«هواء فاتر.. ثقيل» لـ: عمر قدّور- روايةُ الذواتِ المهدورة



  

دون مقدّمة أو تنبيه، وبجمل خبريّة يدخلنا عمر قدّور إلى عالمه الروائيّ في روايته الجديدة «هواء فاتر.. ثقيل»، «الصادرة عن دار الينابيع ط1/ 2008، تقع في 174 صفحة من القطع الوسط». يمنح مقاليد الحكم والفصل في روايته لبطلته التي تنقسم على نفسها، تتمرّد، تتنمّر، تتجزّأ، تثور، تبكي، تخون، ثمّ لتبدأ سرد روايتها التي تنتوي كتابتها، تلك التي تتّخذ الدور الرئيس، الراوية والرواية معاً، تسرد حقائق لا تقبل جدالاً حولها.. وذلك عندما تبدأ بالإخبار عن مولودها الذي أسمته «نرسيس»، ليختصر الأنانيّة كلّها في اسمه، ويكون نموذجاً متنقّلاً للنرجسيّة، «اسماً على مسمَّى، فلا يحبّ شيئاً بقدر ما يحبّ نفسه»، حيث لم تجدِ التضحيات الكبيرة والكثيرة في سبيل القضايا، مهما عظمت تلك القضايا أو بلغت من النبل.. وهي لا تعرف له أباً، أو لا تريد أن تعرف، ذلك لأنّها تخمّن له أباً من بين ثلاثة رجال ضاجعتهم في فترة إخصابها.. وهكذا تبدأ بسرد تاريخها الشخصيّ الذي يتقاطع مع تاريخ الوطن برمّته، فالأب المتوَّه كأنّه يرمز إلى فقدان الثقة بأب يكون أهلاً للمسؤوليّة، جديراً بحمل أعباء الأبوّة، قادراً على صون بيته وأبنائه، وما تتويهه الأب إلاّ رغبة في تثوير رغبة البحث عنه عند اليتامى الذين اعتكفوا عن كلّ بحث، واستكانوا لكلّ مَن استحلّ البيت والزوجة.. وهو في ذلك يذكّر في بعضٍ ممّا يقوله، برواية «أطفال منتصف الليل» لسلمان رشدي، الذي يثير اسمه العنوان العريض للتكفير في العالم الإسلاميّ الذي لم يقرأه، ولم يتعرّف عليه، إنّما انقاد لفتاوى تكفّره وتهدر دمه، ويأتي التقاطع تحديداً في فكرة إضاعة الأب، أو الحيرة بين إثبات الأبوّة والبنوّة، حيث يكون زعماء تلك البلاد بمعظمهم أولاداً غير شرعيّين يغتصبون سلطة شرعيّة بغير شرع أو شريعة.. بينما الطفل عند قدّور يكون ابن أمّه، يتيماً على عكس المتعارَف عليه، رغم وجود احتمال بنوّته لثلاثة رجال، كأنّ كثرة الآباء كعدمهم.. ويتبدّى يتمه في النهاية عندما يفقد آباءه؛ المعلن عنهم والمُضمَرين، ويبقى في حمى خالته التي تتكفّل به..

   يستطيع الولوج إلى عالم النثى ليستنطقها، أو لينطق بلسانها، ويبوح بهواجسها.. تبدأ البطلة بتدوين يوميّاتها، التي تخطّط لنشرها في رواية، ولا تتورّع عن الإدلاء بأيّ رأي مهما كان مؤلماً أو خارجاً عن المألوف، أي أنّ حديث أو كلام البواطن يكون معمّماً، فالسرّيّة المفترضة في البوح بمثل تلكم الهواجس تُلتغى إذ تؤمّم، ويحلّ التصريح والإفصاح محلّ التكتّم والإضمار، مثال ذلك ما تقوله عن أمّها: «فيما مضى كنت أخجل من مصارحة نفسي بهذه الأفكار، في النهاية تغلّبتْ عليّ؛ أنا لا أحبّ أمّي، بل أكرهها أحياناً، أكرهها لأنّها أمّي أيضاً». ص101. كما أنّه لا يعود يهمّها الآخرون الذين لا يكون لهم همّ سوى التمثيل والتراضي والإرضاء، لأنّها تملّ من كلّ تلك الأكاذيب وتقرّر ممارسة حرّيّتها في عالم يحرمها من كلّ شيء، تحت ادّعاءات حمايتها، لتنتقل من دور الضحيّة إلى دور الجلاّد، فتهجر زوجها، وتعاشر آخرين، تصول وتجول من دون قيود، تخيف في سلوكها المجنون.. تقدّم نماذج مختلفة متباعدة من خلالها، كأنّ هناك قريناتٍ لها قريباتٍ منها كلّ القرب، عائشات داخلها، أو كأنّها تختصر كلّ تلك النماذج المتعارضة في سلوكها..

