خواطر ليست للنشر
هاتفني أحدهم عاتبا: أين أنت يا شيخ العرب؟ ماذا دهاك؟ أتحفنا أتحفك الله. وأنت المثقف الفهيم. أعز الله بك الاسلام والمسلمين. ونفعنا بعلمك وتقاك الى يوم الدين. اللهم آمين. اللهم قلنا شر الموبقات والمغازلات في هذا الشهر الفضيل. قلت له بأني أتنقل بين عدة كتب دفعة واحدة لأننا كما تعلم بحاجة أحيانا الى قراءات خفيفة ظريفة بعد القراءات الصعبة العويصة. لا ينبغي أن تكون مرهقة ولا ملزقة. وينبغي أن تكون متنوعة لكيلا يمل المرء ويضجر.. أولها كتاب “نقد العقل الخالص” للفيلسوف الشهير كانط. صرخ بي متعجبا :ويحك يا رجل! هذه وجبة فكرية ثقيلة جدا وعسيرة على الهضم . وأخشى ما أخشاه أن ينقلوك الى المستشفى فورا.. قلت له: معك حق. في الواقع أني لا أتجرأ على قراءة الكتاب بشكل مباشر وإنما أقرأ عنه تلخيصات وشروحات تبسيطية. هل تعلم بأنه موجود على طاولتي منذ ثلاثين سنة وأنا لا أتجرأ على فتحه مجرد فتح خوفا من الاصابة بانهيار عصبي أو جلطة دماغية؟ إنه من أصعب الكتب وأكثرها جدية ووعورة في تاريخ الفلسفة. إنه واحد من أربعة أو خمسة كتب. هناك أيضا رائعة هيغل: “علم تجليات الروح والفكر عبر العصور” أو الفينومينولوجيا. كم قرأت عنها من شروحات وتحليلات. بل وحتى كتاب ميشيل فوكو “الكلمات والأشياء” بقيت عدة أشهر أحوم حوله دون أن أستطيع الولوج اليه. وفجأة فتح الله على قلبي فوجدت المدخل وانخرطت فيه بكل فرحة واستمتاع. إنه كتاب هائل شكلا ومضمونا، قلبا وقالبا. حتى هابرماس اعترف بأنه كتاب عبقري. قال لي: يبدو أن الغرور أخذ بتلابيبك وبلغ بك مبلغه. تواضع قليلا أيها المتغطرس الجاهل! هل تريد ايهامنا بأنك ابن سينا العصر؟ اخجل على حالك والزم حدك. فرحم الله امرءا عرف قدر نفسه. قلت له: أقسم بالله العظيم حصلت معي هذه القصة في باريس منذ أكثر من عشرين سنة وقبل أن أطلع على قصة ابن سينا الرائعة مع كتاب أرسطو. هل قرأتها؟ يبدو ذلك. يا الهي من أجمل ما يكون. لقد استغلق عليه كتاب “الميتافيزيقا أو ما وراء الطبيعة” سنوات وسنوات وقرأه أربعين مرة دون أن يفهمه. فكره حاله ومل من نفسه واعتقد أنه غبي وهو عبقري زمانه. حتى فتح الله على قلبه عندما وقع بالصدفة على شرح الفارابي له. وعندئذ انحلت عقدة في نفسه وانفتحت له معاني الكتاب على مصراعيها. وكانت فرحته عارمة لا تصدق. هل تعلم ماذا فعل عندئذ؟ لقد خرج كالمجنون من داره وذهب الى المسجد مباشرة وسجد لله ركعتين شاكرا ووزع المال على الفقراء في الطرقات كيفما اتفق. قصة ولا أروع. إنه الكشف والتجلي يا صديقي. إنها اللحظة التي ينتظرها معظم الطامحين ولكن هيهات. فلا تعطي نفسها إلا إلى صفوة الصفوة أو نخبة النخبة. واحد أو اثنين كل قرن أو قرنين. وأنى نحن منهم؟ وهذا ما فعله ديكارت أيضا عندما تجلت له الحقيقة في ليلة ليلاء(10 نوفمبر 1619) بعد أن كاد يفقد عقله. فشكر الله على ذلك وذهب الى ايطاليا لتقديم آيات العرفان للقديسة “نوتردام دو لوريت”. هكذا تلاحظ أن أبا العقلانية الحديثة ومؤسسها لم يكن عقلانيا الى الحد الذي نتصوره. لقد كان يؤمن أيضا بأشياء خارقة تتجاوز العقل! علاوة على ذلك فاني أستمتع كل الاستمتاع بقراءة كتاب آخر يتحدث عن “نيتشه ناقدا لكانط”. وأنت تعلم أنه عندما يتناطح فيلسوفان كبيران فإن المنظر يصبح مثيرا للمشاهدة أكثر من مباريات كأس العالم للمصارعة من الوزن الثقيل. محمد علي كلاي وسواه.. وربما تعلم أيضا بأنه عندما يحمل نيتشه على شخص ما فإنه يسحقه سحقا ويحطمه تحطيما.ولك أن تستمتع عندئذ وتضحك بملء شدقيك. إنه يفكك كانط تفكيكا ويتلاعب به على أصابعه الخمسة كما يشاء ويشتهي. إنها متعتان اثنتان لا متعة واحدة: متعة الفهم ومتعة المصارعة الحرة على طريقة نيتشه. من المعلوم أن كانط هو مؤسس الفلسفة النقدية في الفكر الاوروبي وأن نيتشه الذي جاء بعده بمائة سنة ذهب في النقد الراديكالي إلى أقصى أقصاه ولم يترك حجرة على حجرة في الأنظمة الفكرية السابقة. كانط بالنسبة له شخص خجول أو حتى خداع ومراوغ. إنه لم يذهب في نقد المسيحية إلى مداه الأخير ولم يستأصلها من جذورها كما كان ينبغي أن يفعل. لقد طرد الدين من الباب لكي يعيده من الشباك. وهذا ما لن يغفره له نيتشه أبدا. نيتشه يفكك كل شيء. لا يسلم من شره أحد. أكاد أقول نيتشه يجبّ ما قبله. أليس هو القائل: أنا لست انسانا، أنا الديناميت! لا تطلب مني أن أشرح لك مضمون الكتاب فهذا يتطلب صفحات. وويلٌ لمن يقع في براثن نيتشه!
بالمقابل سوف أتوسع في الحديث عن كتاب جديد جلبته معي من باريس وأنا عائد الى المغرب بعنوان: “قاموس محب للعلمانية”. أكاد أسمعهم يولولون صارخين: يا الهي لماذا تروج للعلمانية؟ لماذا تروج للكفر والإلحاد؟ وأرد فورا: هنا تكمن الطامة الكبرى: انهم لا يفرقون في العالم العربي بين العلمانية/ والالحاد! وهما شيئان مختلفان ومتباعدان عن بعضهما البعض بعد السماء عن الأرض. الإلحاد هو ذلك النظام التوتاليتاري الذي فرضه جوزيف ستاين على الاتحاد السوفياتي حيث اضطهد الأديان والمتدينين من كل الأنواع والأصناف. بل ومنع ممارسة الشعائر والطقوس أو الذهاب إلى الكنيسة يوم الأحد أو إلى المساجد يوم الجمعة، الخ.. هذا إلحاد حقيقي، هذا كفر محض. أما العلمانية فتفعل العكس تماما. إنها تحمي كل الأديان والمذاهب المتواجدة على أراضيها وتؤمن للجميع أداء الطقوس والشعائر إذا شاؤوا. ولكنها لا تجبر أحدا على التدين إذا لم يشأ. إذا لم تكن راغبا في الذهاب إلى الكنيسة فلا أحد يجبرك على ذلك ولا أحد يستطيع أن يضطهدك إطلاقا اذا لم تذهب. ولا تفقد وظيفتك أو عملك لأنك غير متدين ولا يستطيع جارك أن يشي بك أو يهددك أو ينظر اليك شذرا. هذه مسألة شخصية بينك وبين ربك وهو وحده الذي يحاسبك عليها يوم القيامة. هذه هي العلمانية. إنها الحرية الدينية بكل ما للكلمة من معنى. إنها أرقى نظام توصلت اليه البشرية على مدار تاريخها الطويل. يضاف إلى ذلك أن النظام العلماني لا يفضل دينا معينا على بقية الأديان أو مذهبا معينا على بقية المذاهب المتواجدة في الدولة كما تفعل الدولة الثيوقراطية الطائفية القديمة التي سادت العصور الوسطى ولا تزال