نقد التصوّف في كتاب “وصف إفريقيا” للحسن الوزّان
1- معاينات ميدانية :
يبدو الفضاء الثقافي المغاربي، من خلال سرود الحسن الوزّان ومحكياته منشغلا بالفكرية العرفانية، متماهيا مع "صور المعنى"، ومع كارزمية الصوفية وكراماتهم.
يقول عن مدينة العباد : ( … وبها دفن وليّ كبير، ذو صيت شهير، يوجد ضريحه في مسجد يصل الزائر إليه بعد نزول سلم من عدة درجات، ويعظم أهل تلمسان والبلاد المجاورة لها هذا الوليّ كثيرا ويستغيثون به ويتصدقون عنده كثيرا لوجه الله، ويسمّى سيدي مدين.)
( -الحسن بن محمد الوزان الفاسي – وصف إفريقيا – ترجمه عن الفرنسية – محمد حجي ومحمد الأخضر – دار الغرب الإسلامي –بيروت – لبنان – الطبعة الثانية – 1983-ج2 ص.24).
والملاحظ أنّ الحسن الوزّان لا يستفيض في الحديث عن الغوث أبي مدين شعيب، رغم قوّة تأثيره في الواقعات المغاربية وتأثيره النافذ في صياغة الوجدان الصوفي بالمغارب وتشكيل الوعي الجمعي، بما يوافق تمثلات العرفان المنفلت من سياجات العقل البياني الفقهي.
يتناول الحسن الوزّان المرابطية المغاربية بكثير من الحذر والتحرّز؛ ولا غرابة في هذا المسلك، خصوصا إذا أدركنا مصائر المرابطية والفكر الكرامي ونتائجهما المؤثرة عمقيا على مصير الاجتماع المغاربي وعلى البنية السياسية لشمال إفريقيا عموما منذ القرن السادس عشر. فقد شكّل الفكر الصوفي بنية تصوّرية ومؤسّسية قويّة، متأصّلة في مفاصل هذه المجتمعات وثقافاتها التحتية رغم مظهره اللانسقي واللانظامي المتشظّي أحيانا. وهذا ما دفع الكثيرين إلى اعتبار التصوّف أحد تجلّيات النبوغ الأمازيغي وإحدى علامات التثاقف بين المخزون الرمزي الأمازيغي والتصوّف العربي – الإسلامي . يقول صاحب ( مفاخر البربر ) :
(وأما الأولياء، والصلحاء، والعباد، والأتقياء، والزهاد النساك الأصفياء، فقد كان في البربر منهم ما يوفي على عدد الحصى والإحصاء، وقد ألّف الشيخ الفقيه، العالم الصالح، الشهير أبو العباس العزفي نزيل سبتة، في كرامة الشيخ أبي يعزا ما هو مشهور عند الناس، وكتاب الشيخ الفقيه الراوية المحدث أبي يعقوب التادلي رحمه الله شاف وكاف في أخبار صلحاء المغرب…).
( – مجهول – مفاخر البربر – دراسة وتحقيق – عبد القادر بوباية – دار أبي رقراق للطباعة والنشر – الطبعة الأولى – 2005- ص 175).
ولئن مالت ملاحظات الحسن الوزان ومحكياته عن أولياء المغارب إلى الإيجاز وسرد المعاينات البرانية، فإنّه سيتحوّل إلى شاهد ومختبر لسلوك صوفيّ شهير هو أحمد بن يوسف الراشدي. مما لا شك فيه أنه يميل إلى التحقّق من المسلكية المعرفية والعرفانية لمتصوّفة زمانه، نافيا عن الكثير منهم الهالة الكارزمية والقدسانية المنسوبة إليهم في الأدبيات المناقبية والكتابات الكرامية ( كتب التادلي مثلا) وفي الوعي الجمعي الميّال إلى الترميز المضاعف خصوصا في المنعطفات التاريخية الحادة.
ويتبع الحسن الوزّان نفس المسلك المعرفي في تفكيك كارزمية أحمد بن يوسف، وذلك بإرجاعه إلى تهوّس العامة باللامعقول وميلهم إلى عزو شتّى ضروب الكرامات والمناقب لأناس لا يحتازون جدارة استثنائية خارج الهوامات والاهتيامات العامية.
لقد قدم الوزان إضاءات هامّة عن كيفية تحوّل الرأسمال العرفاني أو الغنوصي إلى رأسمال مادّي والى رأسمال سياسي. فالواقع أنّ الصوفي الكارزمي كما قدّمه الوزّان من خلال نموذج أحمد بن يوسف، لا يكتفي بالسباحة في بحر العرفان والتألّه والانقطاع عن الأغيار والتغنّي بالفقر والتوبة وفضائل الموت، بل يطوّر اجتماعا صوفيّا ذا خصائص اجتماعية وسياسية متميّزة. فالوليّ أحمد بن يوسف، يعيد الحياة إلى سهول مدينة البطحاء، ويقيم أسس اقتصاد فلاحي، موجّه إلى تعزيز لحمة الجماعة العرفانية ولتقوية الروابط الاجتماعية والسياسية بين مريديه ودعم موقعهم في خريطة التدافع السياسي بين القوى السياسية، والتصارع الثقافي حول الملكيات الرمزية بين الجماعات العرفانية من جهة، وبين أرباب الفقه والشريعة وأرباب الطريقة والحقيقة من جهة أخرى.
( وظلّ السهل خاليا تماما من السكان إلى أن جاء أحد النساك على طريقة أهل البلاد، فأقام به مع عدد من أتباعه الذين يرون فيه وليا صالحا. فأمر هذا الرجل بحرث الأراضي، وتكاثر بقره وخيله وغنمه إلى حدّ أن أصبح هو نفسه لا يعرف عدد رؤوس تلك الماشية، إذ لا يؤدّي هو ولا ذووه أية إتاوة للملك ولا للأعراب، لأنه كما قلت يعدّ من الأولياء.)
( -الحسن بن محمد الوزان الفاسي – وصف إفريقيا –-ج2 ص.28)
فالصوفي مثال للشخص الكامل، لأنه يستمد من كاريزماه وضعا فريدا لا يتمتّع به محتازو الرأسمال السياسي والخيرات المادية أنفسهم. فأحمد بن يوسف لا يدفع الإتاوة للملك ولا للأعراب، ويتمتع بتقدير كبير وبتقديس من قبل الأمازيغ والأعراب ومن قبل مسلمي أسيا وإفريقيا؛ كما يستفيد من النذور والصدقات الآتية من الآفاق البعيدة. لقد امتلك هذا الوليّ، قدرة كبيرة على تطويع رأسماله الثقافي وعلى استثمار افتتان الذات الأمازيغية بالمقدس وبالمعاني الرمزية الباطنية، لترسيخ قوة الجماعة وتصليب انتمائها والاستجابة لحاجة الأفراد إلى الوثوق واليقين والمعنى المكتمل، في زمان اخترمته تناقضات المؤسسة الفقهية البيانية، واهتزازات السلطة السياسية وانشطارات البنية الاجتماعية.
