وهل يحتاج الكذب إلى عيد؟!

مع صبيحة الأول من نيسان/ أبريل من كل عام، يحلو للكثير من الظرفاء والثقلاء على حد سواء أن يشحذوا مخيّلاتهم، ويكشّروا عن بلادتهم، لكي تجود لهم بما يتفتّق عنها من إبداع، ويجودون هم عليك بمزحاتهم (الكذّابية) المتقنة. ولأنك لا تمارس عادتهم تلك ولأنّ دورك يشبه دور (متلقّي الضربات) في "الحصن" ـ وهو برنامج تلفزيوني ياباني ترفيهي كان يُبثّ في القرن الماضي ـ إمّا أن تجد نفسك مسرعاً لإنقاذ صديق من ورطة ما، أو أنّك تهرول إلى مستشفى قيل لك أنّ أحد أقربائك نُقل إليه بعد تعرّضه لحادث سير، وربّما ستتهيّأ لموعد غرامي نصبته لك صبيّة افتراضية من صنع الأصدقاء، أو قد تحتاج لحبّةٍ تحت اللسان بعد أن يخبرك أحدهم بلهفة وتأثّر بالغين عن حريقٍ شبّ في منزلك . . الخ.

ثمّ وبعد الضحك على ردّة فعلك "الغبية" التي سبّبها تصديقك الساذج لكذبتهم البريئة، ستنتظر انتهاء قهقهاتهم ليخبروك أنّ اليوم هو الأول من نيسان. ستتذمّر وتصرخ وتلومهم على ما سبّبوه لك من قلق، وعن الضرر الذي لحق بك لتعطيل أعمالك بسبب "ظرافتهم" وخفّة ظلّهم، وطبعاً لا فائدة من تذمّرك، لأنّها غلطتك حسب رأيهم : "معقول . . ولو يا زلمة اليوم عيد الكذب". وهكذا، كما "أكلتها" ستعيش لتأكل غيرها في كل مرّة!

لا معلومات لدي عن سبب أو تاريخ البدء باعتبار الأول من نيسان/أبريل يوماً سنويّاً للكذب، كما أنّي لست متأكّداً فيما لو كان خاصّاً ببلادنا العربية أم أنّه يوم عالميّ، لكنّني أستطيع الافتراض بأن الزمن الذي احتاج الناس فيه لأن يختاروا يوماً للاحتفاء بالكذب، لا بدّ أن يكون زمناً يندر فيه الكذب أو يكاد يختفي، بمعنى آخر، الصدق هو السمة العامة للتعامل بين الناس وما الكذب إلاّ استثناءً للقاعدة.

بناءً على افتراضي ذاك ـ وأنا أميل إلى التعامل معه كواقع لا كافتراض ـ يبدو من المنطقي التساؤل: في زمن كالذي نعيشه، الكذب فيه سمة العصر وروحه، وخبزنا اليومي وهواءنا الذي نتنفّس، شعوباً وحكومات، أفراداً وجماعات، فالجميع يكذب على الجميع، والأكثر كذباً هو الأوفر حظّاً، وويلٌ للصادقين والمصدّقين! في هكذا زمن ما حاجتنا إلى يوم للكذب؟؟!

لن أدعي المثالية أو أدبّج أخلاقيات منمّقة، لذا لا أريد الدعوة إلى استبدال (يوم الكذب) العتيد بيوم للصدق. أقلّه حتى لا تضطّرني المناسبة للتفوّه ـ قولاً أو كتابةً ـ بأشياء قد أدفع ثمنها بعد العيد. أو لكي لا نفقد فرحنا بالصدق المفاجِئ حين نصادفه في أوقات غير متوقّعة خلال الأيام الأخرى من العام!

ما أودّه وأتمنّاه أن يكون (عيد الكذب) خاصّاً بالكذب الجميل. وأمّا بالنسبة للكذب الجميل فهو من قبيل ما ساقه الرحابنة على لسان فيروز حين لا تكون الكذبة "خطيّة".

ولتكن تهنئة العيد دائماً من أجمل الشعر.. أكذبه!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This