سائدة في أنحاء شتى من العالمين العربي والإسلامي. فمثلا الدولة الفرنسية الحديثة لا تعطي أي امتيازات للدين المسيحي أو للمذهب الكاثوليكي على الرغم من أنه يشكل تسعين بالمائة من الشعب الفرنسي. فالمذهب البروتستانتي الذي لا يشكل إلا اثنين في المائة له نفس الحقوق. بل وحتى الاسلام أو اليهودية لهما نفس الحقوق. الدولة الفرنسية العلمانية تتخذ موقفا حياديا كل كل الأديان والمذاهب المتواجدة على الأرض الفرنسية. إنها تحترمها كلها دون أن تجبر أبناء الأقليات على اعتناق الدين الغالب أو المذهب المسيطر. إنها لا تعتقد بوجود الفرقة الناجية (أي المذهب الكاثوليكي البابوي) وبقية الفرق والأديان في النار! هذا شيء عفا عليه الزمن في بلاد الحداثة والعلمانية وحقوق الانسان والفلسفة التنويرية برمتها. ولكن هذا ما كانت تفعله الدولة الثيوقراطية الأصولية التي كانت سائدة في فرنسا طيلة العصور الوسطى قبل انتصار التنوير والثورة الفرنسية والعلمانية. وبالتالي فالدولة العلمانية تناضل ضد دولتين: الدولة الإلحادية الشيوعية، والدولة الثيوقراطية القديمة سواء أكانت طائفية أم مذهبية. أرجو أن نكون قد فهمنا معنى كلمة علمانية في العالم العربي. وإذا لم نكن قد فهمنا فإن هذا الكتاب الضخم بصفحاته التسعمائة يساعدنا حتما على ذلك. وهو من تأليف الباحث الفرنسي المحترم “هنري بينا – رويز”. الكتاب صدر قبل أسابيع في باريس عاصمة النور والأنوار. وهو يشبه القاموس الموسوعي ويحتوي على عشرات المداخل أو المواد. فالمؤلف ينتقل مثلا من مادة بعنوان مصطفى كمال أتاتورك، إلى أخرى بعنوان ابن رشد، إلى ثالثة بعنوان فولتير، إلى رابعة بعنوان التزمت، إلى خامسة بعنوان الظلامية الدينية، إلى سادسة بعنوان هيغل، أو ايمانويل كانط، أوسبينوزا، أو جان جاك روسو، الخ،الخ.. مئات المواد تتوالى وراء بعضها البعض. وأنت تنتقل من واحة الى واحة، ومن بستان الى بستان دون أي ضجر أو ملل.. أقول ذلك وبخاصة أن المؤلف يسيطر على موضوعه سيطرة كاملة. فهو مختص به وله فيه باع طويل عريض. وهذه ميزة الكتب المؤلفة من قبل خبراء محترفين لا هواة. بالمختصر المفيد يرى المؤلف أن الأصوليات الدينية المتعصبة أصبحت مقلقة في عالم اليوم بل وتشكل خطرا على السلام العالمي. وفي مواجهتها لا نملك إلا سلاحا واحدا: العلمانية بالمعنى الفلسفي والروحاني الواسع للكلمة. فهي وحدها القادرة على جعل كل الأديان والمذاهب تتعايش بسلام وأمان ومحبة داخل نفس الشعب ونفس المجتمع ونفس الدولة. نعم إن النظام العلماني الروحاني الانساني يحمينا من هيجان الأصوليات الزاحفة أيا تكن. ويمكن القول أنه في مواجهة داعش وأخواتها لا حل لنا إلا بفكر عربي علماني حديث. فهو وحده القادر على المصالحة بين الاسلام والحداثة، أو بين الأصالة والمعاصرة. وأعتقد أن هذا الكتاب الموسوعي قادر على توسعة آفاق القارئ العربي إذا ما اطلع عليه. وبعد قراءته سيصبح حتما من أنصار العلمانية التي لا تعادي الدين اطلاقا وإنما التعصب الديني فقط أو الإكراه في الدين. وشتان ما بينهما!