لا يحصر الحسن الوزّان محكيّه على الوظائف الاجتماعية- النفسية، لسلوكيات الوليّ الاقتصادية والاجتماعية، بل ينقّب في أرضية الكاريزما الكرامية للصوفيّ، ويبحث في المسكوت عنه في الفكر الكرامي والأدبيات المناقبية.
( يعظم الأعراب هذا الرجل ويقدرونه إلى حد أن الملك أصبح يخشاه، ورغبت في التعرّف عليه فأقمت عنده ثلاثة أيام كاملة، كنت أخلو به كلّ ليلة وأتناول معه طعام العشاء في حجرة خاصة. ومن الأشياء التي أطلعني عليها بعض الكتب الخاصة بالسحر والكيمياء، محاولا أن يبرهن لي على أنّ السحر علم لدرجة أنّي جعلت أتّهمه بأنّه ساحر، وذلك لأني رأيت الناس يبالغون في تقديسه وتعظيمه دون أن يفعل أو يقول أو يخترع شيئا آخر غير ما وصفته من دعاء الله بأسمائه الحسنى.)
( -الحسن بن محمد الوزان الفاسي – وصف إفريقيا –-ج2 ص.29)
ينطق هذا المخرج بميل الحسن الوزّان إلى ربط كاريزما الصوفية لبعض أولياء المغارب بالعوالم اللامعقولة للفكرية الهرطوقية. فالكرامة الصوفية في اعتباره، هي في الغالب نتيجة تلبيس وتدليس محكمي الصوغ، من قبل أناس متمكّنين من المعارف الباطنية. ليست الكرامة، والحال هذه، دليلا على الولاية وصحّة الارتقاء في معارج التسامي الروحي، بل هي قرينة وأمارة دالّة على التعلق بالعوالم السفلى للعقل البشري. فبدلا من أن يكون العرفان، تجاوزا لآفاق البيان ولعقله الاستدلالي، فإنه لا يعدو أن يكون عودة متماوجة إلى أحضان اللامعقول السحري.
ونجد نفس الإطار التفسيري عند إدمون دوطي، رغم اختلاف منطلقاتهما الابستمولوجية ومقاصدهما الفكرانية.
يقول دوطي في الفصل الأول المعنون بـ"السحرة والكهنة والعرّافون "من ما يلي : zététique دراسته "الزطيطيقية".
( وأخيرا فما يطلبه الولي من الله هو نعمته وبركته، وهي أمور لا تتحقق آليا بالضرورة ومن خلال قوة الشعيرة فقط، كما هو الحال في السحر مثلا. بيد أن لا شيء من كل هذا مطلق، والفصل بين الوليّ والساحر لا يتم بشكل جيد، ذلك أن السحر بعد أن تم إقصاؤه من الدين يسعى للاندماج فيه مجددا. )
(- إدمون دوطي – السحر والدين في إفريقيا الشمالية – ترجمة : فريد الزاهي – منشورات مرسم –الرباط-ص.40).
ويشكل الفضاء الثقافي الأمازيغي، أرضية خصبة لانتشار الأفكار التحاجية والممارسات القدسانية الكرامية، النافية للانتظام العمراني والاتساق السياسي والتماسك الإناسي. ويثير محمد زنيبر نفس الفكرة في معرض تناوله لشخصية كاريزمية من نفس الغرار وهي شخصية المهدي محمد بن تومرت.
( وتتأتى هذه الخصوصية من استعداد نفسي يمكن العثور عليه عند أهل المغرب، إجمالا، عبر التاريخ، ألا وهو التماس الحل الخارق. فالمغرب، الذي هو بلد لا يفي فيه المطر بمواعيده، وحيث يمكن للنزاع القبلي أن يحتفظ بحالة من اختلال الأمن والأزمة الاقتصادية، قد صنع تاريخه في أحرج اللحظات وهو يسلم أمره لزعماء لدنيين يمكن لهيبتهم أن تحتفظ بصداها مدة طويلة من الزمن وتغطي حياة دولة كاملة من الدول.)
(- محمد زنيبر – المغرب في العصر الوسيط – الدولة – المدينة – الاقتصاد – تنسيق محمد المغراوي – منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية – الرباط – الطبعة الأولى – 1999-ص 135).
والواقع أنه لا يمكن تفسير الشغف باللامعقول واللامرئي بالحتمية الجغرافية ولا ببنية المؤسسة القبلية؛ كما لا يمكن تخصيص المغارب باللامعقول؛ إذ هو بنية انثروبولوجية كونية، منداحة بين الثقافات والحضارات والتواريخ بما يمنع من حصرها في حيز أو جعلها خصيصة ماهوية لبعض الثقافات اللامركزية كما يعتقد مدبّرو اللوغوسفير المركزية. بل إن العرفان الصوفي المغاربي، ليس في الغالب إلا استعادات مبيّئة بطريقة أو بأخرى للعرفان الشرقاني المستوحى من أكثر من تراث ومن تقليد ثقافي.
فالفقه معتزّ بتماسكه، النظريّ والمؤسّسي، علما أنه قائم على اللامعقول أصلا، وعلى حيثيات غيبية، لا تكاد تختلف عن حيثيات المقدس اللاارثوذكسي في العمق. وعليه، فإنّ مقاربة الوزّان البرانية للعرفان، غلبت الاعتبارات التنظيمية والسياسية على المقتضيات الابستمولوجية؛ فهو لا يعتني بتفكيك المنهجية العرفانية ولا المنظورية الميتافزيقية للعرفاني، بقدر ما يعتني، برصد المخالفات ولا معيارية السلوك الصوفي.
والغريب في موقف الوزّان، هو استبعاده للموقف الفكري –الصوفي لأحمد بن يوسف الراشدي. فرغم خلفيته الزروقية( نسبة إلى الصوفي أحمد زروق الفاسي)، فإنّ أحمد بن يوسف صدر عن موقف صوفيّ منزاح عن مقتضيات التسنّن وعن الأنموذج النبوي المحمّدي، وقريب من متصوّفة الاتحاد ( البسطامي) والحلول (الحلاج).
( أما أحمد بن يوسف فلا يرى، في هذا المقام، إلا موقفا واحدا تجاه الألوهية والربوبية على حد سواء، وهو موقف الحب الخالص، الذي يصرف القلب عن مشاهدة تجليات الجمال والجلال في الكونين الدنيوي والأخروي، ويصون العقل عن الافتراق في عالمي الملك والملكوت، فتنتفي أسباب الخشية والرجاء وتزول دواعي العمل طمعا في الجنة وخوفا من النار.
