مقدّمة الأستاذ بيار شيزاري بوري للترجمة العربية

نقدم لكم الطبعة العربية للمناظرة الشهيرة التّي كتبها يوحنا بيكو دو لا ميراندولا وهي ثمرة تعاوننا مع أصدقائنا في تونس، ثمرة صداقة تخطت عقدها الثّاني. وقد أردنا من خلال هذه الترجمة أن نتيح هذا النّصّ لعموم القرّاء في العالم العربيّ، بعد أن ترجم إلى لغات عديدة أخرى. يتناول نصّ بيكو موضوعي الكرامة الإنسانية والحرية ، ويعطي صورة نبيلة وعالية عن مكانة كل رجل وامرأة. ويمكن لكلمات بيكو أن تجد صداها يتردد اليوم في وضع جديد يشهده العالم العربي ويمكنها أن تجد جمهورا أشد استعدادا من أي وقت مضى لاستقائها والاستلهام منها.

وعلى الرغم من أن بيكو كان شديد الاهتمام جدا بالثقافة العربية فكرا ولغة فقد انكب على دراستها (فأوّل فقرة في المناظرة تستشهد بشخصية غامضة أسماها عبد الله- ولعلّه يشير إلى نبي الإسلام نفسه- وتتضمّن المناظرة إشارات إلى القرآن الكريم وإلى الفلسفة العربية على حد السواء). لقد كتب نصّه في زمن وفي سياق ثقافي مختلف جدا عن الثقافة الأوروبية الحالية وفي سياق يختلف كذلك عن الثقافة العربية الحالية. لقد جعلت المسافة الثقافية العمل الترجميّ الذّي اضطلعت به الأستاذة آمنة الجبلاوي بذلا للجهد في مواجهة الصعوبات وحلّها رغم صعوبة الرّهان.

ولذلك نرجو من القارئ أن ينظر إلى هذه المحاولة الترجميّة بعين متفهمة وإيجابية.
1. تُعدّ مناظرة بيكو ديلا ميراندولا (1463-1494) “في الكرامة الإنسانية”، والتّي كتبها سنة 1486، “بيانا لعصر النهضة الاوروبية” بامتياز. فصور وألوان وأصوات عصر النهضة مشهورة في جميع أنحاء العالم. لكنه نصّ لم يجد حظّه من الانتشار، رغم أنه ودون أية مبالغة تحفة أدبية صغيرة تشكل أداة قيّمة لفهم العقل الانساني. ويقدّم لنا هذا النصّ، في واقع الأمر بنجاعة لا مثيل لها نموذجا عن الخلفية الثقافيّة للمنحى الإنساني الذي ميّز عصر النهضة “بإيمانه بالطبيعة البشرية، بل بالانفتاح على مختلف التّخصصات والثقافات والفلسفات والأديان بغضّ النظر عن سبب منشئه الظرفي (كان كتب لحدث استعد له بيكو بهدف مناقشة 900 أطروحة أمام مجلس من القساوسة والحكماء في اجتماع كان من المفترض أن يعقد في روما لكن هذا المجلس لم يجتمع قط).

2. لقد كانت حياة بيكو قصيرة، وتكشّفت لنا قدرته الإبداعية في حيّز قصير جدا بل في أشهر معدودات. وقد كانت أحداث الإصلاح الديني هذه وتيارات الصدّ التي واجهته موسما استثنائيا غيّر وجه أوروبا نهائيّا في فترة قصيرة الأجل.
ولد جيوفاني بيكو ديلا ميراندولا في 24 فيفري 1463 في قصر أو قلعة ميراندولا، اتجه إلى بولونيا لدراسة القانون، في سن الرابعة عشر لكنّه انتقل إلى فيرارا على إثر وفاة والدته في شهر أغسطس من سنة 1478، في شهر ماي 1479 لدراسة الفلسفة. وفي أكتوبر 1480 انتقل إلى بادوفا ، حيث عمّق من معرفته بالفلسفتين الأرسطية وأيضا الرشديّة، وتمّ إطلاعه على علم القابالا اليهوية. وانتقل بعد صيف عام 1482 ذهب الى بافيا، حيث أثرى معرفته بعلم المنطق. وفي هذه الأثناء نضج لديه تشبع بالفكر الإنساني الآتي من منبته في فلورنسا. وتعرف آنذاك على العالم الجليل مارسيليوس فيسينيوس.
وجد بيكو نفسه في وضعية مالية واقتصادية مريحة مع موارد مالية هامة بعد أن حل كل الالتزامات العالقة مع اخوته في علاقة بميراثه. مما سمح له بأن يشعر بحرية الانصراف لمتابعة اهتماماته الفكرية. وقد أتم تكوينه برحلة الى باريس وتحديدا إلى جامعة السوربون. وقد سمح له تكوينه ذلك أكثر من أي مفكر آخر في زمنه بمعرفة التيارات الثقافية وأهم المؤثرين في الثقافة الأوروبية.

