نسيت مظلّتي: في التأسيس
تتّسع مقولة “التأسيس” لتفيض على حوافّ المنظومات المعرفيّة التي ما فتئت تستصفي هذه المقولة ميزة جوهريّة تجاذب بها كلّ واحدة غيرها، بوجه حقّ حينا، وبغير وجه حقّ حينا. وما أشبه الأحيان بالأحيان، لولا “النصّ” يَـبِـين عمّا يصل بين النصوص وعمّا يفصل. وما أكثر ما تتشاكل المنظومات وتتجانس، لولا فسحة الـتأويل تسوّغ الاستئناس بمقولة التأسيس في هذه المنظومة، وتستنكر إقحامها في تلك. على أنّ مصطلح التأويل نفسه ذو سياق مضلّل مراوغ، وقد يكون قرين “التأصيل”، إذا نحن أخذنا بالاعتبار جذر كلّ منهما:(أ.و.ل) و(أ.ص.ل).
ويمكن، من ثمّة، أن يلتبس أمر التأسيس من حيث هو استحداث لصيغ وجود وصيغ معرفة غير مألوفة أو هي متخارجة عن السنن والتقاليد، بأمر التأصيل من حيث هو عود إلى “أصل” و”مبتدأ” و”جوهر”، أو عود عليها. وقد لا تهدأ الأخلاط، فمنذ أن انبرى خطاب الحداثة بمفهومه المعرفي والأخلاقي الأشمل يثبّتُ مقولة التأسيس، وشتّى النظريات والمذاهب تسحب هذه المقولة على مضامينها ومنجزاتها. بيْد أنّه ليس من مقاصد هذه المقاربة فرز الأخلاط، وما ينبغي لها. وإنّما قصاراها تدارك بعض ما تسعى إليه من أمر التأسيس، وما يدور بخلدها، إن جوّزنا على الاستعارة أن تكون ذات خلد، أنْ لا رأي مستوثق، ولا تصوّر متناضج حدّ الإفحام، في شأن التأسيس. وكلّ تفكير معقود على هذه المقولة، تميد من تحته المراجع ويضطرب التنظير. فالتأسيس لم ينقطع عن الوجود فعلا مادام الإنسان موجودا، ولم يكن أصلا معدوما، ليستحدث من بعد. إنّ التأسيس الذي نقصده هو ذاك الذي “تبلور” مفهوما لحظة الحداثة ـ وما أكثر الحداثات ولحظاتها ـ وإنّما نعني تخصيصا لحظة الحداثة الفلسفيّة، طالما أنّها هي التي استوعبت ـ في ما يتهيّأ لنا من قراءاتنا ـ قِران النقد والتأسيس، وعَقَدَتْ مهمّة هذا، مثلما عَـقَـدَتْ مهمّة ذاك على العقلانيّة دون سواها.
ليس شأننا إذن أن نبحث عن أصل، فمثل هذا البحث “لا يؤسّس، إنّه يربك ما ندركه ثابتا، ويحرّك ما نفترضه ساكنا، ويجزّئ ما نراه موحّدا، ويفكّك ما نعتبره متطابقا. تقصّي الأصول والحالة هذه هو التقويض الدائم لهويتنا، ذلك أنّ الهوية التي نسعى للحفاظ عليها وإخفائها تحت قناع، ليست هي ذاتها إلا محاكاة ساخرة: فالتعدّد يقطنها ونفوس عدّة تتنازع داخلها والمنظومات تتعارض فيها ويقهر بعضها البعض. لذلك يؤكّد صاحب الجينيالوجيا:” عندما ندرس التاريخ فإنّنا، على عكس الميتافيزيقيين، نسعد لا لما نكشفه من نفس خالدة ترقد فينا، وإنما لما نحمله بين جنبينا من أنفس فانية”. وليس شأننا أن نؤسّس مجدّدا لمفهوم التأسيس، فقد يكون التأسيس غير التأسيس، وقد يكون سنّة راسخة تناست الذاكرة لحظة ميلاده.
إنّ شأننا في السياق الذي نحن به، أن نستكشف فسحة أخرى للمعرفة. وفي تقديرنا لا يتسنّى لنا ذلك إلاّ إذا أمكن أن ننفذ من خلال النقد المعزّز بالعقلانيّة، وهي ما هي مصدر للتأسيس، وهي ما هي ضمان لاستمراره، وهي ما هي فضاء له. وإنّي لأشدّد على عبارة “من خلال” التي حملت عليها كلمة “النقد” منذ أسطر قليلة، أشدّد عليها بما يبطنه أصلها الاشتقاقي في لسان العرب؛ من معاني مواطن الوهن والضعف والفساد والتفرّق في الرأي… فقد نتأتّى مفهوم التأسيس عبر الفجوات التي لم تسدّها العقلانيّة، أعني فجوات اللامعقول وثغرات الحلم وانسيابات الوهم وتجنيحات الخيال. ولسنا نزعم بهذا الاستعانة عن تأسيس معقول بتأسيس لامعقول، فالعلاقة بينهما تجري مجرى التضمّن والإدغام، على نحو ما تجري مختلف مفارقات الوجود البشري. فهلاّ أمكن لنا عندئذ أن نختبر مفهوم التأسيس إنشائيّا، مادام أهل الأنساق الفكريّة قد جرّوا هذا المفهوم إلى دائرة الإيديولوجيا العقيم، وبخسوه، في أحيان كثيرة، قيمته المعرفيّة؟
إنّ المعرفة في لحظة أساسيّة من لحظاتها أو فيها كلّها، موقف مندهش حيال العالم يروم أن يستكشفه على أنحاء مختلفة وبطرائق متغايرة هي أجناس المعرفة ومناهجها؛ وما ذلك إلاّ لأنّ العالم التبس وأشكل على صاحب المعرفة المنظّمة بفعل احتجابه ضمن الاستعارة والمجاز وشتّى ضروب البيان. وهي المجاري التي يحفرها الشعر في الأسطورة والدين وفي ضروب غيرهما من رؤى الإنسان للعالم. ومهما يكن فليس ثمّة خطاب بما في ذلك الخطاب العلمي الدقيق، لا يناط بعهدته تخييل فكرة أو صورة، أو لا يستأثر به توضيب استعارة أو مجاز، أو لا يستهويه التقاط كناية أو تشبيه، إلى الحدّ الذي يتعطّل فيه استجلاء “الحقيقة” أو “الهويّة” في “صفائها” أو “نقائها” المفترضين؛ لأنّ “الحقيقة” نشأت بطبيعتها على أنّها ” حشد من الاستعارات والكنايات وضروب تشبيه الأشياء بالإنسان” كما يقول نيتشه.
ـ انظر مقال عبد السلام بنعبدالعالي:”[أصل يؤسّس وأصل يتأسّس->http://www.alawan.org/%D8%A3%D8%B5%D9%84-%D9%8A%D8%A4%D8%B3%D8%B3-%D9%88%D8%A3%D8%B5%D9%84.html]” الأوان12 ماي2009
ـ دريدا وعبارة نيتشه” لقد نسيت مظلّتي”
