وليمة الأجداد (2/2)
“تماما كما يخلق الإنسان القديم ألهته خلقناه في البداية رغبة في النظام السهل ثم تواطأنا معه لإخافة الصغار والغرباء والأعداء إلى أن أصبحنا نتساءل عن مدى قدرته ومدى الحاجة إليه وعند ذاك بدأنا ننظر إليه بحذر ونصمت ثم بدأنا نخاف منه ونعلن إلى أن وصلنا إلى الامتثال والطاعة والرضا وأخيرا إلى التسليم .” عبد الرحمن منيف
أين ما وليت وجهي فثمة وجهك. أنا الذي أنجبتك في لحظة خوف من ومض برق انكسار الزمان، وفناء الحياة وانكشاف العدم. من نطفة الخوف تناسلت ملولبا في معراج السماء، فاستويت سبحانك خوفي، لتعلن دون خجل فسق الآلهة أنك أبا لي في الوعد والوعيد، الطاعة و الحماية، الجنة والنار… هكذا في غفلة رعب الخوف استقللت محيطا نفسك بجيش وشرطة وزبانية، وبشبيحة وبلطجية، وبجهاز مخابرات من الجواسيس الملائكة الفقهاء عن كل ما في العقول والقلوب…
في لحظة انفعال هشة لسبات الوعي تكتنفها كارثة عجز الدفاع عن الحياة مرر الخوف سائله لتولد من عدم الإنسان. فكيف تجرؤ على القول “لم يلد ولم يولد”. لم أكن أعرف بأن هذا الانقلاب لظلي الدامس الذي صار أبا لي يترصد خطواتي بحضوره الطاغي، قد يتحول في مرآة الخوف إلى ظل لي في السماء مثلما أنا ظل له في الأرض. فكيف لي أن أقتل ظلي المظلم الهارب مني في جوفي لأتعرف طريقي في الوحل والدم، والجثث والخراب، والدمار البشع الذي يشدني إلى عنف دماء الشعوب المنسية في كتب المؤرخين الفقهاء والمحدثين خدام تاريخ الحروب والنخب والعائلات الحاكمة. مشكلتي في ذاكرتي التي تشدني إلى مكان الأب “الذي يكون دوما ميتا كما نعلم لأن الابن وحده صاحب استيهام ولأنه وحده حي”(1). ذاكرتي عداد لمرجل الزمن، و شكبة عنكبوتية لا تتوقف عن عرض شريط الدماء والخراب والمذابح والتاريخ السري لامتداد جسدي المسجى في كفن حروب قداسة الأجداد والآباء الأولين لصناعة الحكمة والإرادة الإلهية.
“إذا أردت أن أحيا علي إذن أن أنسى أن جسمي ينتمي إلى التاريخ وأغرق في الوهم بأنني معاصر للأجسام الحاضرة الصغيرة السن لا جسمي الماضي. والخلاصة أن علي دوريا أن أبعث من جديد وأكون أصغر سنا مما أنا عليه”(2).
تهددني بنشر غسيلي القذر وكشف عوراتي. آه أيها الرب يا رجل القش. لا أحد إلا أنت، أو لا اله إلا أنت. لم يكن لك كفؤا أحد. لا شريك لك في الحكم والمال والسلطة والنساء، في البر والبحر، في الشمس والعتمة، في الأرض والسماء…تذكرني بآيات نعمك وحضن حمايتك وبقدرتك على نشر الحرب الأهلية في عقر كياني.
