أخبار ملوك العجم وغيرهم وحكاياتهم من كتاب سراج الملوك للطرطوشي

الباب الثالث والستّون: وهو جامع من أخبار ملوك العجم وغيرهم وحكاياتهم


وهو مشتمل على خمس فصول: الأول يشتمل على أخبار وقعت إلينا بعد فراغنا من الكتاب فألحقناها. والثّاني يشتمل على حكم لحكيم الفرس خاصة. والثّالث يشتمل على حكم الحكيم الهند خاصة. والرّابع يشتمل على حكم لحكيم العرب خاصة. والخامس يشتمل على حكم محمودة مجموعة منتخبة، رسمنا ذلك لننظر في عقول القوم وأغراضهم ومنتهى مرامهم، من كتاب جاويدان جرد الفارسي: ثلاث لا يصلح فسادهنّ بشيء من الحيل: العداوة بين الأقارب، وتحاسد الأكفاء، والرّكاكة في العقول. وثلاث لا يستفسد صلاحهنّ بنوع من المكر والحيل: العبادة في العلماء، والعقول في المستبصرين، والسّخاء في ذوي الأخطار، وثلاث لا يشبع منهنّ: الحياة والعافية والمال.


وقال ابن لقمان لأبيه: يا أبت ما داء العياء؟ قال: رعونة مولودة. قال: فما الجرح الدّوي؟ قال: المرأة السّوء! قال: فما الحمل الثّقيل؟ قال: الغضب. ولمّا قرأ هذه الحكاية أبو عباد الكاتب، وكان ظريفًا في أحباره قال: لكن والله الغضب أخفّ عليّ من ريشة، وكان أسرع النّاس غضبًا فقيل له: إنّما عنى لقمان أن احتمال الغضب ثقيل. فقال: لا والله لا يقوى أحد احتمال الغضب إلاّ الجمل. وغضب يومًَا على بعض أصحابه فرماه بدواة فشجه، فجعل الدّم يسيل فقال أبو عباد: صدق الله عزّ وجلّ حيث قال: وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (الشورى: 37) فبلغ ذلك المأمون فاستدعاه وقال له ويلك! ألا تحسن أن تقرأ آية من كتاب الله عزّ وجلّ؟ فقال: بلى يا أمير المؤمنين، إنّي لأقرأ من كلّ سورة ألف آية فضحك المأمون وأمر بإخراجه. وقيل لأنوشروان: ما العقل؟ قال: القصد في كل الأمور. قيل: فالمروة؟ قال: ترك الربيّة. قيل: فما السّخاء؟ قال: أتنصف من نفسك. قيل: فما الحمق؟ قال: الإغراق في الذّم والحمد.


وقيل لبعض الحكماء: ما الحزم؟ قال: سوء الظّن. فقال بعضهم في قوله الحزم سوء الظّن قال: إنّما أراد سوء الظّن بنفسه لا بغيره. قيل: فما الصواب؟ قال: المشورة. قيل: فما الّذي يجمع القلوب على المودة؟ قال: كفّ بذول وبشر جميل. قيل: فما الاحتياط؟ قال: الاقتصاد في الحبّ والبغض. وقال معاوية لزياد حين ولاه العراق: يا زياد ليكن حبك وبغضك قصدًا فإنّ الغيرة كامنة، واجعل للرّجوع والنّزوع بقيّة من قلبك، واحذر صولة الإنهماك فإنّها تؤدي إلى المهالك. وهو مثل قول علي بأبي طالب رضي الله عنه: أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا مّا. وابغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا مّا. ومن ذلك قول الأول:
وأحبب حبيبك حبًّا رويدًا                                                                                         فليس يفوتك أن يصرما

وقال آخر:
ولا تيئسن الدهر من حب كاشح                                                                             ولا تأمنن الدهر صرم حبيب

