وحده الغضب يدفع الرّوح في تلك الأقاصي…
حين أقدم “إيمانويل مارتينو” على ترجمة كتاب “الكينونة والزّمان” لمارتن هيدغر، سنة 1986، وبطريقة مقرصنة، كتب مقالا ناريّا في جريدة “لوموند” بعنوان “فضيحة فرنسا”، ويقصد بالفضيحة، ذلك التّقاعس الذي قدّر بستّين عاما، التّقاعس عن ترجمة “أهمّ مدوّنة فلسفيّة للقرن العشرين” كتاب” الكينونة والزّمان” 1927، يعزو “مارتينو” ذلك التّقاعس إلى احتكار “اللوبي الهيدغري” المحيط بفرانسوا فيدييهF. Fédier ،
المستشار المكلف حصرا بالتّرجمة الفرنسيّة للأعمال الكاملة لهيدغر، والتي اشترتها دار “غاليمار” الكبرى حصرا، كان “فيدييه” قد كلّف “فرانسوا فيزان” F. Vizin بترجمة النّص الأعظم للغابة السّوداء قبل ست سنوات، لكن “فيزان” يكون قد تاه في تلك الغابة الفينومينولوجيّة وضاع في تلك “الدّروب المسدودة” للغة الهيدغريّة (ثمّة من الألمان من اقترح ترجمة النص من الهيدغريّة إلى الألمانيّة أولا) فانكسر القول الكافي لنقل الكينونة إلى لغة فولتير وهو لم يشارف نصف سعيه…
بذلك تأخّر “فيزان” في تسليم التّرجمة لـ “غاليمار” فاستبدّ الغضب “بمارتينو” المقصي من دائرة “فيدييه” وركب الخطرين: خطر ترجمة نص بتلك الكثافة، وخطر ترجمته بشكل غير قانوني/هامشي/ قرصني… فأن تترجم هيدغر في فرنسا خارج الدّار (غاليمار) تخاطر بأن تظلّ شريدا…
وقد يكون شيئا من ذاك الغضب قد مسّ الدّكتور “فتحي المسكيني” لكي يغامر بترجمة نص “الملك السرّي للفلسفة” حسب عبارة “حنة أرندت” ولكي يرقّع بعض من فضائح العربِ في هذا المجال (لولا أن فاق الترقيعُ المرقَّعِ) فقد صدرت بالفعل التّرجمة العربيّة “للكينونة والزّمان” سنة [1]2012.. وقبل أن نعود إلى التّرجمة المسكينية للكتاب أشعر بحاجة لتقديم نص هيدغر الأساسي.
كتُبت الكثير من النّصوص الحافّة حول مدوّنة “الكينونة والزّمان” (Sein und Zeit) وبيان الانطولوجيا المعاصرة، الآلاف من الشّروحات والتّعليقات والنّقود، والدّراسات وفي كلّ اللغات العالميّة، وقد ترجم النّص إلى الكثير من اللغات منها اللغات الأقل انتشارا في العالم مثل التشيكيّة، والكرواتيّة والأستونيّة… وليس ثمّة من فيلسوف كبير في القرن العشرين لم يمغنطه نص “الكينونة والزّمان” بطريقة ما جذبا وتنويما، يقول إيمانويل ليفيناس: “مبكرا كان لدي إعجاب كبير بهذا الكتاب، إنّه واحد من أجمل الكتب في تاريخ الفلسفة، وأقولها بعد تفكير طويل؛ إنّه واحد من أجمل أربعة أو خمسة كتب أخرى.”[2].
