نصر حامد أبو زيد (6)
(ملاحظة قبل أن تقرأ : هذا النص الذي أضعه بين يدي القارئ كان قد نشر مسبقاً في إحدى الجرائد العربية، ففعلت ما بوسعها من اقتطاع في النص الأصليّ حتى بتّ عاجزاً عن التعرّف عليه؛ اجتزأت المقدّمة بالكامل، وكذلك القسم المخصص لدراسة كتاب أبو زيد "نقد الخطاب الديني" إضافة إلى تغيير العنوان..، وفي كلّ هذا تؤكّد الصحافة العربية حصاراً جديداً كان قد ضرب بالأمس على أبو زيد عندما كان حيّاً وها هي الآن تضرب حصاراً على النصوص التي تناولت فكره بعد وفاته.)
.."المنفى هل هو زمان أم مكان؟ أعتقد أنّ المنفى ليس مكاناً، لأنّ التواصل مع المكان لم يعد مشكلاً.. برأيي إنّ الزمان هو المنفى، أن تعيش في زمان لا تنتمي إليه، ذلك هو المنفى … أنا لا أنتمي للمكان .. وذلك يجعلني من غير قبر".
ليس من السهل أن يكون المرء مختلفاً في زمن كلّ ما فيه متشابه، فلئن اختار الفرد طريق الاختلاف فذلك يعني حسب معايير المرحلة التحفّز لموت يستثيره أعداء الاختلاف في كلّ منعطف.
نشأ نصر حامد أبو زيد مكافحاً في قرية مهملة من قرى مصر القريبة من مدينة طنطا (قرية قحافة) لأب فقير صاحب محلّ بقالة وأمّ مصرية تقليدية. أب وأمّ يرعيان ستّة إخوة وأخوات وأبو زيد أكبرهم.
وفاة الوالد في سنّ مبكرّة دفعت بأبو زيد ليكون ربّ أسرة في سنّ صغيرة، لم يكن حينها قد تجاوز الرابعة عشر من عمره، وبالكاد كان قد أنهى مرحلة التعليم الإعدادية.
في ظلّ هذه الظروف الاستثنائية، سيؤجّل أبو زيد فكرة متابعة تعليمه ليبدأ عوضاً عن ذلك حياة الكدح والعمل في سبيل حماية الأسرة ورعايتها. أما متابعة مسيرته التعليمية، فستأتي بعد أن يكون قد اطمأن على أنّ أفراد أسرته تجاوزوا مرحلة الرعاية. حينئذ سيدرس الثانوية ويدخل الجامعة ويتخرّج بتفوق ويصبح معيداً.
ظاهرياً، ينتمي أبو زيد إلى النسق الفكري الإسلاميّ التنويريّ، وهو ليس بالشيء الغريب، فقد نشأ في بيئة مسلمة، تشرّب من خلالها وعيه الديني بعفوية التربية البسيطة لأسر مجتمعاتنا. بيد أنّ لعلاقة أبي زيد مع الدين وجها آخر.
فأبو زيد وهو ابن ثورة 1952 والمنتمي إليها بكلّ سلبياتها وإيجابياتها، سيشهد في عام 1954 موجة اعتقال الإخوان المسلمين، إثر محاولة اغتيال جمال عبد الناصر الفاشلة، ويروي أبو زيد : "أنّه تمّ اعتقال أناس في قريتنا، لا يمكن أن تكون لهم أية علاقة بتلك المحاولة.. قلت : الناس الذين حاولوا الاعتداء على حياة عبد الناصر يستحقّون القتل، ولكن لماذا هؤلاء؟ من هنا بدأ تعاطفي مع الإخوان المسلمين، وبدأت قراءة سيد قطب".
بيد أنّ المنحى الذي ستأخذه الأحداث فيما بعد، ستضع أبو زيد على ضفة أخرى. ففي هذه الأثناء ستبتلى الأمّة بالهزيمة الكبرى، وستليها وفاة عبد الناصر، وستفرض المرحلة بمعطياتها، على جميع من سايروها مجموعة من الأسئلة والإشكالات الجديدة.
في هذه المرحلة تحديداً، وفي ظلّ هذا المناخ، سيبدأ فكر أبو زيد التاريخيّ بالتكوّن؛ فهو الذي لن يقبل أبداً مقولة "أنّ سبب الهزيمة هو الابتعاد عن الدين"، بل سيحاول بلورة إجاباته الخاصة متسلّحاً بالنقد الذي كان سلاحه الوحيد. وسيرى في غياب الشعب، غياب المشاركة، غياب الديمقراطية، سبباً حاسماً في الهزيمة، وليس الابتعاد عن الإسلام.
في عام 1968 سيدخل أبو زيد الجامعة وكان الشارع العربي في تلك الأثناء يغلي بالتناقضات والصراعات الاجتماعية. في هذا المناخ بالتحديد سيبلور تساؤلاته الأولى : ماذا يعني الإسلام؟ أهو دين الاشتراكية والعدالة أم هو دين حماية الملكية الفردية والسلام؟ هل هو دين الجهاد ضدّ العدو الصهيوني والاستعمار والامبريالية أم هو دين السلام؟
في الحقيقة كان يكفي أن يبدأ أبو زيد بطرح تساؤلاته هذه حتى يبدأ بإخضاع كلّ شيء للشك وبعدها للنقد.