وسئل بزرجمهر عن العقل فقال: ترك ما لا يعني. فسئل: فما الحزم؟ قال: انتهاز الفرصة. قيل: فما الحلم؟ قال: العفو عند المقدرة. قيل: فما الشدّة؟ قال: ملك الغضب. قيل: فما الخرق؟ قال: حبّ مغرق وبغض مفرط. وقيل لبعض الملوك، وقد بلغ في المنزلة والقدرة ما لم يبلغه أحد من ملوك زمانه: ما الذي بلغ بك هذه المنزلة؟ قال: عفوي عند قدرتي وليني عند شدّتي، وبذلي الإنصاف ولومي نفسي وإبقائي في الحبّ والبغض مكاناً لموضع الاستبدال. وقال الإسكندر لبعض الحكماء وقد أراد سفرًا أرشدني لأحزم أمري. قال: لا تملكن قلبك محبّة الشيء ولا يستولين عليك بغضه، واجعلها قصدًا فإن القلب كاسمه يتقلب وله خاصية تنزع وترجع، واجعل وزيرك التثبّت وسميرك التيقظ، ولا تقدم إلاّ بعد المشورة فإنّها نعم الدليل، وإذا فعلت ذلك ملكت قلوب رعيتك ملك استعباد، قال الشاعر:
وما سمي الإنسان إلا لنسيه
ولا القلب إلا أنه يتقلب


وقيل لبعض الحكماء: ما الدّليل الناصح؟ قال: غريزة العقل مع الطبع. قيل: فما القائد المشفق؟ قال: حسن المنطق. قيل: فما العياء المعي؟ قال: تطييعك من لا طبع له. وقال الفضل بن مروان: سألت رسول ملك الروم عن سيرة ملكهم فقال: بذل عرفه وجرد سيفه، فاجتمعت عليه القلوب رغبة ورهبة، لا يهضم جنده ولا يحرج رعيته سهل النّوال حزن النّكال، الرّجاء والخوف معقودان في يده. قلت: فكيف حكمه؟ قال: يرجّ الظّلم ويردع الظّالم ويعطي كلّ ذي حقّ حقّه، فالرّعية اثنان راض ومغتبط. قلت: فكيف هيبتهم له، قال يتصور في القلوب فتغضي له العيون.
قال: فنظر رسول ملك الحبشة إلى إصغائي إليه وإقبالي عليه، وكانت الرّسل تنزل عندي فقال لترجمانه: ما الّذي يقول الرّومي؟ قال: يصف له ملكهم ويذكر سيرته. فكلّم الترجمان بشيء فقال لي التّرجمان: أنّه يقول أنّ ملكهم ذو أناة عند المقدرة وذو حلم عند الغضب، وذو سطوة عند المغالبة وذو عقوبة عند الاحترام، قد كسا رعيته جميل نعمته وقصرهم بعنيف عقوبته، فهم يتراءونه ترائي الهلال خيالاً ويخافونه مخافة الموت نكالاً، وقد وسعهم عدله وردعتهم سطوته وبأسه، فلا يمتهنه مرحه ولا يوثقه عقله. إذا أعطى أوسع وإذا عاقب أوجع، فالنّاس اثنان راج وخائف، فلا الرّاجي خائب الأمل ولا الخائف بعيد الأجل.


قلت: فكيف رهبتم له؟ قال: لا ترفع إليه العيون أجفانها ولم تتبعه الأبصار إنسانها، كأنّ رعيته قطاً فرقت عليها صقور صوائد. فحدث المأمون بهذين الحديثين فقال لي: كم قيمتها عندك؟ قلت: ألفا درهم. قال: يا فضل إن قيمتها أكثر من الخلافة، أما علمت حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: قيمة كل امرئ ما يحسن أفتعرف أحداً من الخطباء البلغاء أن يصف أحدًا من الخلفاء الرّاشدين المهديين بمثل هذه الصفة؟ قلت: لا. قال: فقد أمرت لهما بعشرين ألف دينار معجلة، واجعل العدة مادة بيني وبينهما على العود، فلولا حقوق الإسلام وأهله لرأيت إعطاءهما ما في بيوت المال الخاصة والعامة دون ما يستحقانه.


