“تدوين التّاريخ ــ بواسطة التّحليل الذّاتيِّ والسيرة الشخصيّة” لعلي زيعور
يقدّم الدكتور علي زيعور، أستاذ التّحليل النّفسيِّ والفلسفات النّفسيّة، في كتابه “تدوين التّاريخ ــ بواسطة التّحليل الذّاتيِّ والسيرة الشخصيّة”، لوحة مكثّفة عن مسيرة حياة تختلط فيها السيرة الشخصيّة بالسيرة الفكريّة والنّفسانيّة والمعرفيّة، بحيث ابتعد المؤلّف عن نمط كتابة المذكّرات الّتي ألّف كتاب على اعتمادها، بما يسلّط الضوء على الشخصيّة الذّاتيّة للكاتب. في تدوين التّاريخ لعلي زيعور يغلب الاستقصاء النّفسانيَّ والفلسفيَّ والأدبيَّ على السّرد، بحيث لا تخرج شخصيّة المؤلّف إلى العلن إلاّ بوصفها جزءًا من الموضوعات الفكريّة الّتي يرغب في إبرازها. في كتابه رحلة طويلة من المراهقة والشّباب إلى زيارة الأماكن المقدّسة، وفيها أيضًا التّحليل النّفسيُّ لشخصيات أدبيّة وفلسفيّة نفسانيّة ودينيّة وسجال معها، وفيما بينها وبين الجامعتين اليسوعيّة والأميركيّة. الكتاب رحلة ممتعة في ميادين لا تخطر أحيانًا على بال.
مراحل متعدّدة عاشها علي زيعور قبل أن تتبلور شخصيته وعلومه في ميدان التّحليل النّفسيِّ. كان له منهجه الخاص في الدّراسات، لعلّ أهمّها وأبرزها اعتماده البعد النّفسي في ميادين الفعل والتّفكير، والتّفسير والتّشريح، والفهم والتّأويل، والنقد والمحاكمة. مناقشاته حول قضايا نفسانيّة وإناسيّة قادته إلى التّأسيس لمدرسة عربيّة راهنة ومتميزة في الفلسفة والتّحليل النّفسيِّ والعلوم الإنسانيّة كافّة. تناول “مشاعر النّقص عند بعض الفلاسفة والشّخصيات التّاريخيّة..وقد استمرّ ذلك الاهتمام بتحري اللاّوعي والوعي والسّلوك والعلائقيّة، أو بالإنجراحات الواعية واللاّواعية.. وتمحورت قراءاته الطبيبية، أي معاينته تشخيصًا وطرحًا علاجيًا، حول الموضوعات التّحليلنفسيّة، والنّفسيّة العياديّة، والإناسيّة والألسنيّة. ومن ذلك قراءته للفلسفة العربيّة الإسلاميّة، تحليلاً واستكشافًا للنّفسيِّ، وغير السّوي، واللاّعقل أو المتخيّل، لا سيّما داخل الخطاب اليونانيِّ – العربيِّ – اللاّتينيِّ” (ص 26).
أنجز زيعور كتابات في العقليات وعلم النّفس المعرفيِّ، واهتمّ بتعميق فهمه وتصوراته للتّحليل النّفسيِّ بحسب الفكر أو المدرسة العربيّة، واعتنى بالقراءة التّحليلنفسيّة المرنة الموسّعة للفكر العربيِّ والتّراث الإسلاميِّ بعامّة والإناسيِّ العام. أمّا “أفكاره الجديدة، والمجدّدة أو المعيدة للتّعضية والإدراك، فقد صدرت بعناوين شديدة الإفصاح والطموح. فمن ذلك : علم السيرة الذّاتيّة، علوم اللاّوعي الثّقافي (كعلم المقدّس، الحلميات، الرمازة، الأسطوريات..) وثمّة أيضًا: المدرسة العربيّة في التّحليل النّفسيِّ، وفي الصّحة والعلاجات النّفسيّة، وفي علم النّفس، وفي علوم الإجتماع والحضارة والتّخلف، وفي الإناسة، وفي التّربية والأخلاق ، والسياسة والاقتصاد..” (ص 27).
دخل علي زيعور في نقاشات واسعة مع عاملين في مجال الفلسفة، كان من بينهم كمال الحاج والأب فريد جبر في الفلسفة، وقرأ بنقدانيّة حضاريّة أطروحات منير شمعون وسليم عبو ويوسف مونس في علوم النّفس والإناسة. لم يكن فريد جبر على اتّفاق مع كمال الحاج الّذي يعتبر نفسه المؤسّس لمدرسة فلسفيّة عنوانها ومضمونها الفلسفة اللّبنانيّة. كان الحاج لا يرى أنّ الفلسفة تختلف عن الدِّين اختلافًا عميقًا، وهو وحّدهما، وكان الأب جبر، ابن اللاَّهوت المسيحيِّ، يعيش ويحيا الفكر التومائي المحدث والفلسفات الدِّينيّة المسيحيّة. كان زيعور يرى نفسه في ميدان آخر مختلف عن مشروعي الحاج وجبر، كان قد كرّس مع زملاء له عمله لتحقيق مشروع المدرسة العربيّة الرّاهنة في الفلسفة والفكر. لكنّه يشير إلى حدود التّعاون معهما قائلا: “كنّا نتعاون، واتّفقنا كثيرًا مجتمعين على مبدأ عظيم هو أنّ الفلسفة في بلادنا ليست وافدة أو مستوردة، فهي أصيلة راسخة، محبوبة مرغوب فيها. وكان يجمعنا الإعجاب بهذه اللّغة العربيّة الّتي كان كمال الحاج يردّد فيها قوله المشهور: العربيّة معجزة، إنّها لغة الجنّة. وكان الأب فريد ماهرًا متضلعًا من اللّغة العربيّة، والأدب العربي والنّصوص الفلسفيّة القديمة في الفكر العربيِّ الإسلاميِّ” (ص32).
