ذكر حلم الْمَأْمُون ومحاسن أَفعاله وَمَكَارِم أخلاقه من كتاب بغداد لابن طيفور
ذكر حلم الْمَأْمُون ومحاسن أَفعاله وَمَكَارِم أخلاقه
قَالَ ابْن أبي طَاهِر: بَلغنِي أَن الْمَأْمُون قَالَ: إِنِّي لألذ الْحلم حَتَّى أحسبني لَا أوجر عَلَيْهِ. وَقَالَ قَاسم التمار: قَالَ الْمَأْمُون: لَيْسَ على فِي الْحلم مؤونة ولوددت أَن أهل الجرائم علمُوا رَأْيِي فِي الْعَفو فَذهب عَنْهُم الْخَوْف فتخلص لي قُلُوبهم.
وَقَالَ جَعْفَر ابْن أُخْت الْعَبَّاس وَذكر حلم الْمَأْمُون فَقَالَ: لحلمه وَالله أرجح من حلوم ألف كلهم حَلِيم لَيْسَ فيهم ملك وَلَا خَليفَة ثمَّ أنشأ يحدثنا فَقَالَ: دخلت عَلَيْهِ أمس وَإِذا يَده معلّقَة من شَيْء رطب أكله قد مسته النَّار وَهُوَ يَصِيح يَا غُلَام وَكلهمْ يسمع صَوته فَمَا مِنْهُم أحد يجِيبه فَخرجت إِلَيْهِم وَأَنا أفور غَضبا فَإِذا بَعضهم يلْعَب بالكعاب، وَبَعض يلْعَب بالشطرنج، وَبَعض يحارش بَين الديوك. فَقلت يَا بني الفواعل: أما تَسْمَعُونَ أَمِير الْمُؤمنِينَ يدعوكم؟ فَقَالَ وَاحِد: حَتَّى أَقيس هَذَا الكعب وأجئ،: وَقَالَ الآخر قد بقيت لي على هَذَا ضَرْبَة، وَقَالَ آخر: أذهب فَإِنِّي أتبعك. فَمَا علمت مَا كنت أخاطب بِهِ من الغيظ والحنق عَلَيْهِم. قَالَ: فَإِذا الْمَأْمُون قد صَوت بِي وَأَنا أقذف أمهاتهم فَأَتَيْته وَهُوَ يضْحك فَقَالَ: أرْفق بهم فأنهم بشر مثلك قَالَ قلت: والعق أَنْت يدك. فَضَحِك وَقَالَ هَذَا معاشرتك خدمك؟ قَالَ قلت: وَالله لَو فعل بِي إبْني هَذَا دون خدمي لقتلته. قَالَ: هَذِه أَخْلَاق السوقة وأخلاقنا أَخْلَاق الْمُلُوك. قَالَ قلت: لَا وَالله مَا هَذِه أَخْلَاق الْمُلُوك وَلَا أَخْلَاق الْأَنْبِيَاء أَيْضا.
حَدثنِي هَارُون بن مُسلم. قَالَ: حَدَّثتنِي شكر مولاة أم جَعْفَر بنت جَعْفَر بن الْمَنْصُور قَالَت: سَمِعت الْمَأْمُون أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَانَت عِنْده أم جَعْفَر فَدَعَا بمقاريض قَالَت: أَو بمقراض قَالَ: فَقَالَ الْغُلَام: قد ذهب بِالْمَقَارِيضِ إِلَى الشماسية ثمَّ قَالَ يَا غُلَام: بل لنا الخيش فَوق. فَقَالَ الْغُلَام: لَا. قَالَ: يبل فَقَالَت أم جَعْفَر: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا هَذَا؟ وَأنْكرت أَن يكون سَأَلَ عَن شَيْئَيْنِ فَلم يعملا. فَقَالَ الْمَأْمُون: من قدرت على عُقُوبَته لسوء فعله، وقبيح جرمه فقدرتك عَلَيْهِ كافيتك نصرا لَك مِنْهُ وَلَا معنى لعقوبة بعد قدرَة، الْحلم عَن الذَّنب أبلغ من الْأَخْذ بِهِ.
