عزيز العظمة سوريّة والصعود الأصولي: الأصوليّة والطائفيّة والثقافة (3/3)

7- ألا تعتقد أنّ هذه الأشكال الأصولية الجديدة الّتي تحركت من الهوامش وامتزجت بالحراكات الشعبيّة أنّه يقف وراءها عامل (من بين عوامل عدّة كنت قد ذكرتها في الحوار) هو غياب الانضباط في الحراك الشعبي وغياب قيادات مثقفة، بل واختلاط الأصوات المثقفة مع المدّ الأصولي؟ لقد كان هناك إصرار من الشارع المثقف منذ البداية على عاملين: الأول، عدم اعتراض ونقد الأصوليّة، طالما أنّ المعركة ليست معهم «الآن»، بل مع الأنظمة الاستبداديّة؛ والثاني، إصرار شديد على غياب أي قيادة مثقفة أو حتّى منظمة، طالما أنّ هذه الحركات هي حركات الشارع، حركات شعبيّة، لا حركات نخب (وأنا في ذهني الآن برهان غليون)…الخ. ألم يمثل هذا أحد نوافذ المدّ الأصولي؟

 

 

– نعم، بالطبع. إنّني أزكيّ ما تقوله أنت وأشير إلى نقاط قد قيلت بنفس المعنى وبدقّة في سياق هذا الحوار. إنّ اختلاط الأصوات المثقفة مع المدّ الأصولي هو واضح في العديد من الحالات، والقليل من المعارضين سعى إلى إبعاد نفسه عن الغموض في هذا الخصوص. البعض قام بهذا، البعض على الأرض، وآخرون في المعارضة خارج سورية، والبعض أيضاً في المجلس الوطني والائتلاف الوطني حالياً وسابقاً ودفعوا ثمن ذلك مما تأتىّ عن الإخوان وبالطبع داعمي الإخوان. لقد أصبح التردد في نقد الأصوليّة في السنوات الأخيرة مرضاً، وتضخم على نحو كبير حيث كان هناك إصرار على «وحدة المعركة» و«وحدة الصفّ» والجدال الفارغ حول أنّ العلمانيّة هي لعبة الاستبداد وتحيز للأسد، وأنا لست متأكداً تماماً ما إذا كان المعارضون حقًّا يعتقدون بهذا وبأنّهم لا يدركون أنّ القوى الأصوليّة ستصبّ عليهم كلّ جام غضبها إذا ما استطاعت. لا بل بالفعل قد فعلت ذلك. اختطاف رزان زيتونة وسميرة الخليل يجسدان مثالاً على ذلك من بين العديد من الأمثلة. «الجهاد في سبيل الله» ليس معركة الحريّة ضدّ الاستبداد. نفس الحجّة القديمة: أنّ «الشعب» أو الشارع له طبيعة وميل دينيٌ بالسليقة ولديه نزوع فطريٌ لمقاومة التّطور. وهناك أيضاً فكرة ساذجة للغاية عن الديمقراطيّة كتدفق عفوي وعضوي للأمّة وليس تنظيمًا سياسيًّا وعملية اجتماعيّة وسياسيّة. والقادة والمثقفون السوريون لا يرغبون عمومًا أنْ يقودوا بالمعنى الحقيقي للكلمة: استخدام الأموال الموجودة، نعم، والقيادة من الخلف، نعم، لكن ليس قيادة بالمعنى الحقيقي. إنّ الوحيدين الّذين يمارسون القيادة ويستبدون بالقيادة هم الأصوليون المسلحون، وإنّي أنظر بأسى لما حصل للجيش السوري الحرّ على الأرض وعلى يدي “القيادة السياسيّة” والقوى الخارجيّة الداعمة لها.

 

 

ومرّة أخرى، نعم، غياب القيادة المثقفة والمسيسة هي عنصر هامّ هنا. وهذا يشكل إلى حدّ كبير نتيجة لسياسة منهجيّة من قبل النظام، نفذها منذ بداية الحراك، بالقتل والاعتقال أو النّفي لتلك العناصر، وتقطيع البلاد إلى جيوب أمنيّة الّتي حالت دون ظهور سياسات وطنيّة جامعة. إنّ السياسات الّتي صيغت إلكترونياً، كما عكستها شعارات أيّام الجمعة في البداية، أصبحت بسرعة احتكارًا للإخوان المسلمين، الّذين وضعوا المزيد من الدين في المحتوى وقاموا على زخرفة وتشويش الحراك على مقاسهم.