أخيرا سوف أقول لك بأني مشغول بمطالعة كتاب لا أتجرأ على البوح باسمه لمخلوق على وجه الارض. بل وأقرؤه بشكل سري تحت اللحاف تقريبا لكيلا يراني أحد. سأل بلهفة: يا إلهي أ إلى هذا الحد؟ مش معقول. رجاء قل لنا ما هو؟ أجبته: مستحيل لا تعذب نفسك. قال مستعطفا: طيب فقط شذرات، همسات ولمسات؟ رددت عليه بعنف: يبدو أنك شخص ملحاح وقليل الأدب. فعلا إنك شخص مزعج الى أقصى الحدود. يا أخي اتركوا الناس مرتاحين، مستورين! هل تريد أن أفقد كل أخلاقياتي وسمعتي الشخصية الى الأبد؟ انفجر بقهقهة عارمة: يا رجل لا تعقد الأمور أكثر من اللزوم: أخلاقياتك أصبحت مكشوفة ومنفوشة، وسمعتك في الحضيض.ولن تخسر شيئا لا تملكه. ألم تسمع قول الشاعر: أنا الغريق فما خوفي من البلل؟ قلت له: طيب أحرجتني. فقط أذكر العنوان واسم بعض الفصول. بعد أن استخرت الله وعددت على العشرة تجرأت على الإفصاح عن هوية هذا الكتاب الخطير الذي أستمتع به في خلواتي السرية. إنه باختصار شديد يتحدث عن “آداب النكاح في الاسلام”. وهو من تأليف شيوخنا الأجلاء الأفاضل. ولا أعرف لماذا أخجل منه أو به بدلا من أن أفتخر! وقد فوجئت بمدى الانفتاح الفكري وسعة الصدر في معالجة موضوع حساس كهذا الموضوع.ةوأنا أشكرهم كل الشكر على إسقاط الكثير من التابوهات والمحرمات التي تشل الحياة العربية شللا.فعلا بعض المشائخ ابتدأوا يتحركون ويتطورون في الاتجاه المناسب. ابتدأوا يستجيبون لمطالب الشباب المعاصر. الكتاب مثلا يتحدث بكل جرأة و لكن بحشمة أيضا عن “ملاعبة الزوج لزوجته”، أو “استمتاع الزوجين بواسطة الوطء” وليس فقط الزوج، أو “نكاح الأبكار الحسان”.. لاحظوا العنوان الأخير. إنه أجمل من قصيدة شعر!! كما ويتحدث عن شرعية النكاح، وأوضاع المضاجعة الشرعية، وما ينبغي أن يحصل قبل المضاجعة، وعن الغنج وتدلل الزوجة لزوجها.. بل ويسمح لنا بمص لسانها أثناء التقبيل، وأشياء أخرى لا أتجرأ على ذكرها حتى ولو قطعوا رأسي
