جسر على نهر دجلة

“ليس هذا أوان الموت، بل أوان برهان المرء على قيمته”
في أواسط القرن السادس عشر وفي مدينة فيتشغراد الريفية البوسنية، بنى وزير تركي يعمل في خدمة السلطنة العثمانية وعلى نفقته الخاصة جسراً يعلو نهر درينا الصاخب، وفاءاً منه للمنطقة التي احتضنته فتى في غابر الأيام. وقتها كانت البوسنة خاضعة للامبراطورية العثمانية ويقطنها مسيحيون صرب وأتراك مسلمون، وجدوا في الجسر المراد إنشائه حدثاً كبيراً عكر هدوء المنطقة وصمتها. وكانوا محقين في هذا الشعور. فمنذ إنشائه بدا الجسر كائناً غريباً فرض على الناس فرضاً دون إرادة منهم واحتاجوا إلى عشرات السنين حتى يتأقلموا مع حضوره بينهم ويألفوه.

وإذا كان يفترض بالجسر أن يكون صلة وصل واتصال بين ضفتين (البوسنة والصرب وكانا وقتها من أقاليم الامبراطورية العثمانية)، ومعبراً ولقاء بين أطراف فإن الجسر فوق نهر درينا مثَّل وعلى مدى أكثر من أربعة قرون من حياته، أي حتى أوائل الحرب العالمية الأولى عام 1914، رمزاً لسطوة وعبث السلطة السياسية التي جعلت منه أداة للسيطرة والتحكم بالبلد وأهله أكثر من كونه قيمة رمزية للتعايش والاستمرارية بين مكونات مختلفة على الصعيد الديني والقومي والعنصري كما أراد صاحب الفكرة له أن يكون. ولذلك عُمِّد إنشاؤه بالدم وشهد السكان أول ما شهدوا من ثماره، خوزقة فلاح صربي حاول إعاقة عملية البناء ورفع جسده عالياً في مشهد أدبي مرعب في قسوته يصفه الكاتب بطريقة فذة. فالجسر بني على أكتاف سكان المنطقة من مسلمين ومسيحيين، وبالذات الفلاحين الصرب الذين كانوا يجبرون على العمل فيه دون مقابل في السنوات الأولى. وبعد خمس سنوات من البدء في العمل، وقف الجسر فتياً مهيباً مشيعاً جواً من القوة والحضور الطاغي لدى السكان الذين أيقنوا بشكل غير واعي أن حياتهم تحولت لمرة واحدة وإلى الأبد في مسالك لا يعرفون منتهاها.

على مدى مئات السنين وتواليها صار الجسر كائناً من لحم ودم بين سكان المنطقة، حيكت حوله الأساطير والحكايات، وصار جزءاً من حياة وحكايات شبابهم وفتياتهم، نساءهم ورجالهم وأطفالهم. شاركهم طوفان النهر الصاخب والأوبئة القاتلة، وقصص الحب والرحيل والموت لأشخاص عبروا عليه ورقصوا، حزنوا وفرحوا. شارك المدينة ازدهارها الاقتصادي وانتكاساتها، وأيضاً الاحتلالات العسكرية والصراعات الدينية والقومية وكل ما تنضح به منطقة تعج بالمتناقضات والصراعات مثل منطقة البوسنة.