 


ولكن مرة أخرى، لا بدّ لي من الإصرار على نقطة كنت قد أشرت إليها دائمًا. لا يوجد هناك حركة ناجحة، ولا يمكن أنْ يغدو تيّار مّا مركزيًا، إذا افتقر إلى الوسائل اللوجستيّة والتنظيميّة. و هناك تمويل كبير للحركات الأصوليّة.

 

8- هل هناك من شيء ترغب بإضافته بما يخصّ مسار الصعود الأصولي في البلاد العربية، وبالتحديد في سورية؟

 

– إنّه من الصعب التنبؤ بالنتائج، بالنظر إلى النسيج المعقد للعمليات المحلية من الاضطراب الاجتماعي والسياسي والتّصحر الثقافي ووجود المنظمات ذات البُنى التحتيّة الكبيرة الّتي تساعدها وتقويها وتشدّ من أزرها مجموعات متنوعة من الجهات الفاعلة، المحليّة والعربية والدوليّة. بشكل واضح، لا يمكن، من النّاحية الموضوعيّة، أن تحل مشاكل سورية من قبل السوريين، ولا حتّى مشاكل العراق أيضاً من قبل العراقيين، حيث دمرت تلك البلدان إلى درجة كبيرة من الهشاشة وعدم الاستقرار مع آفاق غير واضحة، إنّها هشاشة وعدم استقرار تتواطأ فيهما العناصر المحليّة والخارجيّة، وكل منهما يعزز نقاط الضعف في الآخر.

 

كل ما يمكن قوله هو أنّ هذه الحروب المتعددة، الأهليّة منها وغير الأهليّة، في سورية ستستمرّ، ومن غير المرجح أنْ تكون قصيرة أو أنْ يظهر تحسّن أو استقرار في الفترة القريبة القادمة. والأسوء هو تقوية الوضع الأصولي، وتفاقم العمليات الجارية على الأرض الّتي نوقشت أعلاه. في نهاية المطاف، فإن النتيجة ستعتمد على الفائزين: إذا كان هناك فائزون، إذ أنّ الحديث عما تبقى بعد استنفاد كل الأطراف والبلد الّذي فقد الآن أكثر من نصف سكانه والجزء الأكبر من بنيته التحتيّة (الخسارة حتّى عام 2014 تقدّر بـ 145 مليار دولار)، والّذي لم يعد له، في نهاية المطاف، من أهميّة بحدّ ذاته، وفقد كونه مكانًا، مع أجسام وطنيّة تمّ اقتلاعها أو تمزقت جسديًا؛ النظام التعليمي ضمر وهزل، لا بل لم يعد له وجود في العديد من أجزاء البلد، مع تفشي الأمراض الّتي كان قد قضي عليها وارتبطت بالتخلف والفقر، وتدهور النواحي الأخرى من الصحة العامّة (هبط معدّل السّن لدى الوفاة إلى 55،7 عام 2014)، وهجرة ما زاد الآن على نصف الـ 36،000 طبيب العاملين فيها. كما أنّه سيتسارع الميل إلى فقدان البلد لمواطنيه الواعدين. المقارنة النهائيّة، في هذه النواحي ونواح أخرى بما في ذلك الانحدار الاجتماعي والثقافي، هي المقارنة مع أفغانستان والصومال واليمن.

 

 

ما تبقى من سورية هو الموقع الجغرافي بالحدود المعترف بها بموجب القانون الدولي، والمفاصل الداخليّة منها -الاجتماعيّة والإقليميّة والاقتصاديّة والسياسيّة- أصبحت، إلى حدّ كبير، مدمرة ومنعزلة عن بعضها البعض. كما أنّ الانجراف الأصولي هو على حدّ سواء من أعراض هذا الدمار وعنصر لاستفحاله، ويمثل اضطرابًا قاتلاً للاتّجاه التاريخي الّذي اتّخذته البلاد لأكثر من قرن ونصف. إنّنا ومع هذا التعليق ننتقل بالدائرة ونرتبط ببداية الحوار الّذي شرعنا به.