من المحطّات الهامّة في مسيرة زيعور كانت علاقته بكمال جنبلاط، ليس من موقع سياسيٍّ، بل من جانبها الفكريِّ الفلسفيِّ. “كان كمال جنبلاط، بحسب خبرتي وتحليلاتي، يعرف جيّدًا، بل أكثر من العارفين المعروفين له، أنّه يقرّ للمسيحيّة – إنّ في لبنان الصغير أو عبر بعض “الفلاسفة” أو المفكّرين الفرنسيين – ما يقال عنه حول ذلك، وما يقولونه من أنّ المطران قد عمّده، كما كان لا يبدي استياءً أو نفورًا امتعاضيًّا من أصدقائه المسيحيين الّذين يقولون له: إنّه منهم، بل أعمق معرفة بهم وإيمانًا” (ص 43). علاوة على ذلك، كان جنبلاط يصرّح أنّ الإسلام دين عظيم، وأنّه كان يفنى ويذيب نفسه في التّصوف الإسلاميِّ، وأنّه “ممثل لمذهب إسلاميٍّ معروف يحاوره “العقل الصراطيُّ” والاستراتيجيات المستقبليّة الرؤية”. لكنّ جنبلاط كان مأخوذا بالديانات الشّرقيّة خصوصا منها الهندوسيّة والبوذيّة. كان يرى أنّ الأسفار الاوبانيشادية، وتمامًا كما الكتب الفيداوية والفيدانتية، أسفار وكتب مقدّسة ونبويّة، إلهيّة وغير مشركة، موحّدة وذات غيبيات .. “فالهندوسيّة، أو البوذيّة، دين عظيم، وله أنبياؤه العظام، ورسالته الخلاصيّة، وعالمينيته أي حيث خطابه الكونيُّ وعبر الأوطان، والمتعدّي للحرفانيّة والمحلي، للخاصّ والشّكليات التّعبديّة” (ص 43).
يورد زيعور نموذجًا من الأحاديث والمناقشات مع جنبلاط تؤشّر لما كان يتمتع به هذا الزّعيم السياسيُّ من أبعاد فكريّة في الفلسفة والدِّين وعلم النّفس :”كانت الأحاديث تلامس أحيانا موضوعات كضعف الذّاكرة، وكالشّظف والزّهد الفلسفيِّ تجاه الاقتنائي والنّفعي، والنّفور من الماديِّ وقهر البيولوجيِّ نفسه.. وكان النقد شديدًا لمجتمع الصناعة المعقدّة والآليّة الّتي قتلت الفكر والإيمان ثمّ الصفاء النّفسي والرّوحاني… في كلّ تلك الموضوعات، لم يكن للسياسيِّ فيها محل، كان المحور والغاية أو القاع والقمّة، البحث عن تحقيق الصفاء النّفسيِّ الأسمى، أي الارتياح التّام والاستقرار الشّامل المتوازن، والنّور أو الفرح النّابع من الوجدان والقلب والإيمان، من الشخصيّة برمتها ذهابًا إلى المعرفة المطلقة والحقيقة العظمى. ولا غرو، فالتّحقق في الإنسان، أو الإنسان المتحقّق، هو بناء على ذلك، الهدف الأسمى الّذي يعني تأليه الإنسان، والشّعور بالكمال الأبهى والنّعيم، وبالفرح المنبجس من داخل الذّات الموحّدة الأضداد والمطهّرة والنورانيّة والشعشانية” (ص45).
من الذكريات الهامّة لدى زيعور ما عاشه في الجامعة اللّبنانيّة، مع مفكرين ومدارس فكريّة. من المجدّدين في الفكر الفقهيِّ كان صبحي الصالح، الّذي رأى فيه زيعور”منتجًا نافعًا في مجال الفقهيات الاجتهاديّة المنفتحة على الفلسفة والكونيِّ. ذهب في إرادة التّجديد والإثراء والصقل، إلى حدّ اجتياف الكثير من التّنوع في المنهجيّة والمرامي والتّفكير: فقد أخذ الغذاء والشّراب أو النسغ والروحيّة حتّى من الماركسيّة الرّائجة، أو الأحرى، من طاقة الجذب والاستدعاء الّتي كانت تشعّ من المكتوبات المتغذيّة من “الجدليّة الماديّة” ذات الأسماء المتعدّدة شديدة الإغراء للباحث عن الحداثة” (ص64).