قَالَ: وَكَانَ لِلْمَأْمُونِ خَادِم يتَوَلَّى وضوءه فَكَانَ يسرق طساسه فَبلغ ذَلِك الْمَأْمُون فَعَاتَبَهُ ثمَّ قَالَ لَهُ يَوْمًا وَهُوَ يوضيه وَيحك لم تسرق هَذِه الطست، لَو كنت إِذا سرقتها اتيتني بهَا اشْتَرَيْتهَا مِنْك. قَالَ: فأشتر هَذَا الَّذِي بَين يَديك قَالَ: بكم؟ قَالَ: بدينارين. قَالَ الْمَأْمُون: أَعْطوهُ دينارين. قَالَ: هَذَا الْآن فِي الْأمان؟ قَالَ: نعم.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر أنْشد الْحسن بن رَجَاء لنَفسِهِ يصف حلم الْمَأْمُون وعفوه:
(صفوح عَن الإجرام حَتَّى كَأَنَّهُ … من الْعَفو لم يعرف من النَّاس مجرما)
(وَلَيْسَ يُبَالِي أَن يكون بِهِ الْأَذَى … إِذا مَا الْأَذَى لم يغش بالكره مُسلما)
وَأنْشد لآخر فِيهِ:
(أَمِير الْمُؤمنِينَ عَفَوْت حَتَّى … كَأَن النَّاس لَيْسَ لَهُم ذنُوب)
قَالَ رزقان: قَالَ بشر بن الْوَلِيد لِلْمَأْمُونِ: إِنّ بشرا المريسي يشتمك، ويعرض بك، ويزري عَلَيْك، قَالَ فَمَا أصنع بِهِ؟ ثمَّ دس الْمَأْمُون إِلَيْهِ رجلا فَحَضَرَ مَجْلِسه، وَتسمع مَا يَقُول فَأَتَاهُ الرجل يَوْمًا فَقَالَ: سمعته يَقُول حِين أَرَادَ الْقيام وَفرغ من الْكَلَام بعد حمد اللَّهِ وَالثنَاء عَلَيْهِ: اللَّهُمَّ الْعَن الظلمَة، وَأَبْنَاء الظلمَة من آل مَرْوَان وَمن سخطت عَلَيْهِ مِمَّن آثر هَوَاهُ على كتابك وَسنة نبيك – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ- اللَّهُمَّ وَصَاحب البرذون الْأَشْهب فالعنة. فَقَالَ الْمَأْمُون: أَنا صَاحب البرذون الْأَشْهب وَسكت عَلَيْهَا. فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ بشر قَالَ لَهُ بعد أَن سَاءَ لَهُ: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن مَتى عَهْدك بلعن صَاحب الْأَشْهب؟ فطأطأ بشر رَأسه ثمَّ لم يعد بعد ذَلِك إِلَى ذكره وَلَا التَّعَرُّض بِهِ.
قَالَ الْعُتْبِي: جَاءَنِي رجل من أَصْحَاب الصَّنْعَة فَقَالَ أذكرني لأمير الْمُؤمنِينَ فَإِنِّي أحل الطلق بَين يَدَيْهِ فِي يَوْم وَبَعض آخر. فَقلت يَا هَذَا:: أربح العناء وأجلس فِي بَيْتك وَلَا تعرض لأمير الْمُؤمنِينَ من نَفسك. قَالَ: فالحل عَلَيْهِ حرَام، وَمَاله صَدَقَة، وكل مَمْلُوك لَهُ حر إِن كَانَ كَذبك فِيمَا قَالَ:. ثمَّ قَالَ. وَأُخْرَى وَالله مَا آخذ مِنْكُم شَيْئا عَاجلا، وَقد أدعيت أمرا فأمتحنوني فِيهِ فَإِن جاءكما أدعيت كَانَ الْأَمر فِي اليكم، وَإِن وَقع بِخِلَاف ذَلِك انصرفت إِلَى منزلي. فَأخْبرت الْمَأْمُون بهَا. قَالَ: فتمثل بَيت الفرزدق:
(وقبلك مَا أعييت كاسر عينه … زيادا فَلم يقدر على حبائله)
ثمَّ قَالَ: لَعَلَّ هَذَا أَرَادَ أَن يصل إِلَيْنَا فأحتال بِهَذِهِ الْحِيلَة؛ وَلَيْسَ الرأى إِن يعرض علينا أحد علما فظهر الزّهْد فِيهِ فَأحْضرهُ. قَالَ: فَجئْت بِالرّجلِ وَقعد لَهُ الْمَأْمُون وأحضرت أَدَاة الْعَمَل. قَالَ: فَإِذا هُوَ بِحلّ الطلق أفضل مني بِمَا فِي السَّمَاء السَّابِعَة. فَنظر إِلَى الْمَأْمُون وَقَالَ: ألم تزْعم أَنه قد حلف لَك بِالطَّلَاق، وَالْعتاق، وَصدقَة مَا يملك، قلت. بلَى قَالَ: قد حنث. فَقلت للرّجل والمأمون يسمع: ألم تحلف بِالطَّلَاق؟ قَالَ: لَيست لي امْرَأَة، قلت: فالعتاق؟ . قَالَ: وَمَالِي مَمْلُوك قلت: فصدقة مَا تملك؟ قَالَ: مَا أملك خيطا ومخيطا. قلت كذب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَعَه دَابَّة وَله غُلَام. قَالَ: هَذَا عَارِية. فَتَبَسَّمَ الْمَأْمُون وَقَالَ: هَذَا بِحل الدَّرَاهِم أعلم مِنْهُ بِحل الطلق ثمَّ أَمر أَن يُعْطي خَمْسَة ألف دِرْهَم فَلَمَّا خرج قَالَ للعتبي: رده. فَرده وَقَالَ: زيدوه مثلهَا فَلَيْسَ يجد فِي كلّ وَقت من يمخرق عَلَيْهِ. فَقَالَ الرجل: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عِنْدِي بَاب من الحملان لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مثله. قَالَ أحملهُ على هَذِه الدَّرَاهِم فَإِن كنت صَادِقا صرت ملكا.
قَالَ بعض القحاطبة وَذكر الْمَأْمُون فَقَالَ: ولي صاحبنا قَحْطَبَةَ بن الْحسن همذان، وأعمالا من أَعمال الْجَبَل فدق عَلَيْهِ خراجه فحبسه بِهِ فَكَانَ إِذا جَاءَهُ الْمُسْتَخْرج لحمله على أَدَاء مَا احتجن قَامَ فصلى فَلَا يزَال رَاكِعا وساجدا حَتَّى ينْصَرف ويتركه فَأخْبر بذلك الْمَأْمُون. فَقَالَ: قُولُوا لَهُ: يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذِه النَّوَافِل لَا يقبلهَا اللَّهِ حَتَّى تُؤدِّي الْفَرَائِض أحمل إِلَيْنَا مَا لنا قبلك فَكَانَ لَا يزيدهم على الصَّلَاة فَلَمَّا كشف على الْمَأْمُون ذَلِك وَقع يُطلق قَحْطَبَةَ ويسوغ مَا صَار إِلَيْهِ وَلَا يستعان بِهِ إِلَّا أَن يتْرك التَّسْبِيح وَصَلَاة الضُّحَى والنوافل ظَاهرا.
حَدثُونِي عَن إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي قَالَ: قَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا وَفِي مَجْلِسه جمَاعَة: هاتوا من فِي عسكرنا من يطْلب مَا عندنَا بالرياء. قَالَ: فَقَالَ كل وَاحِد بِمَا عِنْده، أما أَن يَقُول فِي عَدو بِمَا يقْدَح فِيهِ أَو يَقُول بِمَا يعلم أَنه يسر خَلِيفَته. فَلَمَّا قَالُوا ذَلِك قَالَ: مَا أرى عِنْد أحد مِنْكُم مَا يبلغ إرادتي ثمَّ أنشأ يحدث عَن أهل عسكره أهل الرِّيَاء حَتَّى وَالله لَو كَانَ قد أَقَامَ فِي رجل كل وَاحِد مِنْهُم حولا محرما مَا زَاد على مَعْرفَته. قَالَ: فَكَانَ مِمَّا حفظت عَنهُ فِي ثلب أَصْحَابه أَن قَالَ حِين ذكر أهل الرِّيَاء وَمَا يعاملون بِهِ النَّاس: تَسْبِيح حميد الطوسي، وَصَلَاة قَحْطَبَةَ، وَصِيَام النوشجاني، ووضوء المريسي، وَبِنَاء مَالك بن شاهي الْمَسَاجِد، وبكاء إِبْرَاهِيم بن بريهة على الْمِنْبَر، وَجمع الْحسن بن قُرَيْش الْيَتَامَى، وقصص منجا، وَصدقَة على بن الْجُنَيْد، وحملان إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم فِي السَّبِيل، وَصَلَاة أبي رَجَاء الضُّحَى، وَجمع على بن هِشَام الْقصاص. قَالَ: حَتَّى عددنا جمَاعَة كَثِيرَة. فَقَالَ لي رجل من عُظَمَاء الْعَسْكَر حِين خرجنَا من الدَّار بِاللَّه هَل رَأَيْت أَو سَمِعت بِملك قطّ أعلم برعيته وَلَا أَشد تنقيرا من هَذَا؟ قلت: اللَّهُمَّ لَا، فَحدثت بِهَذَا الحَدِيث رجلا من أَصْحَاب الْأَخْبَار وَالْعلم فَقَالَ: وَمَا نصْنَع بِهَذَا قد شهِدت رسَالَته إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم فِي الْفُقَهَاء يخبر بمعائبهم رجلا رجلا حَتَّى لَهو بهَا أعلم مِنْهُم بِمَا فِي مَنَازِلهمْ.