هكذا سورك منزلة من أم الكتاب. لغتك النفي والإقصاء والدم. عشقك قيامة الفناء و العدم . لاهم لك إلا كيف تكون ويخلد اسمك وحضورك الطاغي. لا أحد إلا أنت. لا اله إلا الله. القدم لك والخلود لك. لا أب إلا أنت أو تعلن الطوفان والمسخ والزلازل أو تحرق البلد. يا اله الرعب والدمار والخوف والنار والمسخ والطوفان والزلازل والرعود و البر وق والجنة، وأنهار الخمر والحور العين الحسان، أنت لا تعرف منطقا آخر للهيمنة والقهر والعبودية غير أعاصير الخوف والقذائف والقنابل وراجمات الصواريخ وطائرات أبابيل ترميهم ببراميل معبأة من معين جهنم الذي يتفصد من مسام عرش سلطتك الغاضب الساخط المتذمر. إما الطاعة أو سفك الدماء ونشر الخراب، إما العبودية والتسبيح بنعمك حتى ولو كانت مزق أسمال ولقمة عيش تعفها الكلاب الجائعة، أو التشبيح والتنكيل وفصل الرؤوس عن أجسادها. لا متسع إلا للحمد أو أنها لظى نزاعة للشوى…
كعادتك تحاول أن تزور كل الوقائع والحقائق وتتلبس وجه الشاة يا ذئب سفك الدماء البريئة. حرفتك التدليس والتزوير والدس ونصب الفخاخ . أنت تعرف بأنك قابع في داخلي تسكنني في ذاتي وأنا لا أقوى على السكن فيها. داهمتني في عز الطفولة وبوقاحة الغدر ومص الدماء جعلتني قبلة لكل السفلة والقوادين و الحشاشين من شيخ الجبل إلى شيوخ النفط والدولار. جعلتني بغلك الحرون لحمل سيرة رماد الغزو، وأمتعة فقه السبي والغنيمة، و تاريخ بلاط الحروب والحريم السلطاني، والطواف على الكعبة بعد أن تذكرني بروعة الفداء الرباني لنعمة الحياة.
والفظيع في تاريخك الفاشي أنك ألغيت صوتي لتحولني بقدرة كتب آلهة القداسة إلى صوتك المدجن والمروض بآلية التكرار. و إذ تربعت داخل كون عوالمي النفسية والجسدية والروحية والثقافية، و فوق سماواتي السبع تعلن بوقاحة الرب أنك خلقتني من علق في ستة أيام و استويت على عرش طفولتي، بعد أن اختطفتها بنوع من الإخفاء القسري، هكذا نصبت زبانيتك أعراضا عصبية في وجه رغائبي التي تنساب كشفرة في جوفي مفجرة آلاف أنهار ويل أسياخ النار التي تمزقني شظايا، وهي تنقذف في أعماقي بحرقة عذاب السعير . ماذا يتبقى للإنسان عندما تغتال طفولته وتغتصب حياته بهمجية الغزاة القدامى والجدد، ويرغم ليس فقط على حمل جثة أبيه كشجر الزقوم بل كل ارثه الدموي العفن. داخل كل إنسان طفل قابع يجرجر زمن شغب الطفولة و مغازلة الطبيعة والورود والأزهار والفرح واندفاع الأمل الشاسع الرحب المتعدد في أبعاده الخيالية اللانهائية، وكل المسرات التي عبرت الذاكرة كبرق خاطف تناثرت له بفعل قوة صعق أبويتك الربانية كل الأحلام الوردية التي بللتها عاطفة الأمومة المجروحة بوهم الخطيئة. يا للمسخرة أحمل في داخلي الأب الشبيه ببربرية المحتل الفاشي، فكيف تطلب مني أن أكون كتفا صلبا تستند إليه رفيقتي بثقة الحب وفرح البراري. هكذا تتصنع البراءة والشهامة وأنا محشو بكل زبل روث إرثك العفن. أخرج من دمي فقد لوثتني بما فيه الكفاية وأنا الآن عازم على قتلك وافتراسك والتهامك، سأحولك إلى أكتيون جديد Actaeon تعرت قداسة كتبه السماوية لأنه تجرأ على استباحة وهدر الدم الإنساني. سأنزلك من السماوات التي اعتليتها سبعا طباقا في أعماقي، معذبا روحي وجسدي بلهيب متخيل جهنم التي تنفث سمومها في جوارحي المفحمة برماد قصص أسطورة المجد الأبوي. لم تكتف بتمزيقي بين المدنس والمقدس، بين الجنة والنار، بل غرست كل ظلال الخوف في تجاويف القلب والدماغ، فكيف لي أن أكون وأصير.