وهكذا تكون النظرة إلى طبيعة العلاقة بين المعرفة والعبادة جوهر الخلاف بين أحمد زروق وأحمد بن يوسف، فالأستاذ يصل ما بين المعرفة والعبادة ويرى بأن يقين المعرفة في صدق العبادة، أما التلميذ فينحو إلى القول بالفصل بينهما.)
(-عبد الله نجمي – التصوف والبدعة بالمغرب –طائفة العكاكزة،ق16-17 – منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية- الرباط – الطبعة الأولى – 2000-ص. 179).
فأحمد بن يوسف المتألّه، يذهب بعيدا في الاهتمام بدقائق التوحيد والحبّ الإلهي وفي تغليب المعرفة على العبادة، وتفضيل همّة العارفين على همّة العابدين والارتقاء من الإجارة إلى الإمارة ومن طلب الحور والقصور إلى "رفع الستور ودوام الحضور" وغير ذلك مما يناقض التسنّن والتصوّف المتسنّن مناقضة شبه جذرية. فلئن ربط التصوّف السنّي بين الأرثوذكسية والأرثوبراكسية وبين المعرفة الذوقية والتكاليف الشرعية، فإنّ تصوف احمد بن يوسف يروم الفصل بين الأرثوذكسية والأورثوبراكسية أولا، وتعديل اتجاه التروحن داخل الأرثوذوكسية نفسها ثانيا.
يقول التهانوي ما يلي :
( قال الإمام الرازي في التفسير الكبير، في تفسير قوله تعالى : ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ) الآية : اختلف العلماء في معنى المحبة، فقال جمهور المتكلمين : إنها نوع من الإرادة، والإرادة لا تعلق لها إلا بالجائزات، فيستحيل تعلق المحبة بذات الله تعالى وصفاته، فإذا قلنا : نحب الله، فمعناه نحب طاعته وخدمته أو ثوابه وإحسانه.
وأما العارفون فقد قالوا : العبد قد يحبّ الله تعالى لذاته، وأما حبّ خدمته أو ثوابه فدرجة نازلة، وذلك أن اللذة محبوبة لذاتها وكذا الكمال .)
( التهانوي – كشاف اصطلاحات الفنون – وضع حواشيه : أحمد حسن سبيح – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 1998-الجزء 1 –ص. 368).
وللتعرف على فكرية أحمد بن يوسف، نقدم الجدول التالي :
ملاحظة : الجدول من اليسار إلى اليمين
|
المنزلة |
المقام |
الصلاة |
اليقين |
المنهج |
العقل |
العالم |
الفئة |
المستوى |
|
أسير |
مقام التوحيد |
صلاة الجباه |
علم اليقين |
النظر أو الاستدلال |
العقل الخشن أو الكثيف |
عالم الملك |
العامة (أبناء الدنيا ) |
المستوى الأول |
|
أجير |
مقام التفريد |
صلاة القلوب |
عين اليقين |
الدليل والبرهان |
القلب أو العقل المخيف |
عالم الملكوت |
الخاصة (الأولياء) |
المستوى الثاني |
|
أمير |
مقام التجريد |
صلاة الأرواح |
حق اليقين |
الاستدلال بالصانع على المصنوعات |
العقل اللطيف |
عالم الجبروت |
خاصة الخاصة (العارفون ) |
المستوى الثالث |
فما يعني العارف الراشدي هو مقام التجريد والإمارة الروحية،لا البقاء في حدود الأسر الفقهي والإجارة الشرعية وما يسميه طه عبد الرحمن بعقل التجريد .ولبلوغ هذا المقام، لا بد من الانصراف حصرا إلى المحبوب.
( ورأى الراشدي في الأعمال أنها مخلوقة، وملاحظتها تصرف عن النظر إلى المعمول له، وأنها بذلك حجب تحول بين المعبود والعبد. وقال بالقيام بها دون اعتماد، ونصح بالتوجه الخالص إلى خالق الأعمال ومبدعها .وهذا يؤدي إلى النتيجة الخطيرة، التي يحذر منها الشيخ عبد الوارث( الياصلوتي )، وهي القول بالفصل بين العبادة والمعرفة، والتصريح بأن الاشتغال بالعبادة يبعد عن المعرفة، وأن الاشتغال بالمعرفة يغني العبادة. وما تقول به الطائفة المذكورة في "المسلك" ( يقصد رسالة " المسلك القريب الموصل إلى حضرة الحبيب "للياصلوتي)، ينسبه " البستان "( يقصد كتاب " بستان العارفين الأزهار في مناقب زمرة الأخيار ومعدن الأنوار سيدي أحمد بن يوسف الراشدي النسب والدار " للصباغ القلعي) إلى الشيخ أحمد بن يوسف.)
(-عبد الله نجمي – التصوف والبدعة بالمغرب –-ص. 230).
فكيف يتحوّل متصوّف متفلسف خلخل بنية التصوف الجنيدي – الغزالي ودافع عن اهتيامات انسية في زمن استشراء القياميات، إلى مجرد متمرّس بالعلوم السحرية كما هو مسطور في (وصف إفريقيا)؟ ألا يمكن تفسير ربط سكوت الوزان عن النحلة الراشدية وعن اختراقاتها الفكرية، بقناعته باستحالة اصطناع النحل المتفلسفة بله الهرطوقية في وسط بدوي زياني أمازيغي؟ كيف يقدم الوزان أحمد بن يوسف كمدبر سوسيو- اقتصادي مقتدر ومتضلّع في الممارسات السحرية وهو الموصوف بالعرفانية والبدعية والقطبانية؟ كيف يتمفصل التحاب العرفاني مع التمرّس بالاخفائيات والعلوم الباطنية؟ أليس الفقه تصوفا "مقوننا" أو عرفانا مقرونا بلغة المؤسسة السياسية الظافرة؟ ألا تشترك النبوة والتصوف في القاعدة العرفانية ولا تختلفان إلا في تدبر الوساطة؟ ألا يطال الاختلاق الوسائل والوسائط والسمات الشخصية فقط فيما تتحد المصادر والمنابع؟ ألا يمكن تتبع أثار العرفان الهرمسي والغنوصي في النصوص المؤسسة نفسها ؟أليس التفسير السلفي للتصوف اللاسني بالتحتيات، مرادفا للتفسير العقلاني – النفاتي للنبوة ( مثل مخاريق الأنبياء لمحمد بن زكريا الرازي ) أو للتفسير الكنسي القروسطي لانبثاق المحمدية؟
والحاصل، أن الوزان يغيب الاختيار الابستمولوجي والانطولوجي والانتساب العرفاني الهرطوقي، لأحمد بن يوسف،ويكتفي بإرجاع حضوره السوسيولوجي والسياسي إلى ممارسات لاعقلانية –سحرية إجمالا بدون تقديم تدقيقات مفهومية ونظرية عن تجدد حقل القداسة والتنافس المحاكاتي بين الفاعلين الدينيين في ظرف تاريخي انعطافي.
وفي نفس السياق، يقدم نقدا مخارجا لتجربة عمرو السياف.
( أسست هذه القلعة في أيامنا هذه من قبل عمرو السياف الثائر رئيس المبتدعة . وكان في بداية أمره شيخا متصوفا، ثم لما جمع حوله عددا كثيرا من المريدين و أطاعوه صار جبارا عنيدا، ودامت سطوته اثني عشر عاما كانت سبب خراب هذه البلاد . وقد قتلته إحدى نسائه حينما وجدته يضاجع ابنة لها من زوج آخر، فأدرك الناس حينئذ أن الرجل فاسق لا إيمان له ولا دين، وثار الشعب بعد موته وقتل كل من كان يتبع طريقته.)
( -الحسن بن محمد الوزان الفاسي – وصف إفريقيا – ج1-ص.107-)
يقدم الوزّان نماذج لحالات الانتقال من التصوف إلى"التبدع" و"التهرطق" من حقل القدسانية إلى حقل"البدعانية"؛ تكمن خطورة التصوف في الاجتماع المغاربي حينئذ، في قدرته على تشويش الوضع المعرفي والأخلاقي للسياق العام، وعلى بناء حقيقة سياسية جديدة خارج الزامات الفقه والمؤسسة الفقهية. ليس التصوف تعاليا في كل الأحوال، بل كثيرا ما مثل مجالا لمعانقة متجددة، للسلطة والمرأة، وتجاوز اكراهات الشريعة والتقنينات الفقهية للسلوك الفردي والجماعي.لا يعني التصوف هنا، الانقطاع عن الخلق والانشغال بالزهد والرقائق والتفرغ لمحبة الواحد، بل توطيد الصلة بقوى الهدم والتفكيك والفوضى. فبدلا من سد ثلمات السلطة السياسية، ينبري المتصوف لتهيئة شروط الفوضى، والانفلات السياسي، عبرهلهلة نسيج سياسي- اجتماعي متفكك أصلا، وخرق المواضعات الشرعية والمواثيق الجماعية، وتقويض معيارية الجنسانية الشرعانية .فالجنسانية المتحللة للصوفي المتهرطق، تمس الاجتماع الشرعي في أعماقه، وتطال النسق في أكثر مفاصله جوهرية ومعيارية.
وقد قدم عبد الوحد المراكشي ابن قسي كنموذج للمتصوف الهرطوقي، مما ينم عن تشكل نسق هرطوقي، قادر على الاشتغال وعلى إثارة المتخيل القيامي للجموع :
(وقام مغرب الأندلس دعاة فتن ورؤوس ضلالات؛ فاستفزوا عقول الجهال، واستمالوا قلوب العامة؛ من جملتهم رجل اسمه أحمد بن قسي؛ كان في أول أمره يدعي الولاية، وكان صاحب حيل وربّ شعبذة، وكان مع هذا يتعاطى صنعة البيان وينتحل طريق البلاغة، ثم ادعى الهداية ؛ يلغني ذلك عنه من طرق صحاح. ثم لم يستقم له شيء مما أراد، واختلف عليه أصحابه.)
عبد الواحد المراكشي – المعجب في تلخيص أخبار المغرب – شرحه واعتنى به : صلاح الدين الهواري- المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – الطبعة الأولى-2006-ص.155-156).
إلا أن الوزان لا يركن دوما إلى تسويد ملامح تصوف زمانه؛ فهو يقدم أحيانا، حالات عرفانيين لا يرومون التقويض والهدم والافتتان، بل يسعون إلى توطيد النسق السوسيو-سياسي والحفاظ على التوازنات السياسية بين القبائل والأحلاف اللفية من جهة، وبين القبائل والمخزن المركزي من جهة أخرى.
( وفي الوقت الذي مررت فيه بهذه البلاد كان الآمر بهذه الهدنة شيخ زاهد مشهور عندهم بالصلاح(يقصد الصوفي محمد بن مبارك الأقاوي)، وكان المسكين أعور لم أر منه في الواقع غير الصفاء واللطف والإحسان . )
( -الحسن بن محمد الوزان الفاسي – وصف إفريقيا 1983- ج1-ص.145-).
2- العرفان الحضري:
ومن الملاحظ أن التصوف الأرثوذكسي أو الهرطوقي، شكل جزءا من التراث الفكري والاجتماعي للبوادي وللحواضر المغاربية على السواء. ففي معرض حديثه المستفيض عن فاس، خصص صفحات للتصوف، عبر فيها عن تمثله للظاهرة الصوفية، وأشكال حضور الفكرية الصوفية في حاضرة الفكر الأشعري / المالكي( فاس).
( يوجد بفاس بعض الأشخاص الذين يحملون اسم الصوفية، أي علماء الأخلاق وشيوخها، يسيرون على قوانين خارجة عما شرعه محمد – عليه السلام – يعتبرهم البعض سنيين، ولا يعتبرهم كذلك آخرون. غير أن العامة تعتقد أنهم أولياء صالحون. وعلى سبيل المثال، تمنع الشريعة الإسلامية الغناء أو تلحين أية قصيدة غرامية، بينما يبيحها هؤلاء. ويشتمل مذهبهم على عدة طرق، لكل طريقة قواعدها الخاصة، ورئيسها المدافع عنها، وفقهاؤها الذين يؤيدون مبادئها، وكتبها العديدة المتعلقة بالحياة الروحية.)
( -الحسن بن محمد الوزان الفاسي – وصف إفريقيا –-ج1- ص.267).
من المؤكّد أنّ الحسن الوزان، يقارب الظاهرة الصوفية من منظور فقهيّ مؤسّسي صارم؛ فهو يعتقد أنّ التجربة المحمدية، هي التجربة المعيارية الضابطة للأنظار البشرية والراسمة لأطر النجاة والسعادة في الدارين ولأشكال التمفصل بين العقيدة والشريعة. فرغم انخراطه اللاارادي في سلوكات لا أرثوذكسية (زيارة ضريح أبي يعزى)، فإنّه ينسب تقديس الصوفية وتعظيمها إلى الانسياق العامي وراء النزعات اللاعقلانية . فهو يصرّ على ملامسة الفكر الصوفي والكرامي من موقع العالم المخلص للعالم الرؤيوي للنظام المعرفي البياني. لا جدال في أن النظام المعرفي البياني، يربط الأشواق الروحية للإنسان بأفاق التجربة الروحية المحمدية، ويحصر التذاهن البشري في ضفاف التروحن والتذاهن المحمديين، ويحد آفاق الحقيقة بسياجات الشريعة والمنهجية الفقهية. فالفقيه ينظر نظرة تحريمية للموسيقى والسماع، فيما ينظر العرفاني أو الصوفي اللاسني إلى الموسيقى كأداة لاستكمال التروحن وتكميل التجوهر والتلذذ بالجمال.
وتكمن قوة المتصوف، في امتلاكه القدرة على التدليل الشرعي على صحة اختياراته النظرية وسلوكياته العملية، وفي احتيازه لسلطة تدبير المتخيل الجماعي.لا يعني امتلاك الصلاح والولاية،امتلاك ناصية التأويل وتذويت الفهوم والتآويل فقط، بل يعني امتلاك زمام المبادرة السياسية –الاجتماعية ومنافسة المؤسسة الفقهية في مهمتها الجوهرية، إي إدارة الاجتماع على نحو يصل المحايثة بالتعالي.
فالصوفي ينازع الفقيه، في المعرفة والسلطة، في امتلاك آليات الترميز والتقديس وفي تحريك فائض قوة الكتلة الهيولية المتشكلة من مستهكلي الأساطير الألفية .فلئن تمكن الفقيه من منع الفيلسوف والأديب والمتكلم من تحريك المخيال الجماعي وصياغة المصير المشترك صياغة تعقلية مدنية، فإنه لن يتمكن من احتواء نفاذية وعبورية التصوف واندغامه بالبنية السيكو- ثقافية للإنسان المغاربي إذاك.
والمنازعة في التأويل، تنصب هنا على إعادة الاعتبار للطاقات الفنية والإمكانات الجمالية للفرد وللمجموعة وعلى استعادة جماع الطقس الشعائري، وعلى تجديد الصلة بالتعبير الفني – الاسطيطيقي المزدهر في الثقافات القديمة للشرق الأدنى والشرق الأقصى على السواء.
ولئن مالت المؤسسة الفقهية إلى إقصاء السماع والغناء والموسيقى من دائرة التداول والإبداع، فإن الدينامية الصوفية، سعت إلى إدماج السماع والرقص في صلب الأداء الشعائري والممارسة الطقسية. وهكذا، اعترض العرفانيون على الدعاوى الفقهية الحاثة على ذم السماع وعلى استسماج الرقص، بدعوى مخالفتهما للنصوص المؤسسة وللعمل الشرعي.
يقول الأبشيهي في معرض تفنيده لحجج نفاة شرعية السماع والغناء ما يلي :
( ومن حجة من كره الغناء أنه قال : إنه ينفر القلوب ويستفز العقول، ويبعث على اللهو، ويحض على الطرب، وهذا باطل في أصله، وتأولوا في ذلك قوله تعالى : ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا ) [ لقمان : 6 ] .وأخطأ من أول هذا التأويل إنما نزلت هذه الآية في قوم كانوا يشترون الكتب من أخبار السير، والأحاديث القديمة ويضاهون بها القرآن، ويقولون : إنها أفضل منه، وليس من سمع الغناء يتخذ آيات الله هزوا …)
(- الأبشيهي – المستطرف في كل فن مستظرف – شرحه ووضع هوامشه : إبراهيم أمين محمد – المكتبة التوفيقية – القاهرة –ص.438).
يكتفي الوزان بالإشارة إلى المعالجة الفقهية للسماع والغناء، علما أن للفلاسفة والصوفية والأدباء، أراء مستحسنة لهما، ونظرات كاشفة عن علائقهما بالنفس ووظائفهما النفسية والاجتماعية.
لا ينظر الحسن الوزان إلى التصوف اللاارثوذكسية من منظور جواني، باحث عن استكشاف المعاني وسبر أعماق العالم الدلالي للعوالم العرفانية؛ فهو يلامس التصوف باعتباره ممارسة اجتماعية – ثقافية متفاعلة مع الواقعات الاجتماعية – الثقافية بالحاضرة الثقافية والروحية للمغرب السعدي. أضف إلى ذلك أنه،لا يتناول التصوف والمتصوفة إلا في معرض تناوله لللامعقول والمعارف الغيبية، أي العرافة و أسرار الحروف والتعزيم والسحر والزايرجة والبحث عن الكنوز والكيمياء والشعوذة.
ففي حديثة عن فاس أولى عناية خاصة للفقه والمؤسسة الفقهية، باعتبارها أساس الاجتماع الحضري، وبوتقة الصهر الاجتماعي فيما وضع التصوف في الهامش إلى جانب العلوم والمعارف غير المنضبطة علميا وإيديولوجيا. وبناء على هذه الملاحظة، فترتيب المعارف والسلوكيات الاجتماعية يكتسي دلالة بالغة؛ ويكشف عن صعوبة احتواء وتطبيع الفكر والممارسة الصوفيين في حاضرة مالكية لها تصور مركزي لتدبير المقدس وتسيير أمور السياسية على السواء.
وللتدليل على صعوبة توافق التروحن والسلوك الصوفيين مع المقتضيات المدنية، أكثر الحسن الوزان من التركيز على الهرطقات الصوفية السلوكية والاجتماعية. ولئن أومأت إشارات الوزان إلى أزمة المؤسسة الفقهية العملية، فإن إشاراته تحمل مؤشرات دالة على أزمة نظرية غير مفكر فيها في المتاح الفكري للوزان ولمعاصريه .فاستفحال الهرطقات العرفانية وتوسع الهوامش الإخفائية والباطنية، ينمان عن اخترام عميق في بنية الثقافة الفقهية وفي نسيج سندها ومنهجيتها الاستدلالية.
( ومنذ مائة عام أصبح كل جاهل يريد أن يكون صوفيا بدعوى أنه لا حاجة إلى تعلم مذهب ما دامت العناية الإلهية تنير كل قلب طاهر بمعرفة الحقيقة ، وبدعاوي أخرى لا قيمة لها كذلك.)
( -الحسن بن محمد الوزان الفاسي – وصف إفريقيا –-ج1- ص.269)
مما لا شك فيه، أن الحسن الوزان، يعترض هنا على المسلك الفكري لتوجه صوفي ناف للمعرفة الكسبية وللاستدلال والاجتهاد والتعليل وسوى ذلك من مسالك وطرائق منهجية ومعرفية اعتمدها النظام المعرفي البياني في صوغ المعرفة وتدبر الإلهي. فهو يقر بالتصوف المتفقه، أي المتحرك ضمن ممكنات الفقه وأصول الدين لا غير، أما التصوف الهرطوقي أو العرفاني، فلا ينال منه سوى النقد والتقريع. فبالنظر إلى تكوينه المعرفي ولوضعيته السوسيو- ثقافية ونوعية ارتباطاته المؤسسية، فانه لا يتصور الممارسة الصوفية والمعرفة العرفانية إلا في سياق مسايرتها لمقتضيات المنظومة الفقهية وترسانتها المفهومية الصارمة. وهذا ما يفسر تثمينه العالي، لكتاب إحياء علوم الدين، لأبي حامد الغزالي، رغم الطابع الإشكالي للفكرية الغزالية وانهماماتها العرفانية بله الغنوصية الظاهرة.
والحقيقة أنه ركز كثيرا على تفكك الروابط التنظيمية والمعرفية والمنهجية والمفهومية بين التصوف والفقه آنذاك؛وقد نتج عن هذا التفكك، أن غرق التصوف بفاس خصوصا والمغارب عموما، في أنماط تعبدية بعيدة عن النسق العبادي الأرثوذكسي، وفي ممارسات معرفية غير معيارية . فالمتصوفة قدموا ممارسة سوسيو-ثقافية، متمايزة عن المعيارية التقليدية للفكر المؤسسي الفقهي المطعم بالمفاهيم والمتصورات المالكية / الأشعرية . فقد قدموا تصورا لا معياريا، للشعائر التعبدية، وللحقيقة الاعتقادية، وللغيرية العقدية، وللحب الإلهي، وللتثاقف بين الثقافة المركزية والثقافات الطرفية .إلا أن الوزان، لا يركز كثيرا على المنطلقات النظرية للفكر الصوفي، بل على هرطقة الصوفية واختراقهم لمرسخات الشريعة ومخالفتهم المعلنة لنموذج المدينة المعياري وللمسلكية العبادية المحمدية.
وتكمن خطورة المتصوفة بوصفهم صور المعنى في قدرتهم على خلق المعنى في أوان الفوضى الدلالية أو في أزمان اهتزاز اليقين الانطولوجي أو المعرفي وفي قدرتهم على استثمار الثيمات الأسطورية للمتخيل الاجتماعي وخلق دين المعنى لدى المستعينين بخدماتهم الرمزية والمعنوية. كما تكمن في قدرة بعضهم على استشكال النواة الصلبة للاعتقاد، بناء على منطلقات تأويلية مخصوصة. فالفقه إطار قبلي معياري متماسك، أما التصوف فأطر بعدية لا معيارية ومتشظية.
يقول ابن حزم :
( قال أبو محمد : ادعت طائفة من الصوفية أن في أولياء الله تعالى من هو أفضل من جميع الأنبياء والرسل، وقالوا : من بلغ الغاية القصوى من الولاية سقطت عنه الشرائع كلها، من الصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك، وحلت له المحرمات كلها، من الزنا والخمر وغير ذلك، واستباحوا بهذا نساء غيرهم، وقالوا : إننا نرى الله ونكلمه، وكل ما قذف في نفوسنا فهو حق.)
( – ابن حزم – الفصل في الملل والأهواء والنحل – وضع حواشيه : أحمد شمس الدين – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان –الطبعة الثانية -1999 المجلد الثالث-ص.166)
3- التصوف والشهوانية :
ولا يخرج تصور الوزان لمتصوفة عصره عن مفاد إفادة ابن حزم الظاهري؛ ففك الارتباط بالمعايير الشرعية، لا يعني من منظور فقهي، إلا الإباحية والتحلل الأخلاقي والشهوانية.
( لهذا أعرض الصوفية عن جميع أوامر الدين، سواء منها المستحبة والواجبة، ولم يعودوا يتقيدون من الشعائر إلا بما يمارسه العلماء، بل راحوا بعكس ذلك يتمتعون بكل الملذات التي تعتبر مباحة في مذهبهم. وهكذا يقيمون مآدب كثيرة ينشدون فيها أناشيد غرامية ويرقصون رقصا طويلا.)
( -الحسن بن محمد الوزان الفاسي – وصف إفريقيا –- ج1-ص.269).
لم تختر الصوفية اللاسنّية الانفصال عن الإبدال الفقهي وعن المقتضيات السياسية – الاجتماعية المترتبة عليه فقط، بل استعادت المتخيل الشعائري والتراكيب الطقوسية القديمة. فقد أفضى تجاوز المسوغات المعيارية للإبدال الشرعي، إلى التماهي مع المتخيل الايروسي ومع الطقوسيات الانخطافية ومع الجنسية اللامعيارية. ولا يمكن لهذا التماهي أن يستكمل كل دلالاته، إلا إذا رجّ سماكة الثقافة الفقهية العالمة، وجدد الصلة بالثقافات اللامعيارية والطرفية، ومع اللاشعور الثقافي القديم ومع التاريخ الإبداعي للجماليات الطقوسية المزدهرة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط.
( ويحدث أحيانا في هذه اللقاءات أن يمزق أحد الحاضرين ثيابه تأثرا بما ينشده المنشدون أو بسبب الأفكار الطائشة التي قد تخطر ببال أناس فقدوا كل اتزان. ويقول هؤلاء القوم حينئذ إنهم مكتوون بلهب الحبّ الإلهي، وما أظنّ شخصيا إلا أنهم مكتوون بالإسراف في الطعام، لأن الواحد منهم يأكل ثلاثة أضعاف ما يكفي لشخص واحد : أو أنهم على ما يبدو لي أكثر احتمالا، عندما يطلقون تلك الصرخات المصحوبة بالآهات، إنما يفعلون ذلك من أجل الهوى الذي يكنون لبعض الغلمان المرد. )
( -الحسن بن محمد الوزان الفاسي – وصف إفريقيا –- ج1-ص.269-)
ولا يختلف النظر النقدي للوزان عن تشنيع ابن الجوزي الحنبلي على الصوفية.
( وإنما تفعل هذه الطائفة ما ذكرناه بعد تناول الألوان الطيبة والمآكل الشهية، فإذا استوفت منها نفوسهم طالبتهم بما يتبعها من السماع والرقص والاستمتاع بالنظر إلى وجوه المرد، ولو أنهم تقللوا من الطعام لم يحنوا إلى سماع ونظر.)
( – ابن الجوزي – تلبيس ابليس – تحقيق : محمد عبد القادر الفاضلي- المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – 2006-ص.256)
لا يحضر الصوفي في الاجتماع الشرعي، إلا ليذكر بالجنسانية وبالأخص بالجنسانية المثلية. لا يجدي التشوّف إلى الأعالي، في تصفية الطاقات الليبيدية للمريد وللشيخ معا ؛ كما لا تجدي قرون من الجنسانية الشرعانية في استئصال الجنسانيات اللامعيارية المحظورة. فإقصاء الأنثى من المضمار العبادي، لا يعني إلا الاهتيام بالمثيل جنسيا، والتلذذ بالمثلية الجنسية. إن المكبوت يعود دوما؛ إلا أن عودته تكون قاسية حيث تكون الهمة عالية .ذلك هو درس الفقيه، الموجه إلى الصوفي. أما الصوفي فيرد باستشكال النسق الشرعي، كليا!
