين أنّ الثّانية هي جبهة سياسيّة تطمح إلى الوصول إلى السّلطة عبر الإيديولوجيا. وهي في ذلك تلتقي مع حزب حركة النهضة ذي الإيديولوجيا الدينيّة الإسلاميّة.
فالعامل الإيديولوجيّ مع النقاء الثوريّ من شروط تكوّن هذه الجبهة. ويمكن لنا أن نلاحظ بيسر أنّ الجبهة اليساريّة تتكوّن من الإيديولوجيّتين القوميّة والاشتراكيّة. ولئن تشترك الإيديولوجيّتان الاشتراكيّة اليساريّة والقوميّة في عبادة الشّخص، وفي فكرة الزّعيم المخلّص الكاريزماتي (عبد النّاصر وصدّام حسين عند القوميّين والبعثيّين، من جهة، ولينين وماو تسي تونغ وفيدال كاسترو وباتريس لومومبا وحتّى ستالين عند اليساريّين، من جهة ثانية)، فكيف ستحلّ الجبهة الشعبيّة إشكالاتها السياسيّة النّاجمة عن الخلفيّة الإيديولوجيّة لمكوّناتها كالموقف ممّا يحدث في سوريا، مثلا؟
فالقوميّون يرونه مؤامرة على النّظام السّوريّ باعتباره نظاما ممانعا. واليساريّون يرونه ثورة شعبيّة ضدّ نظام شموليّ استبداديّ لا شرعيّ. وما هو الهدف الاستراتيجيّ للجبهة الشعبيّة اليساريّة التّونسيّة؛ هل هو تحقيق حلم الوحدة العربيّة (حلم قوميّ) أم تحقيق الاشتراكيّة والعدالة الاجتماعيّة والمساواة في الثّروة والملكيّة (حلم يساريّ شيوعيّ)؟ ما هو تصوّر الجبهة الشعبيّة لنظام الحكم الأصلح لتونس؛ هل هو النظام العروبيّ الملتفت إلى الشّرق أم النّظام العمّاليّ البروليتاريّ الملتفت إلى المطرقة والمنجل؟
كما يُطرح سؤال المسألة الدينيّة بإلحاح عند الحديث عن الجبهة الشّعبيّة الوليدة بين اليساريّين والقوميّين. فاليسار، بحكم مراجعه الإيديولوجيّة، مستمرّ في مناقشة المسألة الدّينيّة باعتبارها إنتاجا بشريّا يخضع للتقييم وللمراجعة والنقد. فيما يرى القوميّون أنّ المسألة الدينيّة لا تطرح للنّقاش باعتبارها متّصلة بالإيمان والعقيدة الفرديّة والجماعيّة. فكيف ستحسم الجبهة الشعبيّة هذه المسألة الخلافيّة؟
ويحسنُ التّذكير بأنّ مكوّنيْ الجبهة الأساسيّيْن، اليسار بعائلاته المتعدّدة والقوميّين بمختلف انتماءاتهم، قد ورثا التّنافر والعداء الإيديولوجيّ في العمل النقابيّ في الجامعة وفي القطاعات المهنيّة. بل يمكن أن نقول إنّ هذا العداء كان قائما حتى بين أبناء الإيديولوجيا الواحدة فيما بينهم. فلم يكن اليسار يوما منسجما ولا متّفقا. ولم يكن التيّار القوميّ يوما متّحدا. بل كثيرا ما شهدنا تحالفات مشبوهة بين أحد هذه التيّارات مع خصوم إيديولوجيّين له، من أجل إسقاط قائمة رفيقة. كلّ هذا يعني أنّ أمام الجبهة عملا كبيرا للتّعافي من الوهن الإيديولوجيّ المزمن. وتبقى الوثوقيّة الإيديولوجيّة صليبا تحمله الجبهة الشعبيّة.