على سطح نص “الكينونة والزّمان” طفت الأعراض المرَضية للغة الميتافيزيقية، وتشكّلت الملامح الأولى “للمنعرج اللغوي-التأويلي” وعنده أيضا وجدت الفينومينولوجيا الهوسرليّة انحلالها الظافر وانكشفت حدودها…
ومن فكر الكينونة انطلق “قرن سارتر” وتناسلت المناهج تفكيكيّة وتأويليّة… وربّما منذ “زرادشت” نيتشه 1883، لم تشهد الرّوح الألمانيّة تجلٍّ لهالتها الفلسفيّة العليا إلى غاية 1927، مرّة أخرى يعبّر ليفيناس عن هذا التجلّي بقوله: “إنّ كتاب ـ1927 “الكينونة والزّمان” هو أعمق روح مغلقة عن كل حساسيّة، أعمق رضا عن الرّعب.”[3]، تكمن أهمّية الكتاب أيضا في ذلك التأثير الهائل الذي أحدثه مباشرة في تاريخ الأفكار التي أعقب صدوره، وفي ظرف سياسي وتاريخي، هو من أخطر وأدق المراحل في تاريخ الغرب قاطبة، ولا أظنّ مؤرّخ الأفكار الفرنسي “دومينيك جانيكو” مبالغا حين قال: “إحدى عشر سنة فقط تفصل نشر”ينبوعا الدّين والأخلاق” عن “الوجود والعدم”، فما الذي حدث بين 1932و1943 حتّى تفسح تفاؤليّة برغسون المكان للتشاؤميّة الحالكة لسارتر؟ إنّها الحرب وهيدغر”[4].
وفي هذا الظرف الدّقيق والحسّاس من تاريخنا العربي أيضا تصدر التّرجمة المسكينيّة، في لسان عربي مبين، وبيان عربي لفكر الكينونة، تكمن إحدى أكبر الصّعوبات في نقل هيدغر إلى لغة أخرى غير الألمانيّة في كون هيدغر يفلسف اللغة ويتفلسف من داخل الألمانيّة في الوقت عينه، فهو يعيد فصل المتّصل ووصل المنفصل من جذور الكلم عمّا يسبق ويلحق من عناصر اللفظ الألماني، وهو ما لا يتوفّر في أيّة لغة أخرى غير الألمانيّة واليونانيّة القديمة. كما يسحب هيدغر ألفاظا من الألمانيّة القديمة كانت إلى غاية عصره نسيا منسيّا، وفي الوقت نفسه يتجنّب كل اللغة المعجميّة والتقنيّة التي يعجّ بها عصره والمغرقة في التصورات والمنهجيات والتي يراها من مخلّفات العقل الصناعي والإشهاري، فبأي عربيّة نترجم هيدغر؟
يحشد المسكيني ترسانةٍ فخمة من الكلم العربي المستعاد أيضا من الشعر الجاهلي والقرآن الكريم. لا يمكننا أن نترجم أي نص كبير إلى لغة ما؛ ما لم نتملّك نصّها المقدّس؛ لأننا نقدم ترجمتنا إلى ذوات مسكونة بصوت الله مهما علا نزقها وتمرّدها عن هذا النداء، وقد تنبّه المسكيني بعمق لهذه المسألة، حين افتتح نصّه بالنداء: ((يَا يَحييَ خُذِ الكِتابَ بِقٌوَّةِ)) (سورة مريم 12)، هكذا تنزّلت مفاهيم “الملكوت” و”العهد” و”القيامة” لتلبي نداء هيدغر لـ Ereignis وتلبّي مطلب الفتح داخل اللغة الذي يحضّ عليه القرآن، “فما تنطوي عليه نزعة الفتح التي للنداء هو عنصر الصّدمة، والرجّة التي تقلقل. ينادي المنادي من بعيد إلى بعيد. وهل يبلغه النّداء إلا من كان يريد أن يعود.”[5] والكلام لهيدغر.
لا تتحقق أيّة عودة أصيلة إذا لم تنصرف وجهة النّصوص الكبرى؛ وتقوم بمقابلتها بالنّصوص المؤسّسة لـ”شعب” ما أو لثقافة ما، يتطلّب تحقيق ذلك التمتع بملكة الإصغاء؛ وهي الملكة التي لا غنى عنها لأي مترجم حقيقي، فقد تعوضّه عن كل نقص معجميّ في اللغات التي يتنقّل بينها جيئة وذهابا، والإصغاء هنا غير حاسة السّمع التي تعرّض صاحبها لبلبلة هجينة من اللّغو، إنّ نعمة الصمّ هي التي مكّنت بيتهوفن من تأليف تلك الكيمياء السحريّة ليصبّها في الحناجر العمياء لآلة البيانو، كان بيتهوفن مصغيا لنداء الموسيقى داخله وليس مستمعا للإيقاع، كذلك يبدو المسكيني مصغيا لنص “الكينونة والزّمان” لأنّه كان يعزف على أربعة نصوص في آن واحد… ما سأسمّيه (التّرجمة الطباقيّة): فأن تترجم عن النص الأصلي وتقارن في نفس الوقت بالتّرجمتين الفرنسيّتين والتّرجمة الأنكليزيّة، فإنّ ذلك يشبه العزف على البيانو بحاسّة الإصغاء وحدها.