3. وقد كانت سنة 1486 لبيكو ديلا ميراندولا سنة استثنائية. ففي مارس (آذار)، عاد من باريس إلى فلورنسا وقد بلغ ربيعه الثالث والعشرين، ليكون بين أصدقائه،”لورنزو دي ميديسيس بوليزيانو“و”مارسيليوس فيسينيوس“.
ثم غادر إلى روما في 8 مايو. وبعدها بيومين تحول إلى أريزو وقد حاول في الاثناء خطف”مارغريتا زوجة من جوليانو دي ميديسيس “في فراتا التي تقع بين بين بيروجيا وتودي، مما تسبب في فضيحة كبرى.
ودخل حينها في مرحلة قوامها التخفي الذي لم يكن دون ان يحمل معه قسطه من الإثراء لتجربته. ثم بعد عدة أشهر من الصمت، وانطلاقا من شهر سبتمبر من نفس السنة، أصبحت المراسلات تقدم لنا بعض الأخبار عنه. كما اكتست ثلاث رسائل من تعود إلى تلك الفترة أهمية في المساعدة على فهم له”المناظرة“.
كان بيكو يراسل مارسيليوس فيسينيوس للتحدث معه بحماسة عن دراسته اللغوية وتضلع الكلدانيين في الحكمة، وحبه لأفلوطين.
ويمكننا أن نذهب إلى أن كتابة قسم من المناظرة يعود إلى هذه الفترة الأولى كما يتضح من خلال القوانين البلاطية 885. وتعود صياغة المناظرة أيضا إلى جانب ذلك إللى فترة تقرر فيها عقد اجتماع في روما.

ويبدو أن اللقاء هو منتدى سيجمع عددا كبيرا من رجال الدين والفلاسفة وشخصيات الكنيسة الهامة أراد بيكو من خلاله أن يستردّ شرفه ويلتحف بزي المجد ويقترح على النقاش مجموعة من 900 أطروحة يقدم فيها موجزا عن سعة اطلاعه على معارف عصره. وكان للمناظرة أن تكون حينها”للخصومة الرومانية“.
وفي 15 أكتوبر كتب رسالة طويلة إلى أندريا كورنيو Corneo. تناول فيه أحداث شهر ماي (مايو) الماضي. واعترف بأنه أخطأ متألّما لما أتى من أفعال. لكنه لم يكن يحاول الدفاع عن نفسه في موضع كان سيعتذر فيه غيره عمّا لم يعتذر هو عليه. بل اختار أن يدافع عن مهمّته الفكرية والفلسفية، وخاصّة عن دوره الاجتماعي.

وأعلم في 10 نوفمبر، أحد أصدقائه المغمورين أن أطروحاته قد بلغت التسعمائة أطروحة. وانضاف بذلك إلى المناظرة قسم أخير استوحاه بيكو من النصّ الإنجيلي:”أنا أعطيك سلامي، أعطيكم سلامي أترك لكم السلام.“لقد احس بيكو بكثير من الحماسة أن عمله من شأنه أن يساهم في تحقيق السلام في عالم منقسم.

إن هي إلا حماسة تأويلية، وإن هو إلا عمل فلسفي ولاهوتي (دون تعارض بين الاختصاصين).
إنها حماسة تقوي السكينة الفردية أو الداخلية وتخدم السلم الجماعية أو الخارجي: إذن هذه هي المحاور العامة التي تناولها هذا النص الأصلي عندما اضطر للعزلة.
وانضافت إلى هذه المحاور محاور أخرى، لعلها طرحت نفسها على بيكو عندما وصل إلى روما ومنها المحور الرابع: الدفاع عن مشروعه ضدّ ردود واتهامات كان بيكو قد أعدّ نفسه للتعرّض لها لكن لم يستعدّ لأن تكون على تلك الدرجة من الحدّة والمنطق الهدّام.

4. ثم ذهب كما ذكرنا آنفا في 7 ديسمبر إلى روما وكانت أطروحاته قد نشرت آنذاك. وجاءت ردود الفعل مخيبة للآمال. فقد حظر البابا”إينوشينزو الثامن“في بداية سنة 1487 طرحها على النقاش العام. وفي 29 فبراير 1487 عينت لجنة من المطارنة والأساقفة اجتمعت بين 2 و 13 مارس. وشارك حينها بيكو في الجلسات، ولكن لمدة خمسة أيام فقط. وقد أدينت سبعة من أطروحته، وطرحت ستة للرقابة بل للمنع. وفي ربيع عام 1487 أعد بيكو بسرعة”اعتذارا“ونشره. أماّ المناظرة فلم تنشر إلاّ سنة 1496 بعد وفاته مع نصوص أخرى وقد تولى نشرها بواسطة جان فرانشيسكو ابن أخيه. وقد حوكم بيكو وأدين من أجل بعض من اطروحاته، وأجاب”بالاعتذار“. ويكتسي نص الاعتذار أهميّته من كونه يحسن التمييز بين مستويات مختلفة من اليقين.ويكتسي هذا النصّ أهميّة كبرى لأنّ بيكو يدافع فيه عن

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This