ذاكرتي تستفزني فتخرج دفتر الحساب العسير فترمي به إلي لينفتح فصلا مؤلما، عن تلك الفئات الاجتماعية التي أقصيت وهمشت في العملية السياسية عبر التاريخ العربي الإسلامي، وأبعدت عن مراكز الحكم ودواليب السلطة والنفوذ، كما طالها النسيان والغياب من قبل أهل القلم وما يسطرون من تاريخ رسمي لا تشوبه شائبة تاريخ هؤلاء “الرعاع المنبوذين”. وما أشبه اليوم بالبارحة في هدر القيمة الإنسانية لهؤلاء، واستباحة دمائهم وأموالهم وعرضهم. والمتاجرة بأرواحهم ودمائهم وآلامهم ومعاناتهم…سلعة إعلامية وسياسية وعسكرية واقتصادية. كما أنهم مجرد أشياء ومزق تافهة كأرقام وجداول وبيانات إحصائية. ذاكرتي ترتعش إزاء تمثل الماضي أي “السالف كمأزق مزدوج فهو أولا وقبل كل شيء لغز لصورة حاضرة وغائبة في ذات الوقت”(3). آه لو أمكنني إيقاف هذا التوتر الديالكتيكي لذاكرتي وامتداد جسدي في وحل التاريخ العفن لوليمة الأجداد. تفاجئني وهي تعرض بسخاء ناذر صفحات مبللة بالبؤس والمعاناة والدماء عن عوام مكناسة في العصر الوسيط الذين يسميهم المؤرخ ابن غازي “جمهور الناس” الذين نهض على أكتافهم الاستبداد والتسلط وتعرضوا إلى أبشع أنواع الاستغلال والاضطهاد رغم دورهم الهام على جميع الأصعدة “وعلى الرغم من هذا الدور الطلائعي الذي لعبه العوام في رسم منعطفات التطور الاقتصادي للمدينة فان المؤرخين أداروا لهم الظهر ولم يشيروا إليهم سوى بتلميحات خجولة سقطت سهوا من أقلامهم عند سرد أخبار الحملات العسكرية لهذا الأمير أو ذاك ومن ثم لم يكشفوا إلا بطريقة عفوية عن أوضاعهم وما قاسوه من محن وبؤس”(4).
والشيء نفسه يتكرر اليوم مع جمهور الناس في العراق وسوريا واليمن ولبنان ومصر وتونس… في كل ما ينشر من الأبحاث والمقالات السياسية والثقافية والفكرية والثقافية، وفي كل ما يعرض في الإعلام الأرضي والفضائي التقليدي والرقمي. “في محاولة لترميم هذه الثغرة يسعى هذا البحث إلى” اصطياد“هذه النصوص العفوية ولم شتاتها ووضعها في سياقها التاريخي لإماطة اللثام عن هذه الشرائح الاجتماعية المنسية والكشف عما تعرضت له من ألوان المحن والشقاء.”(5) فقد شوهت أخلاقهم بتحيزات سياسية مذهبية، كما فعل أبو بكر الصنهاجي المكنى بالبيدق وهو يعبر عن “إدانته للفساد الأخلاقي المتفشي في أوساطهم.” (6) ونعتهم أغلب المؤرخين بالغوغاء وأهل الشر. دون أن يكلف الكثير من المؤرخين أنفسهم مشقة القول الصريح فيما تعرضوا له عبر التاريخ، في قيام الدول وانهيارها، من إرهاق بالضرائب المختلفة الأسماء، كضريبة القبالة و ضريبة المعونة وضريبة الحماية وبأنواع كثيرة من المغارم والملازم إلى درجة أن “جردوا من أموالهم ووصلوا إلى درجة الفقر المدقع”(7). وعانوا أيضا من السلب والنهب ومختلف أشكال الاستغلال.