وقال الفضل بن سهل: كان عندي رسول ملك الروم، وكان يحدثني عن أخت الملك يقال لها خاتون قال: أصابتنا سنة احتدم شواظها علينا بحرارة المصائب وصنوف الآفات، ففزع النّاس إلى الملك فلم يدر ما يجيبهم به. فقالت له خاتون: يا أيّها الملك إنّ الحزم علق لا يخلق جديده ولا يمتهن عزيزه، وهو دليل الملك على استصلاح رعيته وزاجر له عن استفسادها، وقد فزعت رعيّتك إليك لفضل العجز عن الالتجاء إلى من لا تزيده الإساءة إلى خلقه عزاء، ولا ينقصه العود بالإحسان إليهم ملكًا، وما أحد أولى بحفظ الوصية من الموصى ولا بركوب الدّلالة من الدّال، ولا بحسن الرّعاية من الرّاعي ولم تزل في نعمته لم تغيّرها نقمة، وفي رضى لم يكدره سخط إلى أن جرى القدر بما عمي البصر وذهل عنه الحذر، فسلب الموهوب والسّالب هو الواهب، فعد إليه بشكر النعم وعذبه من فظيع النقم، فمتى تنسه ينسك، ولا تجعلن الحياء من التذلّل للمعزّ المدل شركًا بينك وبين رعيتك، فتستحقّ مذموم العاقبة، ولكن مرهم، ونفسك بصرف القلوب إلى الإقرار بالله بكنه القدرة، وبتذلّل الألسن في الدّعاء بمحض الشّكر له تعالى، فإنّ الملك ربّما عاقب عبده ليرجعه عن سيّئ فيهم وتنذرهم بهذا الكلام ففعلت، فرجع القوم عن بابه. وقد علم الله تعالى منهم قبول الوعظ في الأمر والنّهي فحال الحول عليهم وما بينهم مفتقد نعمة كان قد سلبها، وتوارت عليهم الزيادات بجميل الصنيع، فاعترف الملك لها بالفضل فقلدها الملك بعده وجمع الرعية على الطاعة لها في المحبوب والمكروه. فهذا فعل الله تعالى بأعدائه وضرائر نعمه، لمّا شكروه أعاد لهم من نعمه ما كان قد استرجع وزادهم من فضله ما تمنوه، فكيف بمن يوحدونه ويؤمنون به لو صدقت نياتنا وضمائرنا؟ وقال الواقدي: توفّي رسول بعض الملوك بدمشق في خلافة هشام بن عبد الملك فوجد في جيبه لوح من ذهب مكتوب فيه: إذا ذهب الوفاء نزل البلاء، وإذا مات الاعتصام عاش الإنتقام، وإذا ظهرت الخيانات امتحقت البركات.


وقال الوضاحي: وجه أنوشروان رسولاً إلى الملك قد أجمع على محاربته وأمره أن يتعرف سيرته في نفسه ورعيته، فرجع إليه فقال: وجدت عنده الهزل أقوى من الجد والكذب أكثر من الصدق والجور أرفع من العدل. فقال أنوشروان: رزقت الظفر به سر إليه وليكن عملك في محاربته بما هو عنده أضعف وأقل وأوضع، فإنك منصور وهو مخذول. فسار إليه فقتله واستولى على مملكته. وقال بزرجمهر: المزح آفة الجد والكذب عدو الصدق والجور مفسدة، فإذا استعمل الملك الهزل ذهبت هيبته، وإذا استصحب الكذب استخفّ به، وإذا بسط الجور فسد سلطانه. وكان نقش خاتم رستم وهو أحد ملوك الفرس: الهزل مبغضة والكذب منقصة والجور مفسدة. وقتل لبعض أصحاب اسفنديار رجل من الترك، فأصيب في عنقه لوح من ذهب مكتوب فيه: آفة الشدّة التهيّب وآفة المنطق الحياء وآفة كلّ شيء الكذب.


وقيل لبعض الحكماء: ما قيمة الصدق؟ قال: الخلد في الدنيا. قيل: فما قيمة الكذب؟ قال: موت عاجل. قيل: فما قيمة العدل؟ قال: ملك الأبد. قيل: فما قيمة الجور؟ قال: ذلّ الحياة قال: وسأل ملك الهند الإسكندر وقد دخل بلاده: ما علامة الملك ودولته؟ قال له: الجدّ في كلّ الأمور. قال: فما علامة زواله؟ قال: الهزل فيه. قال: فما سرور الدنيا؟ قال: الرّضاء بما رزقت. قال: فما غمّها قال: الحرص على ما لعلك لا تناله. وقال بزرجمهر: ثلاث هنّ سرور الدّنيا وثلاث هنّ غمّها: فأمّا السّرور فالرّضاء بالقسم والعمل بالطّاعة في النّعم ونفي الاهتمام بالرّزق لغد، وأمّا الغمّ فحرص مسرف وسؤال مجحف، وتمنى ما يلهف.