ولا أعتقد أنّ اختيار اسم الجبهة اليساريّة التونسيّة كان اعتباطيّا. فهي تستدعي إلى الذّاكرة الجبهة الشعبيّة اليساريّة الرّاديكاليّة الفرنسيّة التي تكوّنت من الحزب الاشتراكيّ الرّاديكاليّ ومن الحزب الشيوعيّ والتي حكمت فرنسا بين سنتي 1936 و1938 خلال الجمهوريّة الثّالثة إبّان الاحتلال النّازي لفرنسا. ولكنّ الجبهة الشعبيّة الفرنسيّة لم تعمّر سوى سنتين في حكم فرنسا. ولم تضمّ بينها أحزابا قوميّة لأنّ الأحزاب القوميّة تعدّ يمينيّة أقرب إلى الفاشيّة العرقيّة المتشدّدة في فرنسا، ولا تعدّ يساريّة.
النّهضة جسد برأسين: معا من أجل الخلافة السّادسة بإذن الله:
ما يمكن أن نصف به النّهضة بعد الفحص هو الشيزوفرينيا. فهي جسد برأسين: نشاط حركيّ سريّ أغلبه، وعمل حزبيّ للعموم، مجلس شورى تقليديّ سلفيّ موجّه للمريدين، والأنصار ومكتب تنفيذيّ مدنيّ موجّه للرّأي العام، خطاب ظاهر ونوايا مبطّنة تطلّ برؤوسها من حين لآخر، اتّفاق مصطلحيّ ومنهجيّ في مستوى التّواصل مع الخارج بين الحركة والحزب، حديث في السّياسة مغلّف بالحمد والبسملة، تشهير بالخصوم وغير الرّاضخين ممّن لم تلق عليهم البردة، وتضخيم وتدرّب على استغلال الظروف، وعلى تحويل وجهة الرّأي العام لتمرير المشاريع حجرة حجرة، استغلال عامل الوقت: “لابدّ من الإسراع يا إخوان قبل أن يستيقظ المارد فنحن في عدّ عكسيّ”. 
حركة النّهضة برئيسها تمارس العمل الحركيّ بمؤسّسات تقيلديّة، بل سلفيّة، كمجلس الشّورى. وتصدر بيانات عنيفة مهزوزة رديئة الصّياغة تشتم فيها الجميع، تتراجع عنها أحيانا. الحركة تعمل على تحقيق الأهداف السلفيّة الاستراتيجيّة، المتمثّلة في العمل على تغيير نمط المجتمع. فالهدف هو السّيطرة على المجتمع استعدادا لتحقيق حلم أكبر.
أمّا حزب حركة النّهضة بمكتبه التّنفيذيّ وبأمينه العامّ، فيمارس الحكم بمنهج التّلميذ الفاشل: الكذب والمغالطة، وعدم الاعتراف بالأخطاء والإصرار على الخطإ وقلب الحقائق، والضّحك على الذّقون واستبلاه الشّعب والمزايدة بالتّقارير الدّوليّة على غرار النّظام المخلوع، وضعف التّكوين لدى الوزراء وكبار مسؤولي الدولة حتى في المستوى اللغويّ والإداريّ والتسييريّ، وإخفاء السّير الذاتيّة للجميع، والعمل بقاعدة “الدوام ينقب الرخام”، والقبض على السّلطة بالنّواجذ، وطرد الجميع بما في ذلك حلفاء المجلس، عبر تعطيل عملهم، فينسحبوا أو يحملوا وزر الفشل، ومعاداة كلّ الخصوم من ليبراليّين، ويساريّين، وقوميّين، ومعاداة اتّحاد الشّغل. وترك الباب مواربا أمام رأس المال المشبوه أو المطارد من أجل الدّخول تحت الجبّة، والإسراع في استبدال هياكل الدولة، وإطاراتها بالموالين والأتباع. والهدف هو السّيطرة على الدّولة.
لكلّ المقامات مقال واحد عند الحزب والحركة: نحن شرعيّون، نحن ناجحون والآخرون فاشلون، دعوا الحكومة تعمل، مؤشّرات التّنمية عالية، أزلام النّظام السّابق يربكون الحكومة، اليسار والاتّحاد يريدان إسقاط الحكومة. أمّا الأسلوب فواحد أيضا: المسكنة وتلبّس دور الضحيّة إعلاميّا وتحريك الأذرع السلفيّة والميليشيويّة اجتماعيّا في الشوارع. لا اعتراف بالجميل لأحد؛ لا للمحرّرين، ولا للمؤسّسين، ولا للمفكّرين، ولا للشعراء (ترى كيف ينظرون إلى الشّابي؟؟ وهل يقرؤون المسعدي؟؟) ولا حتّى لمن سبقهم ومهّد الطّريق لهم ليحكموا ويسودوا.