   كما أنّ هنالك شخصيّة عماد؛ المعتقل السابق، والقتيل اللاحق، عيّنة من المساجين الذين قضوا تحت التعذيب، إذ يقدّم الكاتب مأساته من دون أن يتطرّق إلى الأساليب القديمة في التعذيب، بل عرض تداعيات السجن عليه، وخطأه فيما بعد عند استبشاره الخير، ومحاولته التغلّب على الماضي برسم خريطة عمل للمستقبل، بل صوّر لكيفيّة قتله، وتمثيل البراءة من دمه، وهي طريقة مخابراتيّة مستحدثة.. تودي بالسجين من دون أمر مباشر بالتنفيذ، بل تلقي به بين أنياب وحوش بشريّة تفتقر إلى أبسط مقوّم من مقوّمات الإنسانيّة..

     عهد التحوّلات:

   تقدّم الرواية عدداً من التحوّلات التي تصيب الدولة بمؤسّساتها، ثمّ الشخصيّات التي تتأثّر بتلك التحوّلات، حيث تتعاظم المخاضات لكنّها لا تنجب جديداً ولا تنتج إلاّ نفسها، تختلف الوجوه وتبقى الأفكار نفسها.. أمّا على صعيد الشخصيّات، يتحوّل قيس، الذي كان العاشق الثائر المتمرّد المجنون، من الزوج الذي كان وفيّاً مبدئيّاً إلى انتهازيّ يقتات على فتات موائد أبناء المتنفّذين الذين يتحكّمون بالبلد، كأنّه في تسميته تلك الشخصيّة بـ: قيس، يودّ أن يقول إنّ قيساً، ذلك العاشق الذي قرأنا عنه وتعرّفنا عليه عذريّاً متفانياً في حبّه، قد غدا انتهازيّاً خائناً لكلّ مزاعمه، اختلفت الطباع باختلاف الظروف.. ثمّ هناك رنا، التي تتحوّل من زوجة مُحبّة إلى خائنة فاركٍ، تطلب الطلاق من قيس:ها، ولا تأبه لتوسّلاته واستجداءاته الرجوع عن قرارها.. ثمّ تتحوّل إلى كاتبة وأمّ في وقت متزامنٍ واحد.. كأنّها تنجب ابنها وروايتها في الوقت نفسه، كأنّ روايتها مولودها، أو العكس بالعكس.. هناك أيضاً ميسون التي تنتقل من مرحلة المياعة والركض اللاهث وراء الموضة والصَرعات إلى ستّ بيت ملتزمة.. كأنّ واقع الرواية قد آل على نفسه تحويل الشخصيّات إلى نقائضها، طارحاً مقولات التغيير السلبيّ، أو التقهقر الدؤوب..

    معالجة الجنس في الرواية:

   تتطرّق مقاطع متنوّعة في الرواية إلى الجنس، تطرحه بشتّى حالاته، ومختلف صنوفه، فقد يكون وسيلة للحبّ، روتيناً قاتلاً مملاً، بين الزوجين «قيس ورنا»، أو اكتشافاً لا ينتهي، اشتراكاً أو انفراداً، كما قد يقدَّم كتيمة علاجيّة يستشفى بها من الأمراض الأخرى التي تصيب المجتمع بعدواها.. وقد يقدّم بطريقة انتقاميّة، كمشهد تصوير البطلة في الميكرو وهي تُنتهك من قبل حبيبها، على مرأى ومسمع من الجميع الذين يكتفون بالتفرّج، وذاك المشهد يكون بالموازاة أو التشابه مع مشهد اقتياد عماد إلى السجن من قبل عصبة من المارقين الخارجين على القانون، على مرأى ومسمع من الجيران الذي يغضّون أبصارهم عن المشهد الذي يستعيذون بشبيه له.. كلاهما إدانة للمجتمع، وكلّ واحد من سمت مغاير.. فهنا الجسد ينتهك وهناك ينتهك ولا فرق بين الانتهاكَين.. كلاهما سافر ومخزٍ.. ولا يخفى أنّ الكاتب قد تمتّع بالجرأة التي قد تُحسَب عليه عندما تُقرأ روايته من قرّاء معيّنين، لأنّه صرخ صراخ المتألّم المعاني، فجاءت صرخته مدوّية، وذرّ على الجرح الملح كي يعالجه، وكي يثير في المرضى رغبة الاستشفاء من كثير من الأمراض المستفحلة، منبّهاً إلى أنّ هناك الكثيرَ من الأمور التي يخجل المرء منها، ولن يكون الجنس أوّلها..

    التنويع في الأسلوب:

   نوّع قدّور في أسلوبه الروائيّ، فاستخدم التذكّر والاسترجاع والحوار، كما استخدم طريقة كتابة اليوميّات، واعتمد أسلوب المراسلة أيضاً، غير متهرّب أو متهيّب من تسمية الأشياء بمسمّياتها.. كما أنّه نوّع حتّى في الخطّ الذي اعتمده في طباعة روايته، إذ جاء القسم الأخير من الرواية، من الصفحة 157 وما بعدها، بخطّ مختلف، (من المهنّد إلى أخبار)، كأنّه بذلك التنويع ينقل القارئ من عالم الرواية المتخيَّل إلى العالم الواقعيّ، ولاسيّما عندما تكون الرسالة موجّهة من قبل رنا، مقدّمة من خلالها توصياتها ومقترحاتها لكتابة الرواية، من خلال اتّخاذ يوميّاتها ومذكّراتها التي دوّنتها خلال بضع سنوات، لتعبّر عن مرحلتها التي عاشتها وعايشتها.. تنتقل من تجربتها في عدم تقليد الكاتبات اللائي يلذن بالجنس والفضائح ليقدّمن أنفسهنّ على أنّهنّ جريئات مجدّدات، من دون أن تطمع في منعٍ لكتابها لئلاّ يُتّخذ المنع وسيلة للإشهار أو التشهير بالكتاب، ثمّ تتمّم أو تكمل الجرأة الناقصة عندما تصرخ صرختها التي لابدّ أن تكون مسموعة لأنّها صادرة عن مسحوقة لم تفلح في لعب دور الساحقة.. وذلك عندما تكتب في بداية الفصل الرابع عشر: «أحتاج إلى رجل.. لماذا لا أستطيع قولها بصوتٍ عالٍ؟! لماذا لم تستطع النساء اللواتي كتبت عنهنّ أن يجهرن بها هكذا، على الرغم من الجرأة التي حاولت زرعها فيهنّ؟». ص147. كما أنّ هناك نوعاً من التناصّ مع الكاتبة جمانة حدّاد في قصيدتها «عودة ليليت»/ وذلك عندما تكتب: «ليلى.. ليليت.. الربّة الأولى، الأنثى الأولى قبل حواء.. التي لم ترضخ لآدم، تعود للظهور في زمن الحاكم، تغويه بجسدها، بفتنتها تحوّله إلى إله فيتوجّب قتلها…. ليليت لا تموت..». ص130.

   في القسم الأخير من الرواية، والذي ميّزه الكاتب عن سابقه، حيث يكون الكلام مباشراً، على عكس الرواية في كثير من مفاصلها، يتولّد اعتقاد، أقول إنّه تولّد عندي اعتقاد، لو أنّ الكاتب لم يكتب الرسالة الأخيرة، أو اختصرها، لأدّت الرواية المفعول نفسه، وأبلغت الرسالة المطلوبة نفسها.. ولكن للكاتب نظرته، فيما أورده، وله الحقّ كلّه، وأنا أحترم رأيه وحقّه..

    رواية الخيبات والهزائم:

   «هواء فاتر.. ثقيل» تعرض الخيبات والانكسارات والهزائم، يكون الفرد الضائع مثال المحيطين به، يصوّر كاتبها التحوّلات التي أصابت المجتمع السوريّ في السنوات الثماني الأخيرة، أو الأولى من الألفيّة الثالثة، معتمداً بشكل رئيسيّ على التركيز على تقديم النموذج من دمشق العاصمة، مع بعض التذكير بأجواء حمص ومصياف، حيث يكون أهل البطلة «رنا» التي تختصر المتناقضات كلّها، تعشق وتكره، تبني عشّ الأمومة وتهدم عشّ الزوجيّة، تكتب رواية، ثمّ تحذف مسوّدات غيرها.. تسلّم نفسها وجسدها لمن تخطّط في قرارة نفسها أنّها لن ترحمه.. وهكذا تسير الرواية، تتصاعد الأحداث، تتتالى الخيبات. تعرض انتقال السلطة والتحكّم بالقانون وتجييره لخدمة الأفراد، فيكون الدستور تابعاً لمن هم فوقه، فلا يعود للشعب رأي ولا لمجلسه الصوريّ قرار، حيث يسعد البعض ويشقى آخرون.. ولا تنفع بعض الديَم المبشّرة بالخير، لأنّ العودة إلى القبض على خيوط اللعبة من قبل السلطة لا تتأخّر، ويستذكر المرء بيتاً للمتنبّي يقول فيه: إذا رأيت نيوب الليث بارزة/ فلا تظنّنّ أنّ الليث يبتسم.. يَفْتر الهواء الذي تتلوّث به الأجواء وتلتاث به الشخصيّات، وتشتدّ الأعاصير، يثقل الكواهل باحتوائه على ذرّات تعمي البصائر، وتغشي الأبصار.. فلا يعود أحد، من تلك الشخصيّات التي يطالها التحديث والتطوير، يأبه لماضيه الذي كان يتباهى به، حيث كان يتحدّى الظلم ويتصدّى لتلك الفئة المستغلّة القاهرة الساحقة، لينضوي تحت إمرة ابن أحد الضبّاط، ليكون واجهة له لتبييض أمواله التي يحاول أن يجد لها متنفّساً ليغسلها ويغسل معها وبها عقول الناس، أي يطوّر من آليات القهر، ويحدّث من وسائل الابتزاز، فيتبع وسائل عصريّة مختلفة عن وسائل أبيه الحجريّة..      

   أقلّ ما قد يقال في رواية «هواء فاتر.. ثقيل» لـ: عمر قدّور، إنّها جريئة في لعبتها الروائيّة، وأكثر جرأة في طرح موضوعاتها.. يسعى كاتبها إلى تجديد الأجواء وتنقية الهواء، لجعله منعشاً خفيفاً.. وهذا ما يحتاج إلى تآزر الجميع..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This