 

دعني أستجمع في هذا المقام خيوط ما سبق وأن قلت، وأن أقترح تصورًا لما أرجح أنّه سيحصل في سورية في المستقبل، أن أستجمع الخيوط وأحرّفها على أسس الناظم الأساسي لها، وهو الوضع على الأرض، و على الصورة المتجلية الآن، أي في نهايات نيسان 2015. و إنّني أجازف هنا، و تعزّ عليّ المجازفة السوداوية بتوقّع ما كان لوقت قريب عصيّ على التصوّر و ما هو أبشع ما يمكن تصوّره. قد يكون في ذلك انتصارًا للتجربة على الأمل؛ و لكنّ ثمّة سلوى قابعة في أمل غير واضح المعالم وقائم على إدراك تعقّد الوضع في سورية وفي المجالين العربي والعالمي، ووجود متغيّرات قد تتسارع وتقلب من الوجهة الّتي تسم ديناميّت الوضع الحالي: تحوّل نوعي مستديم في التوازنات العسكريّة غير المستقرّة، تحوّل نوعي في السياسات الدولية.

 

 

 إنّ سورية بلد اقتلع: وحدة جغرافيّة اقتلع ما فيها من مجتمع بعد أن بادر النظام إلى تحويل نفسه إلى قوّة احتلال غداة سوء الاستجابة للأزمة السورية والحراك الّذي نجم عنها، غداة فشل رئيس الجمهوريّة في الاستجابة واختياره اللّجوء إلى سياسة صفرّية- وكأنّه أراد أن يؤكد لنفسه وغيره أنّه ابن أبيه بل وأكثر من ذلك. وفي ذلك حصاد لما زرعه النظام على امتداد ما قارب الآن نصف قرن.

 

سورية بلد مقتلع خراب وأطلال يسمع فيه عزيف النظام وداعش وصدى البوم والرصاص، تتناهشه الضباع وتتناهش حوله. ولذلك فإنّني لا أفهم الباعث على صياغة المشاريع الّتي تفترض أنّه بالإمكان إعادة الإعمار إنطلاقًا من الصورة الّتي كانت سورية عليها عام 2011، مع بعض التعديلات القانونيّة والدستوريّة والإداريّة. لا مستقبل لسورية كبلد إلاّ إن أعيد اختراعها أي إعادة تكوينها في انقطاع مع ماضيها القريب والبعيد باستخدام المادّة البشريّة وغيرها الّتي تبقت، أي أنّ المنطلق سيكون الواقع الديموغرافي الناتج عن الحروب الأهليّة السورية والتصدّع الّذي ضرب البلد : قلت إن سورية كادت أن تصبح لا-مكانًا، وأعني بذلك إن الروابط الأفقيذة والعموديّة الّتي شكل تقاطعها الكيان الوطني السوري قد تقطعت: الروابط بين المناطق والفئات الاجتماعية (وهي غير مقتصرة على الطوائف والإثنيات) والنشاطات الاقتصادية والبنى التحتية والمتون والهوامش. هُجّر أكثر من نصف السكان داخل الوطن وخارجه نتيجة للحروب- حروب الاحتلال الّتي شنّها النظام، والحروب الأهليّة – وسياسة الأرض المحروقة واستمرار النظام في تفريخ الفئات الجهاديّة ورعاية الأصوليّة والقبَليّة في المجتمع، وبوادر سياسة تحوّل ديموغرافي قائم على التهجير و الاستيطان، إضافة إلى خسارة سورية العناصر الأكثر تعلمًا وتأهيلاً وقدرة وثقافة، معطوفة على انهيار عميم للنظام التربوي عدا في بعض المناطق الّتي استعيض بها عن الانهيار بالتقهقر والعفن. ليس غريبًا عن جوّ الجهالة والتجهيل البدائيين هذا ما صرّح به دون خجل بيّن أو مستتر مفتي الجمهوريّة العربيّة السوري غداة اجتياح الجهاديين لمدينة جسر الشغور. قال المفتي محمد حسّون أنّ الجيش السوري انسحب بسبب دخول شهر رجب لأن القتال فيه حرام.