يهزّهم شعور أعمى بالزّهو والخيلاء والفخر. وهي صفات كثيرا ما ردّد شعراء العربيّة القدامى أنّها دليل ضعف وجبن وسوء تقدير لحقيقة الذّات. والحقيقة أنّ فوز النّهضة الكاسح في الانتخابات التأسيسيّة لم يكن بفعل قوّتها وجماهيريّتها بل بفعل ضعف الخصوم، وأخطائهم القاتلة لاسيما اليسار المفتّت. وبفعل توظيف العامل الدينيّ توظيفا سياسيّا بإخافة النّاخبين على دينهم. من خلال تشويه الخصوم اليساريّين والليبراليّين بتصويرهم معادين للدّين مستهينين بالمقدّسات.
في الظّاهر تعمل حركة النّهضة وحزب حركة النّهضة في خطّين متعاكسين. ولكنّهما استراتيجيّا تقاسما الأدوار: الحركة موجّهة إلى المجتمع، تسبيه من ذاته وتجرّده من مكتسباته، لاستبدالها بمنطوق الشّرع والشّريعة. والحزب يسيطر على الدّولة. وهكذا يكون الهدف البعيد هو ما كشفته زلّة لسان الأمين العام للحزب ورئيس الحكومة الحالي حمادي الجبالي وهو تحقيق الخلافة السّادسة في أقرب الآجال الممكنة بإذن الله. هذا هو الحلم الذي ينامون عليه ويصبحون ويسرّون به ويتهامسون. أمّا نحن أبناء الشّعب التونسيّ فحطبا يعتبروننا وجسورا للعبور.
التجمّعيّون الأشباح: 
التجمّع والتجمّعيّون وسام للمطهّرين وتهمة للخصوم. يعلن الجميع موتهم السياسيّ ثمّ يخافون منهم، ويخيفون بهم. في سياق الفخر بالمنجزات يفتخرون بقرار حلّ التجمّع وبقائمات الإقصاء من الترشّح الانتخابيّ. وفي سياق المزايدات السياسيّة وشيطنة الخصوم هم تهمة ترمى جزافا لا إثبات لها غالبا إلاّ الصّلف وفقدان الحجّة وهشاشة الرّؤية والموقف. فلماذا يُترك القانون للحسم في ملفّ “الأزلام” و”الفلول” بعبارة التّرويكا حكومة مجتمعة وأحزابا منفصلة؟
ومن هم الأزلام بالضبط؟ هل هم كوادر حزب التجمّع المنحلّ؟ لقد تمّ حلّ الحزب بحكم قضائيّ، ولم يعد له وجود فعليّ. وكانت في قضيّة الحلّ تلك بطولات واستعراضات. فلماذا مات الحزب وظلّت التّهمة حيّة؟ إنّ التجمّع والتجمّعيّين ورقة للمزايدة وتهمة جاهزة ممجوجة مستهلكة مفرغة من كلّ دلالة يلصقها الجميع بالجميع دون استثناء. وكثيرا ما صارت دليلا على العجز في التّحليل والنّقد والمحاججة.
إنّ الجميل في كلّ ما قلنا، هو أنّ السّاحة السّياسيّة التونسيّة بدأت تتنوّع، وأنّ العمل السياسيّ بدأ ينضج ويتخلّى عن المراهقات والمهاترات الطفوليّة. الشّيء الثّابت الأكيد أنّ الانتخابات القادمة لن تكون شبيهة بالسّابقة، وأنّ ميزان الأغلبيّة سيغيّر كفّته. ويبقى الاتّحاد العام التونسيّ للشغل الرّقم الصّعب في كلّ المعادلات والصّخرة التي عليها تتكسّر كلّ محاولات العبث بمكاسب الشّعب والضّامن لتحقيق أهداف الثّورة. فلا فلاح لأيّ حكومة دون شراكة فعليّة مع الاّتحاد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This