في ضوء هذه الأحداث، سيبدأ أبو زيد العمل على إنجاز الماجستير، وموضوعه "قضيّة المجاز في القرآن عند المعتزلة"، وهو خيار لم يكن بريئاً : فدلالات موضوعه واضحة إذ راحت تعكس تطوّر فكر الباحث والأفق الذي راح يختطّه. هنا سنجد تركيز أبي زيد على الاتجاه العقلي في التفسير وكان بذلك يعلن عن نفسه باحثاً منحازاً للعقل وللإنسان الحامل التاريخيّ لهذا العقل. إذن منذ بداياته الأولى سينشغل أبو زيد بالإنسان وبالتاريخ المحيط بهذا الإنسان، "إذ لا بدّ للمعنى الإنساني أن ينبثق في التاريخ، لا بدّ للمقدّس أن يتأنسن" كما كان يردّد.
في كتابه "الاتجاه العقلي في التفسير.. إلخ" سيركّز الباحث على مسألة حاسمة الأهمّية ؛ هنا سيعود إلى قراءة الخلافات والانشقاقات الدينية من منظور تاريخيّ. فالتقسيمات والانشقاقات الدينية في بداياتها الأولى لم تنبني على أساس ديني ولئن تقنّعت به.
كما أنّ الخلاف الظاهر بين الطوائف المتنازعة حول تأويل العقائد، لا يعدو كونه مظهراً ومظهراً فقط للأساس الموضوعيّ –أي التاريخي- الذي انبنت عليه هذه التقسيمات، "ذلك أنّ الفكر لا ينشأ من فراغ، أو مستقلاً عن الظروف الموضوعية –الاجتماعية والسياسية- التي يكون هذا الفكر نفسه استجابة لها، محاولةً للتصدي لها تغييراً أو تأييداً. الاتجاه العقلي في التفسير، ص11ط4."
ومن هذه البدايات الأولى لتبلور فكر الباحث يستطيع القارئ الحصيف تلمّس جرأة الباحث وإصراره على التسلح بالفكر النقدي، كما يستطيع أن يتلمّس الخلافات الأولى بين أبو زيد وأصحاب الخطاب الديني السائد، الذين سيوجّه لهم ضربة قاصمة في كتابه نقد الخطاب الديني.
جوهر ما توصّل إليه الكاتب في هذا الكتاب كان اكتشافه أنّ جوهر الخطاب الديني وكذلك السياسي المرتبط به، ينبثق من ادّعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، ويتساءل : من يمتلك جرأة الادّعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة؟ ألا تقود هذه الرؤية إلى مقولة التكفير سيئة الصيت؟
في الحقيقة لم يترك كتاب نقد الخطاب الديني لأبي زيد صديقاً، تركه عارياً وحيداً في مواجهة الجميع.
يردّد أبو زيد على لسان أحد أصدقائه : (أنت تنتقد السلطة السياسية وتقول إن خطابها ديني، وتنتقد الأزهر وتقول خطاب ديني، وتساوي بين كلّ هؤلاء وبين الخطاب الإرهابي.. إذاً من الذي سيدافع عنك؟). وهذا صحيح تماماً، ففي المحاكمة المقرفة التي خضع لها بداية التسعينات والتي كُفِّر على أساسها، لم يقف أحد إلى جانبه، لا السلطة السياسية المصرية ولا التيار الإسلامي السياسي، بل قل إنّهما تحالفا ضدّه، وكانا معاً في الخندق نفسه، وهو الشيء الذي أكّد تحليلات أبو زيد واستنتاجاته في أنّ السلطة الحاكمة والإسلام السياسي وجهان لعملة واحدة.
*****
لم يكن نصر حامد أبو زيد شخصاً عادياً في أيّ حال من الأحوال، وذلك حتى لو اختلفنا حول إنتاجاته المعرفية، كان كادحاً تشرّب مرارة القهر والظلم الاجتماعي، وشغله منذ وقت مبكّر سؤال العدالة التاريخي، وبذل كل الجهد في سبيل صياغة إجابات متسقة ترضي نهمه للمعرفة ونبذه للبداهات، أما النتيجة المترتبة على هذا الكفاح فقد كانت نفياً عن وطنه الذي كُفّر فيه وطُلِّق من زوجه، نفياً عن الجامعة التي كان يدرس فيها، ويزرع حديقته الصغيرة، نفياً عن هذا المكان –الجحيم المدعوّ وطننا العربي.
إنّ نصر حامد أبو زيد، وهو الذي من الصعب أن نجد شبيهاً له في اللحظة الراهنة، كان قد فتح ثغرةً في الأفق، أفق العقل، وقدّم نفسه مدافعاً لا يستكين عن البحث وحرية التفكير. وهو سياق حداثي بامتياز أعلن أبو زيد انتماءه الأصيل إليه.
في هذه الأثناء يتوقّف عقل هذا المفكّر الكبير عن العمل إذ يباغته الموت المتربّص بنا في كلّ منعطف، بيد أنّ الطريق الذي شقّه لا يزال مفتوحاً أمامنا نحن الأجيال المقبلة منذ قليل إلى الحياة وإلى واقعنا العربي الذي لم يعد واقعاً مقبولاً بأيّ حال، لقد ترك أبو زيد خلفه فكرةً لامعة ردّدها دائماً بمتعة المفكّر الشغف : "نحن نختلف حول المعنى، ولا نختلف حول المطلق، لأن المطلق لا أحد يعرفه".
