اللّغة العربيّة: هل تكفي الاحتفالات الأمميّة لوقايتها من مخاطر التلاشي؟
“وكانت الملَكة الحاصلة للعرب من ذلك أحسنَ الملَكات وأوضحَها إبانةً عن المقاصد لدلالة غير الكلمات فيها على كثير من المعاني من المجرور أعني المضافَ ومثل الحروف التي تفضي بالأفعال إلى الذّوات من غير تكلّف ألفاظ أخرى. وليس يوجد ذلك إلاّ في لغة العرب.”(1)
خلال شهري شباط/ فبراير وآذار/ مارس من كلّ سنة، يشهد العالم إحياء مناسبتين احتفاليّتين باللّغة كانت قد دعت إليهما منظّمتان من منظّمات الأمم المتّحدة؛ الأولى مناسبة عامّة متّصلة باللّغة الأمّ أقرّتها اليونسكو(2)، والثانية خاصّة باللّغة العربيّة دون غيرها بقرار من الألسكو(3). والأكيد أنّ دعوة المنظّمات الأمميّة شعوب العالم للاحتفال باللّغة أمر يبعث شيئا من الاطمئنان في نفوس المشتغلين في ميادين اللّغة من اللسانيّين والمعجميّين والمترجمين والأدباء والفلاسفة وغيرهم. ومردّ هذا الاطمئنان هو الإشارات التي يلتقطونها حول وعي المجتمع الدوليّ بضرورة تدعيم نشر اللّغات بين البشر ووجوب الحفاظ على اللّغات الأمّهات لتدعيم التواصل بين الثقافات والحضارات ولتخفيف التوتّرات الحاصلة في العالم والتي من أسبابها الرئيسيّة القطيعة اللغويّة بين شعوب الأرض.
غير أنّ هذه الاحتفاليّات لا تخفي مطلقا مخاوفَ جديّة تهدّد اللّغات البشريّة اليوم. فلقد أطلقت المديرة العامّة لليونسكو إيرينا بوكوفا صيحة فزع مدويّة في رسالتها بمناسبة اليوم الدوليّ للّغة الأمّ لهذا العام 2012، حين لاحظت “أنّ نصف اللّغات المحكيّة، التي يصل مجموعها إلى ما يقارب 6000 لغة في العالم، من المحتمل أن تنقرض بحلول نهاية القرن الجاري، مع الأخذ في الاعتبار أنّ 96٪ من هذه اللّغات تستخدم فقط من قبل 4٪ من سكّان العالم.(4)” وهذه الأرقام مفزعة! وتدعو إلى التساؤل عن مصير الشعوب التي تنقرض لغاتها، وإلى التفكير في الأسباب التي يمكن أن تعجّل بانقراض هذه اللّغات بعد أن عاشت كلّ هاته السّنين، أو بما سمّاه الدكتور عبد السلام المسدّي(5) “موت اللّغات”.
وقد أثار الدكتور المسدّي مخاوف حقيقيّة حين تساءل عن مدى تعرّض اللّغة العربيّة لمسألة موت اللّغات التي تهدّد لغات أخرى. كما طرح اللسانيّ التونسيّ السّؤال عمّا سمّاه الصّراع اللّغويّ أو الحرب اللّغويّة. نقرأ: “فهل نحن العربَ معنيّون بمسألة موت اللّغات؟ وهل اللّغة العربيّة تخوض الصّراع مع لغة إنسانيّة أخرى؟ فإن هي تخوضه أفَترقَى المواجهة إلى الحدّ الذي يصحّ أن نتحدّث فيه عن حرب لغويّة؟ ثمّ هل اللّغة العربيّة تواجه من التحدّيات ما يهدّدها في وجودها، أو ينذر بامّحائها إلى حدّ الزّوال؟”(6)
والحقيقة أنّ أسئلة الأستاذ المسدّي مقلقة وداعية أهل العربيّة إلى التمعّن فيها بتعميقها وجعلها منطلقا للبحث الجدّي المسؤول عن السّبل الكفيلة بوقاية العربيّة من مخاطر التلاشي والامّحاء. ومع أنّ الدكتور شكري المبخوت(7) كان متفائلا حين اعتبر العربيّة السّائدة في التعليم والإدارة والإعلام في تونس، على سبيل المثال، عربيّة مؤدّية للأغراض بقوله: “فالعربيّة المنتشرة في مدارسنا ووسائل إعلامنا وإدارتنا، عربيّة مؤدّية للأغراض، حديثة، قادرة على أداء المفاهيم الّلازمة لإدارة محادثة في الاقتصاد أو الاجتماع أو السياسة أو الفكر أو الثّقافة عموما”(8)، قلت ومع هذا التفاؤل الذي يحدو د. المبخوت، لابدّ، في نظريّ، من تشجيع نشر العربيّة خارج مضاربها ومن تعميم تعليمها لأبنائها النّاطقين بغيرها ولأبناء الأمم الأخرى المقبلين منهم على تعلّمها وغير المقبلين. ولا يكون ذلك متاحا إلاّ عبر نشر مؤسّسات تعليم العربيّة في كافّة أنحاء العالم. ولنا في المرصد الأوروبيّ لتعليم العربيّة أسوة حسنة. فهذه المؤسّسات والجمعيّات تقرّب العربيّة من طالبيها. وتيسّر عليهم تلقّيها بمناهج حديثة وبيداغوجيا تفاعليّة تشاركيّة مرنة.
