نعم.. على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة
"على هذه الأرض ما يستحق الحياة" عبارةٌ قالها الراحل الكبير محمود درويش في إحدى قصائده وردّدها على المنابر في أكثر من أمسية، وعدّد شاعرنا الجميل في قصيدته تلك بعضاً من الأشياء التي يرى فيها ما يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش. منها: أوّل الحب، تردّد أبريل، عشب على حجر، نهاية أيلول، كتابات أسخيلوس، وامرأة تترك الأربعين بكامل مشمشها. لكنّها جميعاً لم تشفع له حين قرّر الذهاب إلى موعده مع الموت في تلك العملية الجراحية التي كان يعلم تدنّي احتمالات نجاحها طبّياً، ومع هذا قرر الذهاب إلى الموعد/الموت ورحل. ذلك الموت الذي تخلّف عن موعده مع الشاعر في غير مرّة.
ليست مقدّمةً لموضوعٍ عن درويش أو شعره، بل للحديث عن أولئك الذين لا يعرفون عبارته التي بدأنا معها أو قرؤوها ولم يقتنعوا بها، وربّما لم يفهموها بشكل جيّد فلم يجدوا "على هذه الأرض" سبباً لاستمرارهم في الحياة.
نسمع أو نقرأ بين الحين والآخر خبرَ انتحار شخص ما سواء من المشاهير أو غيرهم، وقد ينتحر ـ أو يحاول الانتحار ـ شخص نعرفه صديق أو قريب. . أو حبيب. ربما راودت أيّ فرد منّا في فترة ما رغبةٌ بالموت.
كثيرة ومتنوعة الأسباب والدوافع التي يصل معها الإنسان إلى حالةٍ من رفض الحياة فيعمد على إنهائها، إمّا أن "ينجح" فيموت، أو أن تفشل المحاولة ويبقى الشخص على قيد الحياة في انتظار محاولة أخرى، أو أنّه قد يبدأ مرحلة جديدة بعد "فشله" بالموت تنتهي معها الرغبة به فيقلع عن المحاولة ثانيةً.
ولعلّ في ملابسات أغلب حالات الانتحار ـ وبشكل خاص التي يقدم عليها الشباب والمراهقون ـ أسباب تتعلق بالفشل الدراسي أو المشكلات العاطفية أو العائلية أو الضغوط الاجتماعية، في حين تكون الحالات التي تعود أسبابها إلى خلل عقلي أو أمراض نفسية أقلّ. كما أن الخسائر الاقتصادية الكبرى قد تدفع للانتحار، وهو ما حصل فعلاً بحسب ما تناقلته وسائل الإعلام في ظل الأزمة المالية الكبرى التي اجتاحت العالم مؤخراً وانهيارات الأسواق المالية التي أفلس بسببها الكثيرون ودفعت البعض منهم إلى الانتحار.
بحسب النسبة التي تقدّمها موسوعة ويكيبيديا على شبكة الإنترنت فإنّ ما يصل إلى 65 % من حالات الانتحار تعود إلى أسباب متعدّدة من التي أسلفنا، في حين لا تتجاوز النسبة 35 % في الحالات العائدة إلى "أمراض نفسية وعقلية كالاكتئاب والفصام والإدمان". وتضيف الموسوعة إلى الأسباب المتعدّدة "العمليات الانتحارية" التي يُقدم فيها الأشخاص على قتل أنفسهم بسبب (وفي سبيل تحقيق) قناعاتهم العقائدية الدينية أو السياسية أو غيرها و"العمليات الانتحارية" ليست جديدة في تاريخ البشر لكنّها قد شهدت رواجاً و"ازدهاراً" ملحوظاً مع صعود الإسلام السياسي وحركاته الجهادية.
وتشير النسب العالمية إلى أن حالات الانتحار تنتشر بين الذكور بصورة تفوق مثيلاتها لدى الإناث، ما يمكن اعتباره مؤشّراً هامّاً إلى أنّ مستوى التوازن والصحة النفسية والقدرة على مواجهة المشاكل والأزمات أعلى عند النساء منها عند الرجال؛ خلافاً للنظرة السائدة التي تعمل المجتمعات الأبوية على تكريسها.
وتختلف النظرة إلى الانتحار من مجتمع أو بلد لآخر وحتى بين شخص وغيره، حيث نجد في بعض البلدان أنّ تشريعاتها الوطنية تتضمن قوانين تجرّم من يقدم على الانتحار وعليه فإنّ من تفشل محاولته في الانتحار يخضع للمساءلة القضائية، فحياة الإنسان وجسده حسب فلسفة تلك الدول ليست ملكه وحده بل هي للمجتمع أيضاً بالتالي تجب مساءلته. في حين تصمت القوانين في دول أخرى عن الموضوع بما يُعتبر إقراراً ضمنياً بحق الفرد في اختيار إنهاء حياته وعدم تدخّل الدولة في خياره.