يحتلّ الشّاعر أدونيس موقعا في ذكريات علي زيعور، تحت عنوان “اللاّواعيُّ والقهريُّ عند أدونيس: طفولة شاقّة وتجربة صدميّة دفينة”، يقول زيعور :”كان أدونيس، كأستاذ في كليّة التّربية إبّان حقبتها الزّاهرة الدلوعة، بطلا. ولقد تجمهر حوله طلاّب كالأتباع المؤمنين أو المحازبين في تنظيم سياسيٍّ، أو دينيٍّ، أو نقابيٍّ. أنا، بتوسط عادل فاخوري، كنت معجبا بجرأته وإرادته في أن يكون صورة دقيقة عمّا يحب أن يكون ” (ص 97). شاء زيعور أن يخضع أدونيس لجلسة تحليل نفسيٍّ من دون أن تكون مباشرة، فجرت أحاديث تناولت الطفولة وطبيعة التّعبير ونوعيّة الملابس وغيرها من الرمزيات الخاصّة بالشّاعر، فخلص المحلّل النّفسيُّ إلى جملة استنتاجات حول شخصيّة أدونيس، خصوصًا ارتدائه للدشداشة ورفض لقب شيخ المشايخ أو الإمام، فيقول: “رفض أدونيس لأن يلقب بشيخ المشايخ، أو بإمام، معناه، بحسب المدرسة العربيّة الرّاهنة في التّحليل النّفسيِّ والإناسيِّ، هو أنّه يرفض كلّ ما يربط بالتّراث والدِّين، بالأسلاف والتّاريخ، بالقيم والرّموز العربيّة الإسلاميّة، بالمعرفة والمعنى والخبرة الحضاريّة عند “أهل الدشداشة”! والدّليل؟ ما هو المنهج؟ هنا أقول: إنّ الشخص الّذي “يرى في منامه” أنّه يلبس دشداشة جديدة واسعة يعبّر عن جزء من كيانه، عن قسم من ذاته.. كما قد يتفسّر منامه على أنّه قد يكون ذا دلالة جنسيّة، أو ذا ارتباط بذكرى حادثة جرت في الطفولة، أو بحادثة مّا جرت للحالم قبيل أيّام من حصول الحلم له، أو بأمنية في أن يلبس دشداشة لرغبة في الفرح، في التّدين، في الثّروة، في الذَّهاب إلى الخليج، في الجَّاه..” (ص97).
يقدم زيعور صورة عن تجربته في الجامعة وعن المذاهب التربويّة السّائدة آنذاك وعن مساهمته في مجال علم النّفس ومدرسته العربيّة الرّاهنة، والأريكة العربيّة الرّاهنة في التّحليل النّفسيِّ. وبعد ذلك، فهو يرى أنّ القول بمدرسة عربيّة في الفلسفة، ساهم في دخول شخصيات جديدة إلى مجال الفلسفة العربيّة الإسلاميّة. ثمّ يشير أيضًا إلى مساهمته مع زملاء له في أقسام الفكر التربويِّ، والّذين قدّموا أنماطًا متعدّدة أبرزها: النَّمط الفقهيُّ في التربيّة، النَّمط الصوفيُّ، نمط الفلاسفة، النَّمط التربويُّ التّاريخيُّ، تيار الآدابيّة. ويقول في هذا المجال :”رأينا جيّدًا، في التّأرخة للقول بمدرسة عربيّة راهنة في الفلسفة، أنّ الفلسفة العربيّة الإسلاميّة تتوزّع إلى أجنحة كاملة، متفاعلة أو متغاذيّة متناضحة..ذلك عينه عدنا فأدركناه داخل التّعليم والتّعلم. كما أنّنا نقبنا عن التربويات، رزيحة تحت رزيحة، أو طبقة تحت طبقة، في السياسة المنزليّة (سياسة القوت، ثمّ المرأة ثمّ الولد..)، وعلم الأخلاق، والفلسفة العمليّة بعامّة، وعلم التّدبير، وعلم الحال، والتّصوف والمراجع التّقميشيّة، وأدب المناظرة والبحث، والفقهيات، والعرفان، ومرايا الأمراء، والّثقافة الشفاهيّة، والفكر العوامي، وعلم المطبق أو الممارس” (ص111).