إذا كانت “اللغة هي بيت الكينونة” حسب العبارة الأثيرة لهيدغر، فإنّ التّرجمة تكون شكلا من أشكال الضّيافة الوجوديّة، ليست التّرجمة مجرّد نقل/اقتلاع نصّ من لغة إلى لغة، ومن ثقافة إلى ثقافة، بل هي فعل حضاري وثقافي أساسي في الانفتاح على الكونيّة والعالميّة، استضافة مرحة للنّص الآخر/نص الآخر، وأرضنته في ثقافتنا ورؤيتنا للعالم، وهي أيضا أخذ للكتاب بقوّة، وكل ضعف في فعل الترجمة يعكس “ضعف الطالب والمطلوب”، نجد هذا “العزم” في “إرادة التّرجمة” واضح المعالم في ترجمة المسكيني هذه، إرادة تفجير بنية اللغة من الدّاخل وتعنيف اللفظ العربي لتطويعه وترويضه في حمل معاني الكينونة في تخريج هيدغر لها، ودون السّقوط في الرّكاكة والتلعثم.
وإذ تكمن أخطار التّرجمة الأساسيّة في ثلاثة: “ركاكة الكلم وتلعثم الجمل، وإفراغ النّص من كثافته الشعريّة والإيقاعيّة، والتّرجمة الحرفيّة التي تعيد نسخ الجمل الأصليّة فتخل بالمبنى والمعني، فإنّ التّرجمة النّاجحة هي التي تعيد إبداع النص في اللغة الثّانية دون الإخلال بالمعنى الأصلي، وهو تحدٍّ يشبه القفز على الحبل، تدشّن التّرجمة المسكينيّة أسلوبا مبتكرا في تغطية هذه التحدّيات وتلافي الأخطار حين تعيد كتابة النّص الهيدغري بالعربيّة حسب المعنى الذي اتفق على فهمه المترجمون الفرنسيون والأنكليز، فعلى هامش النص الهيدغري تتنافس الضمائم والحواشي وتتدافع الملاحظات والمقارنات والتعليقات، و”علم أسباب الاختيار” الذي يقع هذا اللفظ دون ذاك… ثمّة ازدحام ومدن حية للهوامش يسكنها “دازاين”(إنسان) الأطراف الذي هو نحن.
“لا عرش لي إلا الهوامش”، يقولها كل مترجم على لسان “درويش”، فعادة ما يكتب اسم المترجم صغيرا وهامشيّا في الزّاوية السّفلى من غلاف الكتاب، لكن مصمّم غلاف ترجمة المسكيني لـ “الكينونة والزمان” (دار الكتاب الجديد المتّحدة) تألّق في تهميش اسم المترجم، فبعد تسعمائة صفحة تنزّله قميئا أسفل الغلاف؛ وانتبذ له مكانا قصيّا، حتّى ليبدو للوهلة الأولى أن مارتن هيدغر هو من كتب الكتاب بالعربيّة، ولكن للمفكّر والمترجم تاريخ طويل من التّهميش والصّمت يكون قد أنساه منفى الهوامش؛ فصار الهامش وطنا قد يكون أيضا مصدرا للغضب/الدافعية، مصدر كل طاقة وإلهام. أكثر من ذلك يحوّل المسكيني هوامش “الكينونة والزّمان” إلى منطقة محرّرة و”نشاطا حقوقيا” يدافع فيها عن أصوات المترجمين: لسنا كومبارس في مشهد اللغة، بل نحن آخر أحفاد هرمس وحملة الكونيّة المستقبليّون، فإذا كان الكوني صامتا ولا لغة له، فلأنّه على موعد دائم مع المترجم “موعد النصر” يقول إيميه سيزار.