ومرّ بعض الملوك بغلام يسوق حمارًا غير منبعث، وقد عنف عليه في السّوق فقال: يا غلام ارفق به. فقال الغلام: أيّها الملك في الرّفق به مضرّة عليه. قال: وما مضرّته؟ قال: يطول طريقه ويشتدّ جوعه، وفي العنف به إحسان إليه. قال: وما الإحسان إليه؟ قال: يخفّ حمله ويطول أكله. قال فأعجب الملك بكلامه وقال له: قد أمرت لك بألف درهم. فقال: رزق مقدور وواهب مأجور. قال: وقد أمرت بإثبات اسمك في جيشي. فقال: كيف مؤونة ورزقت بها معونة. قال: لولا أنّك حديث السّنّ لاستوزرتك. قال: لن يعدم الفضل من رزق العقل. قال: فهل تصلح لذلك؟ قال: إنّما يكون المدح والذّم بعد التّجربة ولا يعرف الإنسان نفسه حتّى يبلوها. قال فاستوزره فوجده ذا رأي صائب وفهم رحيب ومشورة تقع مواقع التّوفيق.


قال: وكتب الإسكندر إلى أرسطاطاليس، وقد نفذت يده في المشرق والمغرب وبلغ منهما ما لم يبلغه أحد قبله: اكتب إلي لفظًا موجزًا ينفع ويردع. فكتب إليه: إذا استولت بك السّلامة فجدد ذكر العطب، وإذا هنتك العافية فحدث نفسك بالبلاء، وإذا اطمأن بك الأمن فاستشعر الخوف، وإذا بلغت نهاية الأمل فاذكر الموت، وإذا أحببت نفسك فلا تجعلنّ لها في الإساءة إليها نصيبًا. قال ووعظ بعض الحكماء ملكاً فقال له: أيّها الملك إنّ الدّنيا دار عمل والآخرة دار ثواب، ومن لا يقدّم لا يجد فأذق نفسك حلاوة عيشها بترك الإساءة إليها. واعلم أن زمام العافية بيد البلاء وأمن السّلامة تحت جناح العطب، وباب الأمن مستور بالخوف فلا تكوننّ في حال من هذه الثّلاثة غير متوقّع لأضدادها ولا تجعل نفسك غرضًا لسهام الهلكة، فإنّ الدّهر عدوّ بن آدم فاحترز من عدوّك بغاية الاستعداد، وإن فكرت في نفسك وعدوّها استغنيت عن الوعظ.


قال وكتب الإسكندر على باب الإسكندرية أجل قريب في يد غيرك وسوق حثيث من اللّيل والنّهار، وإذا انتهت المدّة حيل بينك وبين المدّة فاحتل قبل المنع واكرم أجلك بحسن صحبة السّابقين، وإذا آنستك السّلامة فاستوحش العطب فإنّه الغاية، وإذا فرحت بالعافية فاحزن للبلاء فإليه تكون الرّجعة، وإذا بسطك الأمل فاقبض نفسك عنه بذكر الأجل فهو الموعد وإليه المورد.

وقال ابن الأعرابي: حدّثني من رأى بين إصبهان وفارس حجرًا مكتوبًا عليه: العافية مقرونة بالبلاء والسّلامة مقرونة بالعطب والأمن مقرون بالخوف. ولمّا ضرب أنوشروان عنق بزرجمهر لمّا رغب عن دين المجوسيّة وانتقل إلى دين المسيح عليه السّلام، وجد في منطقته كتابًا فيه ثلاث كلمات: إذا كان المقدر حقًّا فالحرص باطل، وإذا كان الغدر في النّاس طباعًا فالثّقة بكلّ أحد عجز، وإذا كان الموت بكلّ أحد نازلاً فالطمأنينة إلى الدّنيا حمق.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This