“تعرضت مدينة مكناسة خلال الحقبة الوسيطية لسلسلة من الحصارات والحروب التي عصفت بها وتركتها أثرا بعد عين. خاصة إبان الفترات الانتقالية للدول. ومن البديهي أن يكون العوام اكبر من تحملوا وزر هذه الحروب ونتائجها الوخيمة، وان يكونوا كذلك أول ضحاياها.”(8) فما الذي يحدث اليوم في المدن والأرياف العربية في العراق وسوريا واليمن ومصر…
وكما فر الزبير في فتنة هشام(9) يفر اليوم من المدن العربية التي تعرف التنازع على السلطة لدفن الشعب والثورة، الكثير من الأغنياء من عصابات المال والنفوذ، ومن يبق منهم تتكفل السلطة بتأمين قوته وحياته. “ولم يكن غريبا أن تهيئ السلطة المرابطية وسائل الحماية والدفاع لأثرياء المدينة وارستقراطيتها حيث شيدت لهم حصنا يعرف بحصن برج ليلة …أما العوام فقد تركوا لمصيرهم فأصبحوا لقمة سائغة أمام جحافل الجيش الموحدي. وهذا ما يؤكده ابن غازي( ونقل وجوه الناس وأغنياءهم ولم يترك من الأقوات شيئا إلا نقله إليها وترك جمهور الناس في مواضعهم)”(10). وكما حوصرت مكناسة من قبل الخليفة الموحدي “فكان أهلها في سجن لا يقدرون على الخروج منها شرقا ولا غربا”(11) تحاصر اليوم المدن في العراق وسوريا ومصر…من قبل السلطة والغزاة الجدد من العصابات المحلية والإقليمية والدولية. وفي سياق مثل هذه الوضعيات الحصارية نسمع عن اضطرار الناس إلى أكل القطط والكلاب، وربما تجاوز المأزق ذلك إلى أكل لحوم البشر “فنيت الأقوات واضطر المحاصرون إلى أكل خسيس الحيوان وأصبحوا عرضة للموت والهلاك بسبب شدة الجوع”(12). وفي ظل الحصار يتم التخطيط للمجازر المروعة ضد جمهور الناس الأبرياء، مثلما يحدث اليوم أمام أنظار العالم وتنقل الصورة الحية بأسرع ما تحب السوق الإعلامية في السيطرة على الإدراك وبناء الاتجاهات والمواقف والمصالح، كما “تجلى ذلك في المجزرة الرهيبة التي تعرض لها جمهور الناس على أيدي الموحدين فيما يمكن تسميته بمذبحة سوق الغبار.”(13) وفي اللحظات المفصلية لاقتحام المدن، سواء من قبل السلطة أو المعارضين لها عبر التاريخ العربي الإسلامي، فإن الصفقات والتسويات، ضمانا لتوازنات جديدة وحماية لمصالح محددة، كانت تدبر في الكواليس على حساب عامة الناس “إذ أن والي مكناسة يدر بن ولجوط خانهم بعدما خيم عليه اليأس (فطلب النجاة بنفسه وأهله ومن بقي من فرسانه خاصة وأسلم المدينة ومن فيها من بقايا المنحصرين للردى وخرج في خمسين فارسا على ما ذكر ودخل الموحدون المدينة، فسفكوا الدماء وسلبوا النساء والذرية واستباحوا الأموال وتمادوا على ذلك يوما كاملا…وبقيت المدينة خالية إلا من فل من الموت قتلا وجوعا.”(14) هل هكذا تنشأ وتتكون وتتطور حضارة الدولة العربية الإسلامية؟ وعلى هذه الأنقاض ليس العمرانية فقط بل أساسا على الأنقاض البشرية ينهض المجد الأبوي والسلف الصالح بدعوى ولادة الدولة الجديدة، من الفتنة الصغرى إلى الفتنة الكبرى، ومن الأمويين إلى العباسيين، ومن المشرق إلى المغرب والأندلس، ومن صدام إلى المالكي، ومن مبارك إلى مرسي وعسكر مبارك، وفي سوريا واليمن وتونس… والسلسلة الغذائية لسلطة القهر والاستبداد ممعنة في افتراس والتهام شعوبها.