 

هذا مع تداخل الإسلام الأصولي والجهادي مع سقوط الأنظمة وتنظيم الفوضى، وشبكات الإرهاب مع أنابيب ومنابع النفط وأزمة الغرب مع مهاجريه، وشبكات الاتّصال العالميّة، وأجهزة المخابرات المختلفة، والعشائر المتجدّدة، وفساد المقاومة، والهويات القاتلة والخطابات السياسيّة المتقادمة. الحاصل أن أيّ تفكير في مستقبل سورية ينبغي أن ينطلق من هذه المعطيات وليس من وهم الاستمرار في عمليات سياسيّة فقدت أسسها البنيويّة والديموغرافيّة، فقد أضحت أجزاء كبيرة من سورية مجرّد مواضع ونقاط تقاطع الطول والعرض دون عمران: أشكّ في أن المهجرين سيعودون، والأرجح أنّهم سيصبحون بروليتاريا رثّة شاملة للمنطقة. وإذا استثنينا غزو عربي- عالمي لسورية (أو نصر للميليشيات الجهاديّة المدعومة تركيًّا و خليجيًا، تتلوه مذابح طائفيّة) تال لتضعضع الموقف العسكري للنظام في ربيع 2015 واهتزاز إيران بعد قصف الحوثيين، فإنّه لن يتبقى لدينا من قوى تقوم على إعادة اختراع سورية إلّا القوى في مناطق سيطرتها حيث تدار الفوضى، مع شيء من الأخذ و الرّد والكرّ والفرّ مع قوى النظام. بموازاة ذلك لدينا النظام، ولكنّه أصبح الآن نظامًا تكاثرت عناصره الداخليّة ومراكز السّلطة فيه ولذلك فإنّ أيّة تسوية قد تؤدي إلى إعادة اختراع البلد تقتضي إرضاء القوى الّتي أنقذت النظام: الشبيحّة، وإيران، والميليشيات الأجنبيّة في سياق نظام ميليشياوي مافيوي، والوسائط في التعاملات الاقتصادية (كالنفط بين داعش والنظام بوساطة السيّد جورج حسواني). هناك بوادر لإسكان العناصر الميليشياوية المعبأة طائفيًّا في دمشق القديمة، وتشييع بعض ضواحي لدمشق وغير دمشق. والمرجح أن تتمّ عمليّة تشييع لبسطاء النّاس الباقين في مناطق أساسية من البلاد، ولم تفت بعض قادة الميليشيات تذكيرنا بأن جلّ سورية كانت شيعيّة حتىّ العصر الأيوبي (بِنِحَل مختلفة). ليس لي اعتراض على التشييع، و على تبديل الإنسان لدينه أو الإنخلاع عن الدين بالكليّة، ولست معنيًا بكون أكثريّة سورية سنّية أم شيعيّة. إعتراضي على جعل سورية سنيّة أو شيعيّة، أي على أنْ يُجعل للوطن نِحلة. فلا أريد لسورية أن تكون هذا ولا ذاك إذ أن ما أريد لها هو أن تكون سورية لا يصفها دين ولا تصفها نحلة أو طائفة. أمّا شكل النظام المتحوّل والمعتضد بالميليشيات والشبيّحة، فإنّ صورته ستعتمد في تصوري على من سيربح الصراع على سورية داخل إيران وبين أجنحة النظام الإيراني، وذلك بعد أن يقرر أرباب القصر في دمشق التّخلي نهائيًّا عن المناطق الشرقيّة وبعض الشماليّة والجنوبيّة لمن هو قادر على الاستبداد بها. قد تتّخذ البلد الواحد من شكلين: إمّا دولة ذات مظهر علماني، مع طابع أهلي ذي غالبيّة شيعيّة (والافتراض هنا هو أنّ المهجرين لن يعودوا- انظر مثال حمص- بل سيتبددون)، وإمّا دولة تلتزم ضوابط الحرس الثوري الإيراني. إن ما قاله بشّار الاسد يوم 8/5/2015 لهو ذا دلالة على معرفته بدستور بلاده وبفهمه للتناظر الدستوري مع إيران. فهو ادّعى أنّ الدستور السوري ينصّ على كون الشريعة مصدرًا أساسيًا للدستور (وهذا غير صحيح: إن الدستور السوري النافذ يعتبر الفقه الإسلامي أحد مصادر التشريع، والبون بين الاثنين واسع)، ووجد في ذلك مقابلاً فيما يتعلّق بشكل الحكم لمبدأ ولاية الفقيه www.youtube.com/watch?v=y1m3Bk6w7y4

 

 