على الهامش مثلا يمكن للمترجم أن يكشف مواطن الهشاشة ومواطن التجلّي للمتن، يستطيع المترجم أن يحوّل هامشه إلى تشخيصات للجروح النرجسيّة التي تخرم مركزيّة المتن وصاحبه من حين لآخر، عادة ما يكتب الكتّاب كتبهم في لغتهم ولا يأبهون إلى أن رب ترجمة من لغة أخرى تفقد المتن بريقه، تنزع عنه سحر الاستعارة والإحالة، وتبدد الكثافة الرمزيّة التي تمنحه لغته الأم، كل هذا ملك حصري للمترجم، وقد تصرّف فيه المسكيني بحكمة بالغة: بقدر ما دافع به عن المتن الهيدغري بقدر ما افتكّ حضوره إلى جانبه.
مِثلُ هذه النّصوص الضّخمة عادة ما لا تُقرأ لكنّها تدوم، وتعمّر بعد صاحبها لأجيال، كشعرٍ قُدَّ من مرمرٍ أثيل، ألم يقل هولدرلين “إنّ الشّعر يؤسّس ما يبقى”؟ كذلك فكر الكينونة، فمن سيهتّم بفهم الانطولوجيا الأساسيّة في هذه العصر؟ بل وفي هذا الزّمن العربي الضّحل؟ وهيدغر نفسه لم يكن يكتب نصوصا لراهنه، ولطالما تجنّب الدّخول في النّقاشات وجدالات العصر، لم ينتم إلى “قرن سارتر” في شيء، وقد سجّل “جانيكو” ملاحظة هامّة في هذا الاتجاه حين قال: “بكل وضوح، إذا كان هيدغر قد نجح إلى حد ما في كسب رهانه في الإجابة على سارتر؛ فذلك بفضل مراهنته على الأمد البعيد مستجديا الإصغاء، مختلفا بذلك تماما عن الالتزام السارتري”[6]، تنبع معظم النصوص العظيمة من الإصغاء لنداء الموت-الثاوي-في الكينونة، لا نسجّل أية عظمة حين نكتب تحت متطلّبات الحياة اليومية ما لم نصغي داخل تلك الروتينية اليومية إلى التزمّن/القلق/الموت الذي يحرّكها ويطحنها من الدّاخل، “إننا نكتب لكي نستقرّ في ذاكرة الآخرين” يقول المسكيني، وهو الفعل الذي نرد به على تلك الرّسالة الفارغة والمسروقة التي يشيعها الموت بداخلنا، إن الوجود إلى الموت باعتباره وثبة لتقديم الإمكانيّة الأخص التي لا يمكن تجاوزها؛ يفتح الطريق للزمانيّة الأصليّة ولكنّه لا يسمح بأي امتلاء ولا يفرز إلا “الهو” Le Soi بدون محتوى وجودي، إنه نداء الضّمير ؛ فداخل رنين القلق لا يسمع إلا صوت لا يقول شيء، ليس له أية رسالة، ولكنه يقذف الدازاين نحو العراء الوحيد لوجوده.”[7]
الهوامش:
[1] مارتن هيدغر، الكينونة والزمان (تر: فتحي المسكيني) دار الكتاب الجديد، طرابلس، 2012
[2] Levinas, Ethique et infini, dialogue avec Philipe Nemot Fayard, et Radio France, 1982, p33
[3] E. Levinas, comme un consentement à l’horrible, Nouvel Observateur, 22-28 janvier, 1988, p23
[4] Dominique Janicaud, Heidegger en France, I récit, Albin Michel, 2001, p 16
[5] مارتن هيدغر، الكينونة والزمان (تر: فتحي المسكيني) دار الكتاب الجديد، طرابلس، 2012 ، ص271
[6] Dominique Janicaud, Heidegger en France, I Récit, Albin Michel, 2001, p 116