ولا ننسى أن مكناسة عانت من الاجتياح العنيف الذي قامت به بعض القبائل العربية البدوية، وما خلفه “هذا الاجتياح من خراب ودمار… والواقع أنه لم يكن لدى هذه القبائل من أهداف سوى السلب والنهب.”(15) فما أشبه اليوم بالبارحة حيث شكلت ظاهرة المجاهدين الأمريكان في وجه السوفيات في أفغانستان النموذج الأمثل لاجتياح المدن العربية والإسلامية من قبل جنود الله الشيعي والسني، المدعمين بالمال الخليجي والفارسي، و بالسلاح الامبريالي الصهيوني، والفكر و اللباس القروسطي والعنف الدموي الانتحاري المختلف الأشكال في وجه الشعب الأعزل. إنهم أقرب أو أكثر من بني معقل الذين دخلوا مكناسة “وعاثوا فيها وأتوا على الأخضر واليابس. سواء في عصر الموحدين أو في عصر بني مرين، حيث استطال شرهم ( فزحفوا إلى بلاد الغرب من أحواز مكناسة وفاس وعاثوا وافسدوا ) وكان عرب بني رياح أكثر القبائل ترويعا للناس وأشد ضررا(بالاختلاس والافتراس )”(16). وكما تنفجر القذائف والألغام، وتسقط الصواريخ فوق الأبرياء، وترمي طائرات الأبابيل بالبراميل الحارقة القاتلة، فتحرق الإنسان والمدن والأشجار، باسم الجهاد والجهاد المضاد، نظمت مجازر سياسية اجتماعية تاريخية بأقنعة شيعية وسنية وخوارجية وقومية وعلمانية واستعمارية أجنبية…منها مثلا في التاريخ المنسي والمسكوت عنه “نظم الموحدون مذبحة أخرى ذهب ضحيتها العديد من العوام والأبرياء. ذلك انه كان بأحواز تاورا- إحدى مدائن مكناسة- شجرة كبيرة من النشم الأسود.
وفي الوقت الذي كان عامتها قد انبسطوا لتدبير معايشهم فاجأتهم خيول الموحدين فلجأوا إلى التعلق بالشجرة المذكورة أملا في النجاة غير أن الموحدين أضرموا النيران حولها ( فسقط كل من فيها واحترقوا عن آخرهم ) وتلك صورة أخرى من الصور المأساوية التي تجرع فيها العوام مرارتها”(17). وأيضا عانى جمهور الناس من قهر واستبداد العمال والولاة حيث مورست في حقهم كل أشكال الظلم والقمع و العسف، “وصلت إلى حد التنكيل وسفك الدماء. ونسوق للدلالة على ذلك نموذج الوزير أبي عبد الله البرتغالي الذي لقبه العوام”بأبي علاقة“و” الكديد“ويفسر صاحب الجذوة تسميته بهذا اللقب قوله”لقب بذلك لكثرة سفكه الدماء وإقدامه عليه، فكان يقتل الناس ويجزرهم كثيرا، وكذا بمكناسة أيام وزارته “(18) ويعلق الدكتور ابراهيم القادري على هذا النص بقوله” وهو نص يعكس مدى القمع والمحنة التي طالت عوام المدينة ويشكل صورة من أفظع صور تاريخ الإجرام والقتل“.(19) ويتطرق أيضا إلى أنواع المحن التي عاشوها بسبب المجاعات والأوبئة والغلاء والكوارث الطبيعية.
والآن قل لي أيها الأب المشؤوم ما يعنيه بالنسبة لك هذا السفر العفن من إرثك السياسي الاجتماعي التاريخي الديني لتداول الحكم بالقهر والتسلط والاستبداد؟”هكذا تبقى مسألة المزاحمة بين الذاكرة والتاريخ في تمثل الماضي. فالذاكرة تمتاز باستعراف الماضي كشيء موجود ومنعدم في ذات الوقت، أما التاريخ فيحظى بالقدرة على توسيع النظرة في المكان وفي الزمان، بقوة النقد ضمن تسلسل الشهادة والتفسير والفهم، بالتحكم البلاغي للنص، بل وخصوصا، بإقرار الإنصاف بالنظر إلى الادعاءات المتنافسة للذاكرات المجروحة وأحيانا اللامبالية بمأساة الآخرين(20).”
الهوامش:
1و2 رولان بارط درس السيميولوجيا ترجمة عبد السلام بنعبد العالي
3و20 بول ريكور كتابة التاريخ وتمثل الماضي ترجمة محمد حبيدة مدارات فلسفية العدد6
4 إلى 20 اعتمدت على كتاب د. إبراهيم القادري بوتشيش إسهامات في التاريخ الاقتصادي الاجتماعي لمدينة مكناس خلا ل العصر الوسيط وهو كتاب ممتع في لم نصوص شتات التاريخ المنسي باعتماده كل أنواع المصادر وجمع على حد قوله( ما تناثر منها في بطون الكتب وأمهات المصادر وترتيبها وتنسيقها وفق سياقها التاريخي)