يشير زيعور إلى أنّه لم يعتمد تعبير “نهضة” في حقبة القطاع التّعليميِّ التربويِّ. كما رفض أساطير ومسلَّمات كثيرة جرى تدريسها في المرحلة الثّانويّة تدور حول التخلّف وبدايات النهضة والنهضة وعصور الانحطاط، ومزاعم انتهاء الإبداع العربيِّ الإسلاميِّ بعد ابن رشد، أو إبّان القمع العثمانيِّ للعرب. لكنّ الحقبة الأهمّ بالنسبة للكاتب كانت تلك المتّصلة بتكوين المدرسة الفلسفيّة الرّاهنة الّتي كانت “تستقي فلسفة التّربية من الفلسفة، ومن الفلسفة السياسيّة على وجه خاصٍّ. ذلك أنّه في كلّ من هذه الميادين يكون الإنسان المنغمس في مجتمع وتاريخ أو في طبيعة وثقافة هدفًا أو الناتج، ومنطلقا أو القاعدة. والتّمركز هنا حول الإنسان، المتعيّن في وجود والمطل على مستقبل، ليس الهدف التربويُّ فردانيّة محضة، وليس أنانيّة. فليس المقصود أن تكون هنا التربية، أو الفلسفة السياسيّة، فردانيّة منقفلة ومجرّدة، غير تاريخيّة، شكلانيّة، مستبعدة للآخر أو مستقلّة ومعادية للمجتمع والكلّ، أو للتّعاون والمساواة، وللمحبّة والأخوّة التّواصليّة الأفقيّة الدّافئة” (ص112). ويقول موضحًا المفاهيم الّتي تحكم فلسفة التربيّة: “تقوم فلسفة التربيّة على عقل يكافيء بين الكلّ والعضو، بين الجماعة والفرد، بين المجتمع والمواطن. فلا المواطن قابل لأن يردّ إلى شيء آخر، أو لأن يختزل إلى الثروة، أو المنفعة، أو اللذّة أو خدمة السّلطة..ولا الكلّ الأجمعي قابل لأن يردّ إلى العضو أو المقولة الفردانيّة، ولا هو قابل لأن يلخص ويقلص كي يصبح غرضا في يد السياسة ومتاعًا أو شيئًا أو برغيا في آلة الدولة. لكن الفلسفة فقط، أو الفلسفة التربويّة، تسطيع تجاوز ذلك الصراع بين طرفي الثنائية، أو بين المتكافئات في العقل التربويِّ، وفي المجتمع والفكر والنظر إلى المستقبل في علومه والتّكيف الإيجابي معه” (ص 113).
في ذكرياته عن قسم علم النّفس في الجامعة اللّبنانيّة، يشير إلى الدّور المتميّز الّذي لعبه نزار الزين الّذي كان كمال الحاج يطلق عليه لقب “الأحمر”. كان الزين رجلاً حازمًا، مثابرًا على الحضور، متمسكًا بالديمقراطيّة، وبالعقلانيّة والوضوح في السير نحو مقصود، كما كان يوصف بالوطني الحائز على موافقة أكثريّة الطلاّب الملتزمين. كان الزين أيضًا مدافعًا عن التّعليم بالعربيّة، ومهتَّما بالشّعبيِّ والقوميِّ والأهليِّ، مع احترامه للنّصوص التّنظيميّة للجامعة والاستراتيجيا العربيّة في التّكيف والمساهمة داخل “الدّار العالميّة للفكر والقوّة”.
يحتل قسم التّاريخ حيزا من ذكريات زيعور، وخصوصا في عهد زاهية قدورة عميدة كليّة الآداب. “اشتهرت العميدة بالجهاد المتشدّد من أجل أن تكون كليّة الآداب متحرّرة من هيمنة جماعة، أي من منطق الإقصاء والاستبعاد والتّهميش، المتكافيء مع منطق التَّنرجس الذَّاتيِّ والإحتكار والحصرانيّة. لكن حلّ العميدة كان ردّ فعل، ودفاعيًا، ومتعصبًا، أي ناقصًا وسيئًا ومنفردًا. نقلت العميدة الدّفة من النَّقيض أو الإفراط إلى النَّقيض أو التَّفريط، من هيمنة النّار إلى هيمنة الماء” (ص130 – 131). أمّا عمر عبد السّلام التدمري، فقد كان “البطل” الّذي يرمز إلى حقيقة الأستاذ الجامعيِّ. كان أستاذ اللّغة السريانيّة، لكن يؤخذ عليه أنّه لم يفسح المجال للأساتذة في قسم الفلسفة الإسلاميّة والمسيحيّة الوسيطيّة كي ينتفعوا من معارفه.
من الّذين نالوا اهتمامًا لدى زيعور كان محمد جواد مغنية أستاذ الفلسفة الإسلاميّة وعلم الكلام في الجامعة اللّبنانيّة. يختصر رؤيته فيه بالقول: “إنّ حضور ذلك المؤسّس لم يكن عرضيًّا هامشيًّا في علم الفقهيات، وعلم الكلام المحدث، والنَّقد الاجتماعيِّ والسياسيِّ، والفلسفة العربيّة الإسلاميّة، لا سيّما قطاع إشكالات فلسفة الدِّين منها، راهنًا ومستقبلاً” (ص140). كان رجلاً صلب العود، “وروايته لعلائقيته وشاغلاته، تشبه الملخص المركوز لفكره ونشاطاته، لتاريخه ونضاله في مكافحة الفقر والجهل، الاستبداد السياسي والانحراف، الفساد وعدم المساواة داخل الإدارة وفي نفوس المحظوظين” (ص141). أمّا الدّور الفقهيُّ لمغنية فقد تجسّد في تعميق الاتّجاه الصراطي (السُّني، القويم، المستقيم، الأكثري) داخل المذهب الفقهيِّ الجعفريِّ، كما عمّق التّيار الشّيعي الظَّاهري داخل المذاهب السنيّة. كان واعيًّا لما تحمله المذاهب الفقهيّة من أسطرة وتقديس سمتهما تضليل المؤمن، سنيًّا أكان أم شيعيًّا أم مؤمنًا بإسلام بلا مذاهب.
