هوس الأنفس المريضة بالأجسام والأشكال
أثار “علي بقنه” وهو رجل سعودي ملتحٍ ويقدم نفسه على أنه “يكشف الخداع”، جدلاً واسعًا بين السعوديين إثر نشره سلسلة ما أسماها “كشف الخداع” عبر اليوتيوب. ويتضح من الفيديو الذي يتم تداوله الآن على نطاق واسع بين السعوديين أن عددًا من المباني والمنشآت في الخليج تخفي معاني غير ملحوظة. فقد قال عن مطار الملك عبد العزيز إنه يمثل امرأة مستلقية وأن برج المراقبة هو العضو الذكري. ووضع “بقنه” في الفيديو الذي يظهر من تسجيله أنه أعدّ بعناية فائقة رسوما توضيحية بأنّ اللّونين الأزرق والأحمر اللذين وضعا في المطار يمثلان المرأة والرجل، على الرغم من أن الرسم التوضيحي لا يوجد فيه لون أحمر وإنما برتقالي. وأوضح أن الغرب بمثل هذه التصاميم ينطلق من وثنيات ومن شهوات مما يسمونه تحرير المرأة حتى تصبح متمردة متسائلا “هل يتحقق حلمهم في بناء آلهتهم في جزيرة الإسلام؟”.
وبيّن “بقنه” أن كل من سيأتي إلى “هذه البلاد” للحج أو العمرة سيصدم بهذا الشكل، وخلص رجل الدين إلى أن هذا التصميم يمثل تقديسًا للخصوبة والسحر والجنس كما هي الوثنية، وأكد “إننا غفلنا عن شيء واضح، إلا أننا ننطلق من التوحيد ومن رؤية فطرية ولا تنظر إلى الشعوذة ولكن من نظر إلى الغرب عرف كيف يفكر الغرب وعرف مكر الكفار، وهذا الذي ذكر الله عنه (ولا يزالون يقاتلونكم) يقاتلون بالسلاح وباللسان وبالفكر وبكل شيء”، وردّد “قاتلهم الله أنى يؤفكون”.
تناقلت هذا الخبر الكثير من الصفحات والمنتديات والمواقع الاجتماعية على شبكة الأنترنات، ومع أنّ تهويمات السلفيين المتشدّدين باتت من قبيل الطرائف التي تروى للضحك والسخرية الممزوجة بالأسف من قبيل إرضاع الكبير والزميل و”مفاخذة” الرضيعة وغير ذلك إلا أن هذا الاكتشاف الجديد لهذا الرّجل “الحريص” يمثّل حالة أخرى من حالات الهوس المرضي بالجنس لدى طائفة من المتدّينين السلفيين. ينبغي التأكيد على أنّها فئة معيّنة من الموغلين في التشدّد، ممّن يرسلون اللّعنات يمينا ويسارا عند رؤية امرأة مكشوفة الرأس أو تصيبهم حالات من الهلع والإغماء عندما يختلطون بنساء غير محجّبات.
هذه الفئة الشديدة الانغلاق تحكم على نفسها وذويها ممّن لها عليهم سيطرة بنمط خاص من الحياة اليومية أقرب إلى الانكفاء والعزلة، لا يشاركهم فيه سوى من هم على مذهبهم. بل إنك ترى أحيانا أنّهم يبالغون في التشدّد إلى درجة إرغام فتيات من بناتهم لم يتجاوزن عمر الطفولة على وضع حجاب، ممّا يغذّي لدى الطفلة الصغيرة شعورا مريرا ومؤذيا لبراءتها بأن جسدها يمثّل خطرا على وجودها.
في إحدى المناسبات وكنّا نتجادل حول الحجاب أصرّ صديق على سؤال اعتبره ذكيا ومفحما بالقول: ما المشكلة في شعر المرأة حتّى تخفيه عن عيون الناس؟. وأمام إلحاحه اللّجوج أشارت له إحدى النساء الحاضرات في المجلس بشكل لمّاح إلى أن الأمر له علاقة بما يثيره الشبه بين شعر الرأس وشعر العانة من إيحاء وإثارة. لم أخف دهشتي شخصيا وتساءلت فورا. أي ذهن مريض فكّر في هذا الشبه؟ ألم يجد صورا واستعارات أخرى أكثر غنى للخيال والعقل والرّوح لشعر المرأة؟ ألم يقرأ ديوان الشعر العربي القديم والحديث ليمتع خياله بصور الشعراء في هذا الباب؟
في مناسبة أخرى لاحظ صديق باستغراب أنّ رجلا كان يقوم بقص موزة إلى أجزاء صغيرة، فتقوم المرأة المنقبة المحاذية له برفع برقعها لتأكل بحرص أن لا يظهر منها شيء. اختلفنا في تفسير هذا السلوك. فقد يكون مجرّد تقليد أو طريقة خاصة في الأكل ولكنّنا لم نستطع استبعاد فرضية أنّ الرّجل ربما يرى في الموز ما يذكر بالعضو الذكري بل لعلّ هوسه يجعله يرى في كلّ الثمار والخضر والأجسام والألعاب التي لها شكل عمودي ما يذكّر بالعضو الذكري وتلك مشكلة لا خلاص له منها. مادام من هذا الرهط الذي نتحدّث عنه.
يحضر الهوس بالأشكال والأجسام في ممارسات المتدّينين المتشدّدين بصيغ مختلفة فعدد منهم يسعى ما أمكن لهم ذلك أن يثبتوا من خلاله عددا من الحقائق من قبيل أن خطوط ثمرة ما اتخذت كلمة محمّد أو أن السحاب شكّل شهادة “لا إله إلا اللّه” أو أنّ أغصانا متشابكة رسمت آية من آيات القرآن. هذا مع أن تأويل الأشكال والأجسام قد يؤدي إلى نتائج مخالفة وصادمة أحيانا. لا يحدث الأمر بالانتقال من ثقافة إلى أخرى بل أحيانا من شخص إلى آخر في نفس الثقافة.
المشكل في هذه الذهنية أنّ تشدّدها يضيّق حياتها ووجودها ومتعها، فخيالها محدود جدّا، لا ينفتح لاكتشاف التعدّد الرحب للثقافات بما تقترحه من فنون وآداب وتعبيرات مختلفة. بل إنّها ترفض الانفتاح أصلا وتتعامل معه بتوجّس وريبة فهذا الغرب بالنسبة لهذه العقلية مجرّد صليبيين جدد لا همّ لهم سوى التآمر على المسلمين وإفساد عقيدتهم. المصيبة أنّها تزعم الاقتداء بالسلف الصالح مع أنّ هذا السلف الذي تتحدّث عنه هو مجرّد اختراع سلفي معاصر قام المتشدّدون بصناعته وتسويقه. فتاريخيا وانطلاقا من السير الموثقة كان النبي بشرا يخطئ ويصيب وكان الصحابة بشرا لهم ما للناس من طمع في السلطة والمال والنساء وما الفتن السياسية والاغتيالات التي طالت الخلفاء الرّاشدين إلا مثالا من عديد الأمثلة الدّالة على ذلك.