بدلاً من أن يكون الإسلام، كما يحلو للبعض أن يتصوّر، بلسمًا للعالم، وحلاً لمشاكله جمعيًا، نجد أنفسنا اليوم وبعد عقدين من الغلو والتّمدد العالميين في وضع أضحت فيه الكثير من ممارسات وتصورات هذا الدين مشاكل في كل مكان، إنّه مشكلة للمسلمين وللآخرين، وبالفعل خطر في كل مكان، وهو الأمر الّذي يتطلب، بشكل واضح وواضح جدًّا، وفيما يتجاوز الخطابيّة والكلام العاطفي والحماسي الاعتذاري و التبريري، تدخلاً جماعيًّا. صحيح أنّ الإرهاب ليس مقتصراً على المسلمين، وأن التفجيرات الانتحاريّة تمارس من قبل آخرين كذلك- الكاميكازي kamikaze في الحرب العالمية الثانية أو سناء محيدلي العضو اللبنانيّة في الحزب القومي السوري الّتي فجّرت نفسها مع الجنود الإسرائيليين في جزين سنة 1985 أو فتاة نمور التاميل الّتي اغتالت بحزام ناسف رئيس وزراء الهند راجيف غاندي في عام 1991؛ ودعنا لا ننسى آرين ميركان الّتي فجّرت نفسها لإزالة موقع لداعش في عين العرب في أكتوبر 2014. وكما يمكن للمرء النظر على نحو واضح إلى الدافع الديني في هجمات غاز السارين في ميترو طوكيو من قبل طائفة الاومو شينريكيو عام 1995 قتلت نحو ثلاث عشرة شخصًا من النّاس أو تفجير أوكلاهوما في الولايات المتّحدة من قبل الرجلين الأبيضين الّذين حملا جرعة من التّعصب مثل داعش وحملا مثلها هلوسات تتناول الفتن والملاحم الأخرويّة الّتي لا تبقي إلّا على المنتصر، الجنس الأبيض، بعد تدمير كلّ ما يتبقى. وهذا الأخير ما عبر عنه في كتاب سنة 1978 تحت عنوان The Turner Diaries. ولكن بالرغم من ذلك فإنّه من الجليّ أنّ معظم الأعمال الإرهابيّة تخطط وتنفذ من قبل مسلمين تحت مظلّة الإسلام وتستخدم حججًا دينيّة إسلاميّة. وإلى جانب ذلك، فإنّ فتاة نمور التاميل وسناء محيدلي كانت لهما أهداف محدّدة وعدوّ متعين، ولم تمارسا قتلاً عشوائيًّا وما قامتا بأعمال ضدّ الإنسانيّة جمعاء، أعمال محملة بكراهيّة نرجسيّة وحب مرضي للموت.

 


وليس الإرهاب وحده ما يمثل المشكلة، هذا رغم أهميّة وإلحاح هذه القضيّة. لقد غدا الإسلام في أصواته المتعدّدة الفاعلة يشكل دافعًا للتعصب والنكوص الاجتماعي وكراهيّة الآخر والقمع والاستبداد، وإحياء العلاقات الاجتماعيّة المتقادمة، أيًّا يكن قدر المبالغة والاشتطاط الّذي يتمّ فيه تصور الاسلام أو التضخّم فيه من خلال البعد عن بلدان المنشأ والمقاومة للتّطور. وهذا ما نجده واضحًا في برامج الأحزاب السياسيّة الإسلاميّة، والعديد من المنظمات الإسلاميّة في أوروبا وأماكن أخرى، على أسس مزاعم جماعيّة أنانيّة والتّفهم الأعوج لموقع الدين من المجتمع والنظام السياسي والتعليم والقانون، والشعور لدى هؤلاء بأنّهم ليسوا فقط فوق القوانين الوطنيّة، ولكن أنّ لديهم الحقّ فيما يتجاوز القانون في السلوك. وفي بعض الحالات يجري تشكيل طابور خامس من الأعضاء السابقين في الجيوش الغربيّة للانضمام إلى داعش والنصرة، وذلك من أشخاص قد ترعرعوا في الدول الأوروبيّة وتمت رعايتهم بشكل جيّد (في التعليم والمساعدة الاجتماعيّة والرعاية الصحيّة، وفي العديد من الحالات بما في ذلك اللّجوء السياسي)، ومن ثم يمارسون أو يشجعون أو يدعمون القتل الجماعي في الشوارع. 

 

المصدر: مقتطفات من كتاب حواري سيصدر لاحقاً عن دار رياض نجيب الريس

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This