استخدم علي زيعور مفاهيم التّحليل النّفسيِّ وطبّقها على شخصيات تاريخيّة وفكريّة. مثلاً، فهو رأى أنّ صلاح الدِّين الايوبيِّ مارس القسوة المفرطة تجاه من حاربهم في الدّاخل، مقابل التّسامح والصفح حيال المقاتلين الفرنجة. فـ”هذه الثنائيّة المتكافئة في الشخصيّة عند صلاح الدِّين توضًّحت وتعمقت بفعل أوالية الانزياح، أو آلية التَّراجع إلى ما كان مطمورًا مختمرًا ولا واعيًّا خرج إلى العلني والوضوح بعد الشّفاء من مرض كاد أن يكون قاتلاً. إنّ انتقال صلاح الدِّين إلى “حياة” جديدة، إلى معنى جديد وقيم صوفيّة، قد يفسِّر بإعادة ضبط للشخصيّة، وإعادة فهم للوجود والإيمان والتواصليّة” (ص163).
في ما يخصّ المؤرخ ابن خَلدون، كان انعزاله تعبيرًا عن إصابته باضطرابات في شخصيته، أو نتيجة اكتئاب سببه فقدان عزيز عليه. هذه الخلوة يمكن تفسيرها بالهروب من النّاس أو الانكفاء والأنطواء، أو هي تعبير عن انجراح وأزمة نفسيّة اجتماعيّة. لكن ابن خلدون ” وظّف اختلاءه إلى نفسه، في منطقة منعزلة، توظيفًا أتى فعالاً وإسهاميًّا منتجًا ومدخرًا.. وكان ذلك الانقطاع، من حيث معناه المطمور اللاَّمفكر فيه أو الغوري اللاَّواعي، منتوج عمل الحداد. فهنا تتفسّر الخلوة، وبالتّالي ثمرتها “المقدِّمة”، بأنّها عمل التّعزية الذّاتيّة : لقد كانت تغطية لحزن، وردًا على فجيعة خلخلت سوائية الشخصيّة.. كان خوفه العصابيُّ من الوحدة، من خسارة العزيز، خوفًا من الفناء، ردّ عليه ابن خلدون بالهرب إلى التَّدين والغرق في التَّصوف والتَّألم النَّفسي الصامت على المفقود.. لقد كانت تجري كنشاط لا واع وعمل اختماري، عمليات إعادة بناء الشخصيّة والحقل والتكيّف” (ص 164).
أمّا مفتي الدّيار المصريّة الشّيخ محمد عبده، فقد كان له نصيب في التّحليل النّفسي لشخصيته في ذكريات زيعور. يقول عنه: “حكمت خطابه أواليات التّكوين العكسيِّ، وشطرنة الموضوع وشطرنة الأنا، والاهتداء إلى المعرفة والتَّصوف، والتَّراجع إلى الضدِّ، والنكوص وتكرار الانسحاب ونكران الواقع.. كما يبدو أنّ تقلبات تلك الشخصيّة الطلقة المتقبلة، المتأرجحة بين قطبي الإدراك الواحد أو الموقف الواحد والعاطفة الواحدة، لم تكن بغير توجيه عميق للفكر، والمحاكمة، وإدراك المشكلات، وطرح الحلول والفتاوى الإستجداديّة… إنّ تعقب انجراحات الوعيِّ والسّلوك في شخصيّة محمد عبده يوقف المتحري مليًّا عند أوالية التّراجع، أي في المحطّة الإحجاميّة المهادنة. ثمّ إنّ ذاك التّحول النّفسي الاجتماعي يتكافأ مع تحوّل نفسي هو أزمة، أو قحط وصقيع في الشخصيّة، أو هو خوف عصابيٌّ من الاقتحام والتّحمل، من الاصطبار والمجابهة المقاومة، والمباشريّة كما العقلانيّة” (ص 165).
يخضع زيعور العاملين في مجال الفلسفة الماديّة والاشتراكيّة من خلال قراءة نفسيّة لاثنين من أقطابها هما مهدي عامل وحسين مروه. يقول عن مهدي عامل إنّ المجتمع لم يكافئه، لا في حياته ولا في مماته. يقول زيعور عنه: ” أنا حزين لذلك العقل الجامعيِّ الوظيفة، المملوء ثقة بالذّات والحياة. كنّا نلتقي أحيانا جمّة، أنا أمشي لأتعب، واستعيد هدوء البال، وهو يمشي كرهًا بالمستعمرين الجدد، وبالرأسماليّة ومخاوفها، ولأسباب أخرى غير خفيفة” (ص 191).