وللأمم المتحدة موقفٌ من مسألة الانتحار تعبّر عنه بشكل صريح (منظمة الصحة العالمية) التابعة لها، حيث أقرّت "اليوم العالمي لمنع الانتحار" في العاشر من أيلول سبتمبر من كل عام. الغرض من إعلان هذا اليوم بحسب موقع المنظمة الإلكتروني "هو تعزيز الالتزام والعمل في شتى أرجاء العالم من أجل منع حالات الانتحار". وبحسب الأرقام التي توردها منظمة الصحة العالمية فإنّ حوالي ثلاثة آلاف حالة انتحار تسجل كل يوم في العالم كمعدّل وسطي، الأمر الذي يستدعي الوقوف بجدّية أمام هذه الظاهرة المتزايدة الاتساع في دول العالم الغنية منها والفقيرة على السواء.
بالانتقال إلى موقف الدين الذي نعلم مدى تأثيره في حياة الملايين من البشر، فإنّ أغلب الديانات (السماويّة أو غيرها) تحرّم الانتحار وتعتبره ذنباً لا يجوز ارتكابه، فالحياة "هبة من الخالق للبشر يقرر منحها لهم بإرادته وحكمته وينهيها بمشيئته وليس من حق البشر التصرف بها".
ولتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات قصّة مع الانتحار. حيث نشرت هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي في موقعها على الإنترنت باللغة العربية بتاريخ 16/11/2003 تقريراً يشير إلى وجود مواقع على شبكة الإنترنت "تساعد الراغبين بالانتحار" وجماعات تعقد صداقات وتعارفاً بين الراغبين بالانتحار واتفاقات للانتحار الجماعي، ومناسبة التقرير ذاته هي انتحار شابّ بريطاني يدعى (تيم بابير) يعتقد والداه أنّه كان ضحيّةٌ لأحد تلك المواقع كما أنهم "يشعرون أن الإنترنت قد حكمت عليهم حكماً مؤبداً بالحزن والأسى".
قد يكون من غير المفهوم لدى البعض أن يكون الرسوب في "البكالوريا" أو ترك الشريك العاطفي مثلاً سبباً يدفع إنساناً للانتحار، بل أكثر من ذلك نذكر ما نشره (مرصد نساء سوريا) بتاريخ 27/ 9 / 2007 بقلم (رهادة عبدوش) تحت عنوان: "لم يتمكن من الهجرة فآثر الانتحار.. ماذا فعلنا بشبابنا؟" حيث يتضمّن المقال خبر انتحار شاب سوري لعدم تمكنّه من الهجرة!. لكنّ هذا حصل ويحصل وسيحصل كغيره من أسباب أخرى أكثر من أن تُحصى وهي بنظر الكثيرين "تافهة" عدا عن حالات انتحار أشخاص "أسوياء" وظروفهم جيدة على مختلف الأصعدة، دون أن يكون لانتحارهم سبب واضح.
إنّ عوالم الإنسان الداخلية لا تزال تنطوي على مناطق مجهولة لم تُسبر بعد، ولم يدرك أعماقها التحليل النفسي حتى الآن رغم تطوّره المستمر. وليس من المجدي ـ حسب رأيي ـ الخوض في سجال لإطلاق أحكام قيمة من قبيل أن الإقدام على الانتحار "يأس" أو "شجاعة" لأن تغيّر الوصف لن يقدّم لمن فقد الرغبة في الحياة سبباً إضافياً ليعيشها. ومع الاحترام الكامل لحقّ كل شخص في أن تكون له فلسفته الخاصة حيال الحياة والموت، أجدها دعوة لكل من يريد الكفّ عن الحياة لأي سبب كان أن يعيد النظر ليس في قراره فهذا شأنه وهو حرّ، لكن في نظرته إلى الحياة فلن يخسر شيئاً لو فعل، لكنّه قد يكسب حياةً جديدة.
كان غوته صديقاً لوالدة شوبنهاور الفتى المتشائم الناقم على الحياة والذي أصبح فيلسوفاً كبيراً فيما بعد، ومما قاله غوته لإبن صديقته ذاك: "إذا أردت أن يكون للحياة معنى فاجعل لحياتك معنى".
نعم على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة .
