نهاية الاغتباط بمن أفتى بحِرْمة الاختلاط
تداول علماءُ الحديث مصطلحا يُعْنى بأحوال الرواة توثيقا وتعديلا وتضعيفا وتجريحا هو معرفة المختلطين من رواة الحديث. ويقسَّّم المختلطون إلى صنفيْن. صنف خلط لاختلاطه وخرفه، وصنف خلط لذهاب بصره أو لغير ذلك. والحكم فيهم أنْ يُقبل حديثُ من أُخِذ عنهم قبل الاختلاط ولا يقبَل حديثُ من أخذ عنهم بعد الاختلاط أو أشكل أمرُه فلم يُدْر هل أُخذ عنه قبل الاختلاط أم بعده. وعلى أنّ الشيخيْن البخاريّ ومسلمًا قد رويا لكثير ممّن نُسبوا إلى الاختلاط من الثقات في ” الصحيحيْن ” على ما كان من مرويّاتهم قبل التغيّر والاختلاط، فما يمكن أنْ يقال، اليوم، عن أمّة تغيّرت بأخرة فهرمتْ وأدركها الاختلاط ليُفتيَ ” فقهاؤها ” بحرمة الاختلاط. الاختلاط الأوّل هو المصطلح الحديثيّ، أمّا الاختلاط الثاني فهو ما تعتبره الفتوى اللاحق ذكرها ” بلوى ” عمّت خصوصاً في البلدان التي لا تلتزم التزاماً كبيراً بالدين..”
فهل من مَشَابه يطرحها المعجمُ بيْن أنْ يذهب عقل المرء ويدركه الخرف فيختلط وبين أنْ يذهب الحدّ والتمييز بيْن الجنسيْن ليختلط الذكر بالأنثى؟
فهل من مَشَابه يطرحها المعجمُ بيْن أنْ يذهب عقل المرء ويدركه الخرف فيختلط وبين أنْ يذهب الحدّ والتمييز بيْن الجنسيْن ليختلط الذكر بالأنثى؟
مهندسٌ تونسيّ يستفتي عن الاختلاط:
في سابقة مفاجئة، وبعد ما يقرب من عقديْن من ” سياسة تجفيف المنابع ” تجرّأ مهندسٌ معماريّ تونسيّ تخرّج لتوّه من معهد عال للدراسات المعماريّة والفنون الجميلة على البوح بحيرته التي لازمته طيلة خمس سنوات وهي مدّة الدراسة فبعث إلى إحدى شبكات الفتيا الإلكترونية المعروفة يستفتي القائمين عليها في أمر حيّر باله ونفى عن عينيْه الكرى. حملت الفتوى قم 104275 في شبكة ” إسلام واب ” عنوانا شافيًا كافيًا ” حكم الإشراف على بناء معهد ثانويّ مختلط ” السؤال التالي:
” أنا طالبٌ أدرس بالسنة النهائيّة هندسة معماريّة. وللتحصّل على الشهادة النهائيّة تطلب منّا إدارة الجامعة القيام بتربّص إجباريّ مدّته ثمانية أشهر بأحد المكاتب الهندسية أو بأحد شركات المقاولات… توكّلت على الله وبدأت بالبحث عن مكان أقوم فيه بهذا التربّص… المشكلة أن أغلب المكاتب والمقاولات في بلدنا ( يقصد تونس ) لا تراعي الحلال والحرام في ما تقوم به من عمل فالمهندسون فيها يقومون ببناء البنوك الربويّة والنزل التي تقدّم الخمور وقاعات السينما وقاعات الرقص… إلخ. رفضت العمل بهذه المشاريع وواصلت البحث… منذ أسبوعين، وجدت تربّصا بشركة مقاولات وقد أسندت إليّ مهمّة مراقبة وتنفيذ مشروع بناء معهد ثانويّ بمنطقة ريفيّة بتونس وقد قبلت الإشراف على الموقع الإنشائي لهذا المعهد… أخبرت أحد أصدقائي الملتزمين (؟؟) بما أعمل فأجابني بأنّ الأمر قد يكون فيه شبهة، وذلك لأنّ أغلب المعاهد الثانويّة في تونس مختلطة… فهل أواصل القيام بالتربّص في هذا الموقع خاصّة وأنّ الأصل في بناء المعاهد هو الحلّ لأنّها ترفع الجهل عن المسلمين ولحاجتي الماسّة للقيام بهذا التربّص. فهل أأثم بالإشراف على هذا المعهد وأتحمّل أوزار الاختلاط بين التلاميذ والتلميذات رغم أنّي لست من يقوم بتعيين التلاميذ وإنّما أكتفي بالمساعدة في بناء المبنى.. فهل أنا أتكلّف ما لا طاقة لي به؟ “
على أنّ ما أثلج صدري، وأنا اقرأ بحزن رسالة المستفتي، هو ردّ المفتي الذي جاء ليظهر الحقّ على الباطل كلّه وإنْ كان ذلك برخصة الضرورات تبيح المحظورات. تقول خلاصة الفتوى الصادرة عن الشبكة في ردّ بعنوان: المعاهد تبنى للدراسة، وليست للاختلاط وبالتالي فلا حرج في مراقبة وتنفيذ المشروع المذكور، وبعد ديباجة تحضّ على اتّباع الهدى وترك الشبهات وتدعو إلى التعاون على البرّ والتقوى لا على الإثم والعدوان: “..الأصل في المعاهد – كما ذكرت أنت- هو الحلّ، وأنّها تراد لإزاحة الجهل عن المسلمين… وليس الاختلاط هدفاً من أهدافها، وإنّما هو أمر عمّت البلوى به فيها، ولو كان وجود الاختلاط في المعاهد يحرّم بناءها، لوجب القول بتحريم الهندسة العصريّة من أصلها، لأنّه لا تكاد تخلو مؤسّسة من الاختلاط، خصوصاً في البلدان التي لا تلتزم التزاماً كبيراً بالدين. وعليه فلا نرى عليك حرجاً في ممارسة مراقبة وتنفيذ مشروع بناء المعهد المذكور. واللّه أعلم.”
في سابقة مفاجئة، وبعد ما يقرب من عقديْن من ” سياسة تجفيف المنابع ” تجرّأ مهندسٌ معماريّ تونسيّ تخرّج لتوّه من معهد عال للدراسات المعماريّة والفنون الجميلة على البوح بحيرته التي لازمته طيلة خمس سنوات وهي مدّة الدراسة فبعث إلى إحدى شبكات الفتيا الإلكترونية المعروفة يستفتي القائمين عليها في أمر حيّر باله ونفى عن عينيْه الكرى. حملت الفتوى قم 104275 في شبكة ” إسلام واب ” عنوانا شافيًا كافيًا ” حكم الإشراف على بناء معهد ثانويّ مختلط ” السؤال التالي:
” أنا طالبٌ أدرس بالسنة النهائيّة هندسة معماريّة. وللتحصّل على الشهادة النهائيّة تطلب منّا إدارة الجامعة القيام بتربّص إجباريّ مدّته ثمانية أشهر بأحد المكاتب الهندسية أو بأحد شركات المقاولات… توكّلت على الله وبدأت بالبحث عن مكان أقوم فيه بهذا التربّص… المشكلة أن أغلب المكاتب والمقاولات في بلدنا ( يقصد تونس ) لا تراعي الحلال والحرام في ما تقوم به من عمل فالمهندسون فيها يقومون ببناء البنوك الربويّة والنزل التي تقدّم الخمور وقاعات السينما وقاعات الرقص… إلخ. رفضت العمل بهذه المشاريع وواصلت البحث… منذ أسبوعين، وجدت تربّصا بشركة مقاولات وقد أسندت إليّ مهمّة مراقبة وتنفيذ مشروع بناء معهد ثانويّ بمنطقة ريفيّة بتونس وقد قبلت الإشراف على الموقع الإنشائي لهذا المعهد… أخبرت أحد أصدقائي الملتزمين (؟؟) بما أعمل فأجابني بأنّ الأمر قد يكون فيه شبهة، وذلك لأنّ أغلب المعاهد الثانويّة في تونس مختلطة… فهل أواصل القيام بالتربّص في هذا الموقع خاصّة وأنّ الأصل في بناء المعاهد هو الحلّ لأنّها ترفع الجهل عن المسلمين ولحاجتي الماسّة للقيام بهذا التربّص. فهل أأثم بالإشراف على هذا المعهد وأتحمّل أوزار الاختلاط بين التلاميذ والتلميذات رغم أنّي لست من يقوم بتعيين التلاميذ وإنّما أكتفي بالمساعدة في بناء المبنى.. فهل أنا أتكلّف ما لا طاقة لي به؟ “
على أنّ ما أثلج صدري، وأنا اقرأ بحزن رسالة المستفتي، هو ردّ المفتي الذي جاء ليظهر الحقّ على الباطل كلّه وإنْ كان ذلك برخصة الضرورات تبيح المحظورات. تقول خلاصة الفتوى الصادرة عن الشبكة في ردّ بعنوان: المعاهد تبنى للدراسة، وليست للاختلاط وبالتالي فلا حرج في مراقبة وتنفيذ المشروع المذكور، وبعد ديباجة تحضّ على اتّباع الهدى وترك الشبهات وتدعو إلى التعاون على البرّ والتقوى لا على الإثم والعدوان: “..الأصل في المعاهد – كما ذكرت أنت- هو الحلّ، وأنّها تراد لإزاحة الجهل عن المسلمين… وليس الاختلاط هدفاً من أهدافها، وإنّما هو أمر عمّت البلوى به فيها، ولو كان وجود الاختلاط في المعاهد يحرّم بناءها، لوجب القول بتحريم الهندسة العصريّة من أصلها، لأنّه لا تكاد تخلو مؤسّسة من الاختلاط، خصوصاً في البلدان التي لا تلتزم التزاماً كبيراً بالدين. وعليه فلا نرى عليك حرجاً في ممارسة مراقبة وتنفيذ مشروع بناء المعهد المذكور. واللّه أعلم.”
أعادتني حيرة السائل وحسم المجيب إلى رسالة الأديب الحلبيّ عليّ بن منصور المعروف بابن القارح إلى رهين المحبسيْن أبي العلاء المعرّي يعلن توبته وإزراءه بالزنادقة، فأردتُ ملاطفتهما على نهج صاحب ” رسالة الغفران “. فلعلّ ما سكت عنه المستفتي والمفتي هو الضلال الذي كان عليه هذا المهندس طيلة سنوات خمس قضاها في الدار الخادعة، وهو يخالط طالبات معاهد الفنون الجميلة وأكثرهنّ، في الغالب، من الجميلات الفاتنات، والأكيد أنّه، إلى مخالطة ذوي الشبهة من فنّانين تشكيلييّن ومعمارييّن ومن لاط بهم من غواةٍ ومريدين، كان يجالسهنّ ويفاكههنّ بل ويُقَدَّر له – إنْ شاء له ربّه- أن يختلي بحوريّتيْن منهنّ فإذا بهره ما يراه من الجمال تمثّل بقول الكنديّ ( امرئ القيس ):
كدأبكَ من أمّ الحويرث قبلها *** وجارتها أمّ الرباب بمأسلِ
إذا قامتا تضوّع المسك منهما *** نسيم الصبا جاءت بريّا القرنفل
ولعلّه أنْ يقبل على كلّ واحدة منهما يترشّف رضابها متمثّلا بما شاء من منظوم في النشر والطيب والمسك ومنثور. وأين صاحبتا الضلّيل من صاحبتيْه لا كرامة لهما ولا نُعْمة عين؟ وأين رضابهما من ريق حبيبة المجنون التي قال فيها:
باتت رَقودًا وسار الركبُ مدّلجًا *** وما الأوانسُ في فكرٍ لِسَارينا
كأنّ ريقتَها مسكٌ على ضرَبٍ *** شِيبتْ بأصْهَبَ من بَيْع الشآمينا
كدأبكَ من أمّ الحويرث قبلها *** وجارتها أمّ الرباب بمأسلِ
إذا قامتا تضوّع المسك منهما *** نسيم الصبا جاءت بريّا القرنفل
ولعلّه أنْ يقبل على كلّ واحدة منهما يترشّف رضابها متمثّلا بما شاء من منظوم في النشر والطيب والمسك ومنثور. وأين صاحبتا الضلّيل من صاحبتيْه لا كرامة لهما ولا نُعْمة عين؟ وأين رضابهما من ريق حبيبة المجنون التي قال فيها:
باتت رَقودًا وسار الركبُ مدّلجًا *** وما الأوانسُ في فكرٍ لِسَارينا
كأنّ ريقتَها مسكٌ على ضرَبٍ *** شِيبتْ بأصْهَبَ من بَيْع الشآمينا
يــا ربِّ لا تسلُبَنّي أبــــــــــدًا *** ويرحـم اللّه عبـدا قـــــال: آمينَا
فإذا تذكّر – أذكره اللّه بالصالحات – ما كان يلحق أخا الندام من فتور في الجسد من رُضابٍ أحلى من المُدام خال في العظام دبيب نمل، فيتّكئ على مفرش من السندس ويأمر الحورَ العين أنْ يحملن ذلك المفرش فيضعنه على سرير من سرر أهل الجنّة..ولا يزال كذلك أبدا سرمدا ناعمًا في الوقت المتطاول منعَّمًا..
أتُرى البلوى التي عمّت في اختلاط الأمّة أم في اختلاط ” علماء الأمّة “؟
أتُرى البلوى التي عمّت في اختلاط الأمّة أم في اختلاط ” علماء الأمّة “؟