أمّا حسين مروه، فقد كان فقيهًا راهنيًّ العقل، وعالمًا متحوّلاً. هو “فقيه يعبّر عن تيّار اجتماعيٍّ، عن هموم الأمّة والجماعة والمجتمع، عن مأزق السّلطة باسمها القديم أي الإمامة أوالخلافة. إنّ حسين مروه هو ذلك الفقيه الّذي التزم على نحو شديد الصلة بالواقع، بالحديث النّبويِّ المحفز على أن نهتم بشؤون الجماعة، بهموم المجتمع، بمسيرة الأمّة صوب تحقيق لذاتها، لانتماءاتها وطموحاتها الحضاريّة” (ص192). كانت شخصيته تتميّز بالحنان الدَّافق. لم يكن يحبّ الصدام، ربّما لعدم ثقته بنفسه. “كان يكره بحدّة غير مألوفة في سلوكه اليوميِّ، مصطلح الذّات العربيّة والمشروع العربيّ للوحدة، والاستقلال الإسهاميّ داخل الأمم. لكأنّه يريد أن نستسلم لعقيدته، ولا أقول لفكره، وإذا أسمعناه هذه الكلمة كان يظنّ أنّك تتحدّاه، وتتحدّى اللّياقة، وأعظم الأمم، وأوحد الأيديولوجيات المنقذة للبشريّة” (ص195).
يعيد زيعور إلى الذاكرة ذلك النّقاش الّذي دار في شأن علم الجمال وضرورة إدخاله في منهج التّدريس في قسم الفلسفة. “لم تكن الجماليات العربيّة الإسلاميّة رصيدًا تدريسيًّا في قسم الفلسفة (الجامعة اللّبنانيّة)، ولا أعرف أنّه كان سائغًا لفت الطالب الجامعي في ذلك القسم، وفي باب علم الجمال، إلى شيء من “الفنّ البلدي”، الفنّ الّذي نحياه ويعيش فينا على صعيد محليٍّ. فقد كان، في زعمي، يسهل على الجامعي أن يقرأ ويحلّل، أن يترجم أو يدرّس: النظريات اليونانيّة في الفنّ، نظريّة كانط، أو هيغل وماركس في ذلك الميدان، “آراء” بعض المعاصرين من المدرسين الفرنسيين لذلك الرصيد في جامعاتهم” (ص257). ويضيف زيعور في مكان آخر: “كلمة الجماليات توحي بأنّ ذلك العلم لا يدرس إلاّ ما هو جميل، وكلمة “جميل”، في العربيّة، تحمل معنى أخلاقيًّا ومعنى فنيًّا. كذلك كلمة “الحسن”. لكن ذلك العلم يدرس التّجربة الفنيّة للقبح أيضًا. وهكذا فقد وجدت، أو لاح لي أنّي وجدت، أنّ كلمة “الحشن” (الشين المنقوطة)، تشير إلى الجميل والقبيح معًا. وطرحت المصطلح، فلم ينجح. وكتبت لمجلة بحثًا في الموضوع. دفعوا لي أجرًا حسنًا. ثمّ تطوّر الوضع، فعرضت أن أكتب لموسوعة معهد الإنماء العربيِّ الفلسفيّة بحثًا في الأستاطيقا العربيّة، وهنا “ظنّ خيرًا ولا تسأل عن الخبر”.. كان سهلاً عليّ أن أتبسط، وأن أكثر. معرفة الإنسان لحدوده، قيد، لكنّه قيد نافع لنا، وللآخرين” (ص260).
في فصل يتناول فيه “الأنا والمجال والزّمان”، يتناول زيعور الذّات في تجاربها وتحوّلاتها، وتفاعلاتها في الحقل والزّمان. يقول في هذا الصدد :”نكتب عن الذّات، أو نتكلم حولها ونكشف انجراحاتها وقلقها، كي نعيد ضبط المسار ونعدّل في فهمه. فنحن نتعلم كي نتجاوز، كي نعيد التّعلم ابتغاء لما هو أنجح وأقدر، بل أكثر إنتاجا وأكثر إبهاجا للنّفس. والكتابة عن الذّات بداية تنتهي إلى بدايات، وتفرض عودات وتكرارات، اعترافات أو بوحيات وهتكانية. ما كتبته عن ذاتي لم يعجبني إلاّ حيث تكون الكتابة وصفيّة سرديّة، ومن ثمّ تاريخيّة أي توثيقيّة وتقدّم “وقائع” على نحو موضوعي. لكن، كلّما اقتربت كتابتي من التّأرخة الخطيّة اللاّمتعرجة ازدادت ابتعادًا عن ذاتي، وعن رغبتي في تقديم ذاتي للآخرين، أو كشفها وإعلانها. عندما تكتب شيئا عن نفسك الماضية، أو عن حالات لها وتغذيات جرت لها، فإنّك تقطعها وتفتتها، ثمّ تعيد تركيبتها وصبها. أشعر، أنا، أنّي أعيش من جديد كلّ حالة أعود اليوم لتذكرها، ثمّ لاستخلاص ما يعقل أن يسجلّ منها، أو يباح به. بل إنّي أفهم نفسي، وأفهم الحادثة الّتي أعود إليها، على نحو آخر مختلف عن الأصل” (ص271 – 272).