كما تتولّى معاهد تعليم العربيّة هذه التي ندعو إلى ضرورة نشرها في القارّات الخمس تحفيز المتردّدين والخجولين وحتى الذين لا يحرّكهم غير حبّ الاطّلاع، على الإقبال على تعلّم اللغة العربيّة للاقتراب من الشعوب العربيّة والتواصل معها دون وسائط للتوقّي من مغالطات الإعلام وتحيّزه، لاسيما بعد انفلاق الثورات العربيّة المجيدة. إنّ نشر هذه المعاهد والمؤسّسات وتدعيم القائم منها يدخل في إطار أساليب الدّفاع فيما سمّاه الدكتور المسدّي “الحرب اللغويّة”. فهي تساهم في حماية العربيّة من خطر الزّوال الذي يتهدّد نصف اللّغات المحكيّة كما أشار إلى ذلك تقرير المديرة العامّة لليونسكو.
وقد أشار د. المسدّي إشارة ذكيّة إلى أنّ “اللّسان العربيّ – شأنه شأن سائر الألسنة البشريّة– إنّما هو بأهله، وأهله هم المتكلّمون به من الجموع، وكذلك أولو الأمر بينهم القائمون على شؤونهم.”(9) فما أسمى أن يكون أهل اللّغة العربيّة من العرب ومن غيرهم! وما أجمل أن يتكلّم باللسان العربيّ غير العرب! وما أرقى أن يعود أبناء العرب من الجيل الثّالث والرّابع إلى العربيّة لغة أجدادهم! فإنّه عود الدرّ إلى معدنه. وفي ذلك صون منيع للسّان العربيّ، وأيّ صون.
الهوامش والإحالات:
1- مقدّمة ابن خلدون، تأليف العلاّمة عبد الرّحمان بن محمّد بن خلدون، الفصل السّادس والثلاثون: “في علوم اللّسان العربيّ”، دار الجيل، بيروت، د.ت، صص 603- 604.
2- أعلن المؤتمر العام لليونسكو المنعقد في تشرين الثاني/ نوفمبر1999، يوم عالميّا للّغة الأمّ، للاعتراف بأهميّة التعدّد اللغويّ. و يهدف هذا الاحتفال إلى تنمية الوعي بالتقاليد اللغويّة والثقافيّة القائمة على التسامح والتفاهم والحوار. وقد حدّد يوم 21 شباط/ فبراير من كلّ عام يوما للاحتفال بهذه المناسبة.
3- أقرّت الألسكو الفاتح من شهر آذار/ مارس من كلّ سنة يوما للاحتفال باللّغة العربيّة.
4- في تقرير منشور على موقع اليونسكو على الانترنيت: الرّابط:
http://www.unesco.org/new/ar/education/resources/online-materials/single-view/news/a_world_without_words_celebrating_international_mother_language_day/
5- الدكتور المسدّي هو باحث لغويّ معروف وأستاذ اللسانيّات بالجامعة التونسيّة ووزير التعليم العالي والبحث العلميّ سابقا وحاصل على جائزة سلطان العويس للآداب لسنة 2009 وعضو المجامع العلميّة بكلّ من ليبيا ودمشق والمجمع التونسيّ للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة”.
6- “اللّغة العربيّة وتحدّيات العصر” محاضرة ألقاها الدكتور عبد السلام المسدّي في المنتدى الثقافيّ لمؤسّسة عبد الحميد شومان بعمّان/ الأردن، بتاريخ 27/ 2/ 2012. المصدر: موقع صحيفة حريّات الثقافيّة: الرّابط: http://huriyat.com/News.aspx?id=10389&sid=19
7- هو أستاذ تعليم عال مختصّ في الدّراسات الدلاليّة والتداوليّة بكليّة الآداب والفنون والإنسانيّات بمنّوبة، العميد السّابق للكليّة، والرّئيس الحالي لجامعة منّوبة.
8- الدكتور شكري المبخوت: “في يوم اللّغة العربيّة: لتعدّد الّلغات!”، بمناسبة الاحتفال بيوم اللّغة العربيّة الذي أقرّته الألسكو المشار إليه في الإحالة الثالثة أعلاه، النصّ منشور في المدوّنة الشخصيّة للدكتور المبخوت على شبكة الانترنيت: “الحاشية والمتن”، الرّابط:
http://www.google.tn/search?q=%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%B4%D9%8A%D8%A9+%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%86&ie=utf-8&oe=utf-8&aq=t&rls=org.mozilla:fr:official&client=firefox-a
9- د. عبد السلام المسدّي: “اللّغة العربيّة وتحدّيات العصر”، نفسه.