( وليس من النادر أن يدعو بعض الأعيان إلى أعراسهم احد الشيوخ البارزين لهؤلاء المتصوفة مع جميع مريديه. فإذا أتوا الوليمة بدؤوا بتلاوة الأذكار وترتيل الأناشيد، وبعد تناول الطعام يأخذ المسنون منهم في تمزيق ثيابهم، وإذا سقط أحدهم أثناء الرقص أوقفه حالا على رجليه أحد الشباب المتصوفين فقبله العجوز في الغالب قبلة شهوانية. ومن ثم جاء المثل السائر على جميع الألسنة بفاس : "مثل مأدبة النساك التي حولتنا من عشرين إلى عشرة" . ومعنى ذلك أنّ كلّ مريد حدث يعرف ما ينتظره ليلا بعد الرقص.)
( -الحسن بن محمد الوزان الفاسي – وصف إفريقيا –- ج1-ص.269-270).
ويقترب نقد الوزان المالكي كثيرا مع نقد ابن الجوزي الحنبلي للصوفية.
( والحديث بإسناد عن الرازي يقول : قال يوسف ين الحسين : كل ما رأيتموني أفعله فافعلوه إلا صحبة الأحداث فإنها أفتن الفتن، ولقد عاهدت ربّي أكثر من مائة مرة أن لا أصحب حدثا ففسخها عليّ حسن الخدود وقوام القدود وغنج العيون، وما سألني الله معهم عن معصية.)
( – ابن الجوزي – تلبيس إبليس – تحقيق : محمد عبد القادر الفاضلي- المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – 2006-ص.261)
تكمن مفارقة التصوف، هنا، وضعيته الملتبسة، ابستيميا وأخلاقيا، وتحركه اللامنظم بين الأنظمة المعرفية، وبين الأنساق المعيارية. فهو لا يثور على سكونية وشكلانية الفكرية الأصولية – الفقهية، إلا ليندمج في فكريات غير توحيدية ومضادة للنسقية الجنسية السامية تدقيقا. فالصوفي إذ يتعالى على الزامات الشريعة، يلامس الوضع الجنسي والأخلاقي السابق للشرائع الكتابية .فالتعالي لا يعني، هنا، سوى استعادة ماكرة لمقدس جنساني قائم على ترتيبات وتراتبيات وعلائق مخالفة للعقل الجنسي السامي.
( ولقد شاهدت بعيني رأسي في ساحة بين القصرين بالقاهرة أحد هؤلاء الأشخاص يستحوذ على امرأة شابة في غاية الجمال كانت قد خرجت من الحمام، فأضجعها في وسط الساحة وواقعها. ولم يكد يقوم عنها حتى أسرع الناس إليها يتمسحون بثيابها وكأنها أداة نسك وعبادة لمّا لامسها رجل صالح، ويسرّ الناس بعضهم إلى بعض بأنّ الصالح إنّما تظاهر بمضاجعتها ولكنه لم يقع شيء من ذلك. ولما بلغ الخبر إلى الزوج اعتبره نعمة عظيمة، وحمد الله على ذلك وأقام وليمة وأفراحا كثيرة على ما أصابه من خير. ولقد همّ القضاة والفقهاء بمعاقبة هذا الدنيء بكلّ الوسائل، لكنّ العامة كادت أن تفتك بهم، لأنه، كما قلت سابقا، يتمتّع كلّ واحد من هؤلاء القوم بإجلال كبير عند الجمهور، وينال منه هبات وهدايا ثمينة جدا.)
( -الحسن بن محمد الوزان الفاسي – وصف إفريقيا –- ج1-ص. -272)
لقد تمكن التصوف من خرق المعايير الفقهية والشرعية، ومن التحلل من تجريدية القداسة السامية ومن طوبوغرافيا المقدس الأرثوذوكسي؛ فلئن حصرت الأرثوذوكسية،جغرافيا المقدس في مشخصات وعلامات وفضاءات محددة، فإن المقدس الصوفي، سيخترق كل السياجات الفقهية الموضوعة وسيتماهى مع الابتكارات العجائبية لتخييل منزاح دوما عن حدود التعقيل والتعليل والتدليل كما هي ممارسة في الحقل المعرفي التراثي.
لا يكتفي الصوفي باختراق النسق المعياري الشرعي، بل يمسه في الصميم، أي في معياريته الجنسانية. والأنكى أنه، يحول الجنس اللامقدس، إلى مصدر للبركة والقداسة والتسامي .لقد تحوّل الجنس اللاشرعي إلى مصدر للقداسة، في المتخيل الجماعي، والى أداة سحرية – دينية لاكتساب البركة والحظوة والنعمة الروحية.لا جدال إذن، في تسرب العقل العرفاني إلى العمق الاجتماعي، وفي قدرته على تفكيك التماسك الظاهري، للنسق الشرعي البياني ومنظومته القانونية والأخلاقية .فللصوفي نصيران في صراعه ضد المؤسسة الفقهية : قوة اللامرئي وكتلة العوام المرئية. فالصوفيّ يحرّر العامّي من تجريدية الإيمان ومن معيارية الشريعة ومنظومة الطقوسيات الإسلامية، فيما يحرّر العامّي الصوفيّ من طهرانية المؤسسة الفقهية وشكلانيتها وصراطيتها. وتتمثل خطورة الصوفي هنا، في قلبه للموازين الأخلاقية وللمواضعات القيمية، وفي استشكاله العملي، للجنسانية الشرعية وللقداسة السامية عموما. ليس المتصوّف خصما عنيدا للفقيه فقط، بل هو حليف، نظري أو عملي، للتراث العقدي – الفلسفي وللبدع والهرطقات العامية. وبعكس الفيلسوف، فهو يملك آليات تحريك المخيال الجماعي وإقناع الكتل الغارقة في اللامعقول السحري – الديني، بالتحرك في الاتجاه المطلوب، معرفيا وأخلاقيا وسياسيا، بدلالة المفاعيل السياسة الخطيرة لعرفانية ومهدوية : المهدي بن تومرت وابن محلي مثلا.
فالصوفي لا يخرق المحرمات الجنسية فقط، بل يتماهى مع الجنسانية المقدسة المعروفة في الشرق الأدنى القديم؛ فحين تخف قبضة الفقه، يعود الجنس المقدس ليتحدى الجنس الشرعي وينزع عنه مبرر الانفراد بالشرعية الاجتماعية.
يحاول الفقيه تفقيه وتسنين التصوف، فيما يتوق المتصوف إلى تجاوز عبادة الرسوم والتكاليف الشرعية ومنهج الشريعة. وإسقاط المحرمات الجنسية الشرعية، جزء من التحلّل من الشريعة ومن الفقه المبنيّ على ثوابتها ومقتضياتها. فعكس الفقيه، يقرّ الصوفي بزمانية الأحكام أي بتاريخية الشريعة، وإمكان نسخ أحكامها. فقيمة الشريعة وسيلية لا كمونية، عرضية لا جوهرية،تعليمية لا عرفانية. أما الفقيه، فلا يرى في تاريخية الطقوسية والشريعة إلا تحلالا منهجيا من مقتضى الدين.
4- التصوف :النفاذية الاجتماعية الشاملة :
وتتجسد خطورة التصوف، في نفاذه إلى مسام الجسد الاجتماعي، وفي قدرته على صياغة الشخصية المغاربية صياغة عرفانية، و إدخال متغير القداسة ضمن خانة الثوابت المرجعية المنظمة للاجتماع.
( يملكون بعض الخيول لأن جبلهم يضم حوله أراضي جيدة، ولا يؤدون كثيرا من الخراج لأن وليا مدفونا في بادس أصله من بلاد بقوية.)
( -الحسن بن محمد الوزان الفاسي – وصف إفريقيا –ج1-ص. -330).
لا جدال إذن، في تماسك البنية القداسية بالمجتمع المغربي الوسيط، وقدرتها على التحكم في عمليات الاجتياف والاستدخال والمثاقفة، والتعامل مع الكليات النظرية والجزئيات العملية للإسلام، على نحو انتقائي يخدم تماسك لحمة البنية القبلية واتساق منظورها الميتافزيقي واتزان مواقعها السياسية و الاقتصادية.
وللتدليل على هذه النفاذية نحيل إلى أخبار وإفادات أوردها الوزان في كتابه .فقد أشار، إلى تنقل الفاسيين إلى تاغية/ تاغيت بعد عيد الفطر لزيارة ضريح المتصوف أبي يعزى. فالحاضرة العربية الإسلامية المعتزة بأرثوذكسيتها وتماهيها مع حقيقة الشريعة وشريعة الحقيقة، تلجأ إلى الفكرية الصوفية اللاارثوذكسية، المخالفة للمعايير الفقهية، خصوصا في أوقات الشدة واختلال المعايير السوسيو- سياسية.
( رأيتها في الوقت الذي تصالح فيه ملك فاس مع ابن عمه وذهبا معا إلى تاغية لأداء القسم على ضريح أحد صلحائهم المدعو مولاي بوعزة، وذلك عام 920.)
( -الحسن بن محمد الوزان الفاسي – وصف إفريقيا –- ج1-ص.204-)
لا يكفي المقدس الأرثوذكسي لإدارة الاختلاف والصراع بين الفرقاء السياسيين، بل لا بد من تدخل المقدس العرفاني- السحري، لضمان سريان التعاقد بينهم. لقد اقتضت تحولات التروحن المغاربي، ركون السلطة الفقهية – السياسية، إلى الاستعانة بكاريزما التصوف وبرهبة المقدس الطرقي، لضمان سريان التعاقد. فالقوة السحرية للكاريزما، هي الوحيدة القادرة على حمل الفرقاء السياسيين، على مراعاة التزاماتهم، رغم التزامهم المبدئي بالصراطية الفقهية.
إن اجتماعا لا يحتكم لا إلى السياسة الشرعية ولا إلى السياسة العقلية، منذور للإحتكام إلى رهاب المقدس. يصير الخواف والرهاب، وسائل رمزية لإضفاء بعض الانتظام على حياة مفتقرة إلى الإرادة الرادعة .ففي غياب الردع الفقهي المستبطن، تلتمس الجماعة معاييرها في القوى السحرية – الدينية المبثوثة في كثير من الظواهر الكونية.
( يترك أعراب تامسنا أدواتهم الفلاحية بالقرب من هذه الصومعة عندما ينتهون من حرثهم، ويقولون إن وليا دفن هناك، فلا يأخذ أحد أدوات غيره خوفا من نقمة هذا الولي.)
( -الحسن بن محمد الوزان الفاسي – وصف إفريقيا –1983- ج1-ص.199-)
لا يختلف سلوك أعراب تامسنا في هذا السياق؛ فالمقدس هو القوة الزاجرة في مجتمع متعدد الانتماءات الاثنية والثقافية، متكاثر المشاريع العرفانية البديلة، ومتصارع المرجعيات والأنظمة المعيارية. فالاحتكام إلى القوة الرادعة للمقدس،يدل على هشاشة الهيكل الاجتماعي وغياب القيم المدنية الضامنة للتعايش السلمي، والتساند الوظيفي. كما أن الافتتان بغرائبيته وعجائبيته،يفصح عن مشترك ثقافي، تصير فيه ثنائية (الخاصة والعامة) شكلية، في غياب أية نفاذية عقلية أو نقدية لدى الخاصة.
( ويشترك جميع أهل تونس في اعتقاد ساذج يرى أن كل من يرمي بالحجر هو من الصالحين. وفي أثناء إقامتي بتونس أمر الملك ببناء زاوية جميلة جدا لأحد هؤلاء المجاذيب المسمّى سيدي الداهي. وكان هذا الرجل يمشي في الأزقة مرتديا كيسا، عاري الرأس، حافي القدمين، يضرب بالحجر ويصيح كالمسعور، فأجرى عليه الملك إيرادا حسنا يعيش يه هو وعائلته.)
( -الحسن بن محمد الوزان الفاسي – وصف إفريقيا –ج2-ص. -76-77)
تحتكم الجماعة إلى الصوفي، حيا، لتجديد انطولوجيا الحياة، وإعادة ترتيب الوسائل الوجودية، وإزالة حالات الاحتقان، كما تحتكم إلى هيبته، ميتا، لضمان سريان النظام أو بعضه، في أحياز مجتمعية، لم تمتلك بعد آليات السياسة العقلية.
يقول محمد القبلي عن سلطة الصوفي ما يلي :
( ونظرا لاندماج الولي هيكيليا في الواقع القبلي الإقليمي لمجتمعه الخاص، فالراجح أن سلوكه المميز قد أدى به إلى تجسيد نموذج " الحكم – البديل " ضمن مناخ يغلب عليه افتقاد الحكم سواء بالنسبة للخصومات المجتمعية العادية أو بالقياس للنزاعات الجماعية الشاذة كما لاحظ العبدري ببلاد القبلة. )
(-محمد القبلي- الدولة والولاية والمجال في المغرب الوسيط – علائق وتفاعل – دار توبقال للنشر –الدار البيضاء- المغرب الطبعة الأولى – 1997-ص.64)