يرصد زيعور التّحولات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة الّتي أصابت الرٍّيف اللّبناني في العقود الأخيرة من القرن العشرين، من خلال العلاقات الأسريّة والعادات والتّقاليد السّائدة، فيقرأها من زاوية سوسيولوجيّة أحيانا، وإناسيّة، ومن إخضاعها إلى منطق التّحليل النّفسي من زاوية أخرى. في وصفه للتّحولات الاجتماعيّة يقول: “تغيّرت العلاقات الاجتماعيّة داخل القرية، وتغيّرت القيم والتّعامليّة الاقتصاديّة. في خلاصة، وجود الشّروط المسبقة الّتي تحكم علاقة القطبين (المستأجر والمؤجّر)، أو وجود مؤسّسة ونصوص تنظم تلك العلاقة، قوّة تساهم في الحفاظ على السّلوك السليم عند العامل، كالبلاّط مثلا، فسلطة التّنظيمات تضعه في جوّ يمنع الطمع، ويلجم الرّغبة في النَّهب واستغلال عدم معرفتي بأسعار المواد والبضائع وأجرة الصنايعي. يكذب الّذي يعرف، والّذي لا يعرف يصاب بخيبة الأمل، وبالفشل والإحباط. سوء استثمار المعرفة مشكلة معروفة، ليس على صعيد التّعامل اليومي فحسب بل بين الأمم أيضًا. ومن السّخف أن تندب هنا الفضيلة المحرومة، والأخلاق الذَّميمة، وأن ينحى باللاَّئمة، وأن يقال للتّاجر، للرأسمالي، أنّ الكذب عيب، والاستغلال حرام.. فذلك كلام بكلام. حتّى “مال النّبي” لا يحميه، في هذا الزّمان، التّحريم والتّقريع.. وكثير الصّلاة، في العلاقات الاقتصاديّة القائمة، فصل في نفسه وتعامليته ما بين الدِّين والأخلاق، وكذلك بين الأخلاق والسياسة، ولا سيّما بين المنفعة والقيمة، بين الآخرة والدّنيا، بين الله والمال. بات الإله الجديد “نقدًا وعدًا”، مالاً ولا شيء آخر” (ص289). ومرّة أخرى لا بدّ من المؤسّسات، والمرافق العامّة، والمجتمع المدني.
يعطي زيعور مكانًا للفيلسوف البريطانيِّ برتراند راسل الّذي قاد تظاهرات شعبيّة دعوة للسّلام العالميِّ وضدّ القنبلة الذَّريّة. فراسل من الّذين ينظرون بخوف إلى المستقبل، يقول عنه: “وكون راسل سقراط بيئته دلالة على أنّ إنسانيّة الإنسان ممكنة التّحقيق، وأنّ المناقبيّة ليست في الشّرعيّة والشكليّة القواعديّة المرسومة. والحكماء، في كلّ عصر، كانوا ذلك المنهج في الحياة الّذي نورته لهم الفكرة الفرديّة الحرّة، وكانوا تجسيد العقيدة أو المبدأ الذّي صار جزءًا وقسمًا من الـ”هم” الكياني. تكمن عظمة راسل في غضون هذه النّاحية. ما أشبهه بالرواقيين المسلمين الكبار في الزّمن الغابر. لقد اتّسع ضميره للملايين من بني جنسه، ورأى أنّ حريته ومسؤوليته لا تنفصلان عن حريّة ومسؤوليّة الآخرين” (ص321). ويضيف زيعور معلّقًا على فلسفة راسل قائلا: “حتّى المنطق الّذي يقول به راسل ويراه مرتكزًا وأساسًا للفلسفة والأخلاق ليس هو كلّ المنطق بل هو الشّكلي أو الصرف منه. ولن ننتقد هنا هذه الشكليّة في المنطق، ولا تلك المغالاة والشّطح. فجعل المنطق فكرة مفتاحًا، نفسّر بها كلّ شيء، وتفتح لنا مغلق الأبواب، أضعف من أن تعي الحياة واللّغة. لقد كان لراسل شيء من الفضل في البحث في التّوازن المزعوم أو العلاقة بين المنطق واللّغة، لكنّه يقول بالواحديّة في التّفسير. لم يعد اليوم مقبولاً في ميدان الفكر والفلسفة هذا الإجراء القاضي بإطفاء شمعات الآخرين ظنًا أنّه بهذا “الأمر” تنار السبل أكثر. ثمّ أنّ العلاقة بين المنطق والرياضيات أوسع وأعمق ممّا ظن فيلسوفنا. من ناحية أخرى، ليست الأخيرة كما ادعى “علمًا لا نعرف مطلقًا عمّا نتكلّم، ولا نعرف إذا كان ما قلناه صحيحا”. فالرياضي يعرف بالطبع الشيء الّذي يتكلّم عنه، ويعرف أيضًا وتمامًا صحيّة وصوابيّة ما يقوله” (ص321 – 322).