قَالَ: وَقعد الْمَأْمُون يَوْمًا للمظالم فَقدم سلم صَاحب الْحَوَائِج بضعَة عشر رجلا فَنظر فِي مظالمهم وَأمر فَقضى حوائجهم وَكَانَ فيهم نَصْرَانِيّ من أهل كشكر كَانَ قد صَاح بالمأمون غير مرّة وَقعد لَهُ فِي طَرِيقه فَلَمَّا بصر بِهِ الْمَأْمُون اثبته معرفَة فَقَالَ ابطحوه: فَضَربهُ عشْرين درة ثمَّ قَالَ لسلم قل لَهُ: تعود تصيح بِي؟ فَقَالَ لَهُ سلم وَهُوَ مبطوح فَقَالَ النَّصْرَانِي قل لَهُ: أَعُود، وأعود وأعود، حَتَّى تنظر فِي حَاجَتي فأبلغه سلم مَا قَالَ. فَقَالَ: هَذَا مظلوم موطن نَفسه على الْقَتْل أَو قَضَاء حَاجته، ثمَّ قَالَ لأبي عباد: اقْضِ حَاجَة هَذَا كَائِنا مَا كَانَت السَّاعَة.
حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا قَالَ: شهِدت الْمَأْمُون وَقد ركب بالشماسية وَخلف ظَهره أَحْمد بن هِشَام فصاح بِهِ رجل من أهل فَارس اللَّهِ اللَّهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن أَحْمد بن هِشَام ظَلَمَنِي واعتدى على. فَقَالَ: كن بِالْبَابِ حَتَّى أرجع، ثمَّ مضى فَلَمَّا جَازَ الْموضع بعدوة الْتفت إِلَى أَحْمد فَقَالَ: مَا أقبح بِنَا وَبِك أَن تقف وَصَاحِبك هَذَا على رُؤُوس هَذِه الْجَمَاعَة وتقعد فِي مجْلِس خصمك، وَيسمع مِنْهُ كَمَا يسمع مِنْك ثمَّ تكون محقا أم تكون مُبْطلًا فَكيف إِن كنت فِي صفته لَك، فَوجه إِلَيْهِ من يحوله من بابنا إِلَى رحلك وأنصفه من نَفسك، وأعطه مَا أنْفق فِي طَرِيقه إِلَيْنَا، وَلَا تجْعَل لنا ذَرِيعَة إِلَى مَا تكره من لائمتك فوَاللَّه لَو ظلمت الْعَبَّاس إبْني كنت أقلّ نكيرا عَلَيْك من أَن تظلم ضَعِيفا لَا يجدني فِي كل وَقت، وَلَا مجلوا لَهُ وجهى وسيما من تجشم السّفر الْبعيد وكابد حر الهواجر وَطول الْمسَافَة. قَالَ: فَوجه إِلَيْهِ أَحْمد فجَاء بِهِ وَكتب إِلَى عَامله يرد عَلَيْهِ مَا أَخذ مِنْهُ ويشتمه ويعنفه وَوصل الرّجل بأَرْبعَة ألف دِرْهَم وَأمره بِالْخرُوجِ من يَوْمه.