وعندما انتقلت السيادة إلى الامبراطورية النمساوية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر شهدت المنطقة ذروة الانتعاش والنشاط الاجتماعي والتجاري، وصار الجسر وحده حاملاً لحداثة الدولة الجديدة التي صدرت إلى المنطقة كل منتجات الحداثة المادية الناشئة في أوربا. فعمدت الى فتح خط السكة الحديدية، ونشر التعليم، وإقرار الخدمة الالزامية للشباب، وبناء المؤسسات الرسمية والقانونية، وإنشاء شبكة حديثة للشرب والصرف الصحي وغيرها من الاجراءات التي أنعشت المنطقة والسكان وصار النشاط التجاري الاجتماعي فيها ملموساً على نحو لم تشهده المنطقة من قبل. ونال الجسر حصته من الحداثة المظفرة على هيئة صيانة وإصلاح لدعاماته، إضافة إلى تزيينه ومده بالإنارة الضرورية، عدا عن الابنية السياحية وغيرها من المنشآت التي أقيمت إلى جانبه. فصار قبلة للسكان بقصد التنزه والمتعة، ومكاناً أثيراً لشريحة واسعة من الشباب والشابات وجدوا في الأفكار القومية والاشتراكية الصاعدة حديثاً، معيناً فكرياً يساعدهم على فهم التحولات الحداثية الجارية بسرعة خاطفة أمام أعينهم. وصارت النقاشات الفكرية بين الشباب المندفع والمتحمس تحتدم على أطرافه، كما اللقاءات الحميمة بين العشاق أيضاً واللاهين الذين يريدون قضاء أمسية ممتعة. ولكن المفارقة الرمزية الهائلة هي أن الجسر الذي حمل على متنه مقدمات الحداثة المادية الجديدة، حملت له الحداثة إعلان موته وموتها معه، فقد عمدت السلطات النمساوية إلى تفخيخ الجسر بالمتفجرات انتظاراً منها للحظة الفصل التي يمكن أن تحتاج فيها إلى نسفه في قابل الأيام. وأتت اللحظة المنتظرة في بداية الحرب العالمية الأولى التي أطلقت شرارتها عملية اغتيال ولي العهد النمساوي وزوجته في سراييفو على يد أحد الصرب. فكان انهيار الجسر ايذاناً رمزياً ببداية الجحيم الذي حصد في أتونه ملايين أرواح البشر الذين عاشوا في مناطق شبيهة بقرية فيشيغراد حياة مسالمة ودون آمال كثيرة، لكن نداء الحرب القاتل وحريقها وصلهم مكرهين ولفهم على غير رغبة منهم في دوامته.

أخفق الجسر في وصل ما انقطع دينياً وقومياً بين الصرب المسيحيين والأتراك المسلمين من أبناء المنطقة جراء التدخلات العابثة للسلطة السياسية في الحياة الاجتماعية للبشر. فالسلطة العثمانية التي أنشأته ممثلة بالوزير محمد باشا فشلت في رأب الصدع بين الصرب والمسلمين من رعاياها. وكذلك الامبراطورية النمساوية أخفقت في نقل الحداثة الحقيقية ممثلة بقيم عصر الأنوار كالتسامح والمواطنة والحريات العامة وقيم التعددية. وبعد عشرات السنين أثبتت الأحداث التي جرت في تسعينيات القرن العشرين في منطقة البوسنة والهرسك، أنه في الأوقات العصيبة حين ينكمش الناس في قوقعتهم القومية أو الدينية ويكرهون جيرانهم وأصدقائهم، ويعلنون الحرب على بعضهم البعض يصبح “المرور مستحيلاً، لأن الجسر أصبح لا يربط بين الضفتين، وأن على كل امرئ أن يبقى بعد الآن إلى الأبد في الجهة التي هو فيها” 148. إنها صورة قاتمة للحياة بحاضرها ومستقبلها، ما يوحي بأن ثمة “شر بذاته” يقيم فيها كما يقول مترجم الكتاب، سامي الدروبي في المقدمة التي كتبها. وكأن الكتاب نبوءة مستقبلية مرعبة ليس لمنطقة البلقان وحدها بل إلى العديد من مناطق العالم، وأبرزها الشرق الأوسط الذي يحيا اليوم أشنع فصوله الدموية. وكل ذلك جراء العبث المنهجي والمقصود للسياسة والسياسيين بـ “القاع المظلم من الشعور، الذي تعيش فيه وتفور العواطف الأولية والمعتقدات الراسخة، معتقدات مختلف الأجناس والأديان والطبقات، التي يبدو في الظاهر أنها ماتت ودفنت، ولكنها في حقيقة الأمر تهيء لعصور مقبلة بعيدة تبدلات وكوارث، يظهر أن الشعب لا يستطيع الاستغناء عنها وخاصة شعب هذه البلاد” 212

جسر على نهر درينا
تأليف: ايفو أندريتش
ترجمة: سامي الدروبي
الناشر المركز الثقافي العربي 2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This