يعيد زيعور إلى الذّاكرة دراساته وأبحاثه الفلسفيّة حول الفلسفة الوسيطيّة في أوروبا خصوصًا ذلك النّقاش الّذي دار عمّا إذا كانت تندرج حقًا في ميدان الفلسفة أم يغلب عليها اللاَّهوت الدِّيني. يشير في هذا الصدد: “لعلّ الرؤية الأجمعيّة للوعيِّ الفلسفيِّ في الثّقافة العربيّة تفرض علينا التقاط مبدأ عام هو كالبنيّة المضمرة الكامنة، أو كالباراديغم، أو هو خاصيّة ركيزيّة وشبيهة بالقانون. ذلك المبدأ الرّاسخ حكم النّشاط الفلسفيِّ وميزه، أو أعطاه شخصيّة تتّصف بالمزاوجة المستمرّة العامّة بين العقليِّ والإيمانيِّ، بين الوضعيِّ والعيانيِّ ثمّ الروحانيِّ.. إنّ قبولنا بأنَّ “الفلسفة” في أوروبا إبّان العصور الوسطى هي فلسفة، وليست لاهوتًا صرفًا، هو في الوقت عينه نظر في الفلسفة العربيّة الإسلاميّة، أو موقف من هذه الفلسفة، بل من مرحلة التّفلسف الثّانية حيث الطَّهطاوي وعبده وما أشبه” (ص347).
في ذكريات زيعور ما يتّصل بالمستشرقين الغربيين خصوصًا منهم ارنالديز الّذي يقول عنه: “كان، حربًا على المعروف والمعهود، لا يريد أن يرى التّطور، أو اندحار الفكر المتعصّب، وكان في موقف من يرفض حريّة الحوار وتساوي الأمم، أو حقّ الأمم الّذي هو نفسه على غرار حقّ الإنسان الفرد” (ص 390). في المقابل يولي زيعور المستشرق ماسينيون الّذي يرى فيه عينة أخرى من محاكمات لخطاب غربي – عربي. يقول عنه: ” نفهم ماسينيون فهمًا جديدًا إن أخذناه على بساط فكر أو على أيديولوجيا كان يعيشها ويصقلها. فهو كفرنسي، ينتمي إلى الكثلكة، أي إلى ما هو روحاني تبعًا لزاوية محدّدة، ثمّ هو كمثقّف جامعيٍّ فرنسي، ومساهم في تحريك الفكر الجامعيِّ الفرنسيِّ، تحرّك فكريًّا بتلازم وتوافق مع مجموعة مباديء الفكر الجامعي الفرنسيِّ” (ص392). لكن أرنالديز وماسينيون ينظران إلى العلوم عند العرب نظرة دونيّة، ويتّهمان العقل العربيَّ بالانغلاق واللاَّمرونة بل والتّكرار.
يختم زيعور ذكرياته بسرد رحلته إلى الأماكن المقدّسة وممارسة طقوس الحجّ وما رافق تلك الرّحلة من معاناة. يعطي عنوانًا مطولاً لهذا الفصل: “دفاتر الحجّ، يوميات تجربة شخصيّة في الحجِّ، تاريخ هجرة إلى التّطهر والخلاص. اكتشاف غوريات الرّاحل إلى المقدّس أو الألوهيّة. العلاج النّفسي بالتّدين والإيمانيات والمتخيّل. معرفة الذّات وتحليلها عن طريق الاستبطان المستحث”. هنا يطرح سؤال عمّا إذا كانت رحلة الحجِّ هذه عند زيعور نوعًا من الطقس العادي استنادًا إلى الواجبات الدِّينيّة المنصوص عنها في وصفها من أركان الإسلام الخمسة، أم أنّ رحلة زيعور هذه هي طقس صوفيٌّ بكلّ معنى الكلمة، بل تجسيد للصوفيّة المتجذرة لدى زيعور؟ نرجّح التّصوف واختباره في الصحراء العربيّة في وصفه الدّافع الأساسيَّ لرحلة الحجِّ هذه. يسجِّل ملاحظاته على أحد الخطباء من رجال الدِّين، هناك، قائلاً: “الانتقال إلى الكلام عن تضاؤل حدّة “الوعي الحضاري”، والذّاكرة الحضاريّة، يفرض عليّ أن أرفض ذلك الخطيب الجاهل بالواقع والعلوم.. تذكرت الآن بعض الصوفيين أو الزّهاد في الإسلام، والهند والنسّاك في العالم. لقد ألغى الإنسان المعاصر مباركة التّقشف والنّدب الذَّاتي. فرفض الانخراط رفض للجماعة والتّاريخ وللعام. كذلك ألغى الفكر المعاصر، ومنطق الأديان، وفلسفة العقل، مقولة أنّ الخلاص ممكن إن سلك الإنسان درب التّحطيم الذَّاتي، وشجب الحياة الاجتماعيّة ورفض التّاريخ بعناد طفلي بائس” (ص 463).
كتاب الدكتور علي زيعور رحلة فكريّة ممتعة تأخذ القارىء إلى عوالم محليّة وخارجيّة، فكريّة ودينيّة وسياسيّة، إنّها مقاربات رجل عاش تاريخًا صاخبًا في حياته العلميّة والفكريّة، كما النّفسانيّة والتّحليلنفسيّة والفلسفيّة.
