النّص الاستراتيجيُّ كفِعل تحريريٍّ!

للنّص ـ أي نَّصٍّ ـ وظيفته أو وظائفه. وقد تكون بسيطة ومباشرة أو مركّبة وفسلفيّة. وهي نابعة من قصد واضعه أو من نوع هذا النّص وطبيعته. فوظيفة النّص الشّعريِّ مثلا قد تكون جماليّة فنيّة أو فكريّة أو خطابيّة. بل قد تتعدّد وظائف النّص بتعدّد القرّاء وما يُسقطونه عليه من لدُنِّهم وفق نظريَّة حريَّة التَّأويل وتعدُّد التَّأويلات. ومن الوظائف الأساسيّة للنّص، بوصفه كلاما، التّواصل مع الآخرين والحوار مع العالم. وهو حوار يهدف في كثير من الأحيان إلى البسيط من الأمور كقول شيء مّا والإخبار عن أمر أو فكرة، لكنّه قد يكون كلاما يهدف إلى خلق الكون من جديد أو تغييره أو ترميمه. بل قد يكون النّص إعلان وجود وهو عكس الموت. فيكون النّص علامة الوجود وشكله الكلاميَّ. أمّا النّصوص الفلسفيّة فقد تقوم بوظيفة تفسير الوجود وتغييره عبر طرح أسئلة الوجود ومقارباتها، وتقوم النّصوص العلميّة بوظيفة إنتاج المعرفة في المجالات كافّة بقصد إغناء معارفنا الإنسانيّة بما يُفيد حياتنا أو أعمالنا أو قضاء أغراضنا كالعلاج أو محاربة التّصحّر مثلا. وفي حال الدّول النّصوص هي الأساس باعتبار مثلا إعلان تأسيس دولة مّا بمثابة نصٍّ مؤسّس لها. أمّا الدَّساتير في حال الدّولة فتكون بمثابة النَّص النَّاظم أو المنظّم للحياة في الدَّولة. بل هناك مَن يذهب إلى أبعد من ذلك فيعتبر أنّ الحياة غنما تحصل فيما يُشبه النّص وأنّ كلّ ما يحصل في إطار نصّ وكنصّ لأنّه يحمل معاني ودلالات موجودة في اللّغة وأنّ كلّ ما يحدث يُسمّى باللّغة.

أسوق هذه المقدّمة المكثّفة في محاولة استعادة ما انتابني لحظة سُئلت في ورشة أكاديميّة عن وظيفة النّص الاستراتيجيِّ أو لماذا نضع تقارير استراتيجيّة. وقد ألحّ عليّ السّؤال في ضوء حقيقة شحّ “التّقارير الاستراتيجيّة” أو ما يُسمى أحيانًا بـ“الدِّراسات المستقبليّة” في الثقّافة العربيّة المدنيّة. فلفظة “الاستراتيجيا” ترد في العادة لدى الحديث عن العساكر والجيوش والحروب والصراعات الإقليميّة وقلّما تحضر في الخطاب المدنيِّ. هذا، علما بأنّ تعبير “استراتيجيات” أو “استراتيجيات العمل” حاضرة تمامًا في أدبيات المجتمع المدنيِّ والتنظيمات السياسيّة. وقد قُيّض لي في السنوات الأخيرة أنّ ألتحق بتجربة مؤسّسة لندنيّة تُعنى بتسوية الصراعات من خلال التّفكير والتّخطيط الاستراتيجيِّ الأمر الّذي وضعني أمام المصطلح وجها لوجه غير قادر على الفِكاك من إلحاح التّحدي.

للنّص الاستراتيجيِّ ـ هكذا خبرت بالتّجربة ـ وظيفة فلسفيّة مميّزة وهي القول أنّ الإنسان ليس حجرا خاضعا لقانون السّقوط وأنّه قادر على الاختيار والفعل. فالتّفكير الاستراتيجيُّ عندما يتحوّل إلى نصٍّ كلاميِّ معزّز برسومات بيانيّة يصير خوضا فيما هو ممكن وغير ممكن، فيما هو مستحبٌّ ومن سيناريوهات وما هو غير مستحبّ. نصّ كهذا سيكون سيرا تفصيليًّا في مسارات العمل الممكنة لجهة توكيد مسار مرغوب أو اعتراض مسار غير مرغوب. وهي تفصيل دقيق لأهداف متفاوتة المدى واستراتيجيات تحقيقها أو تحقيق بدائلها. وهو اشتغال يفكّك الأشياء وبدائلها ويربط بينها أو يفصل.

في مآله الأخير، التّفكير الاستراتيجيُّ المنصوص، هو تفكير في كلّ شيء ورسم كلّ شيء بالكلمات لا من أجل التّفكير والرّسم فحسب بل من أجل القول الصريح للمتلقي ـ وقد يكون الجماعة المفكّرة ذاتها أو فردا فيها أو قيادة ـ “هذه هي الخيارات الممكنة وهذه هي تقاطعاتها واحتمالاتها والآن عليكم أن تختاروا”! ويذهب النّص أبعد نحو تحديد الاستراتيجيات الممكنة في بلوغ الأهداف المحدّدة، أو أنّه قد يفاضل بين الخيارات وبين الاستراتيجيات سعيًا إلى تيسير عمليّة الاختيار وتحمّل مسؤولياتها واستحقاقاتها.

النّص الاستراتيجيُّ في مستواه التّفكيريّ ـ هناك مستوى تخطيطي أيضا ـ يضع الجماعة المستهدفة أمام مسؤولياتها ويُؤشّر على الأفعال الإراديّة الممكنة. وهي خلاف الفعال التلقائيّة. النّص الاستراتيجيُّ هو حثّ صريح على الفعل وعدم الاكتفاء بردّ الفعل على الطارئ والمستجدّ، وهو مبادرة الإنسان ـ الفرد أو الجماعة ـ إلى الإمساك بالزّمن وتحديد مضامينه وجدولته. فلا يكون الإنسان فريسة لعامل الزّمن أو عُرضة لحركته مفعولا بِه فحسب بل يصير فاعلا فيه وفي تحديد إحداثياته ووقائعه وكتابة عناوينه. وأظنّني لا أجافي الحقيقة إذا قُلت أنّ الإنسان العربيَّ ـ المجتمعات ـ كانت ولا تزال بأمسّ الحاجة إلى النّص الاستراتيجيِّ في كلِّ مستوياته وحدوده. والنّص الاستراتيجيُّ تقنية لإعمال العقل في التّحليل والتّفكير والتّشخيص والتّحديد والتّنبؤ من خلال استخدام معطيات ومعلومات ومنجزات العلم والمعارف الإنسانيّة كافّة تمهيدا للعمل المدروس أو المُبادَر إليه.

النّص الاستراتيجيُّ متعدّد المستويات كما أشرنا آنفا. فمنه ما لا يكتفي بالتّفكير بل يتعدّاه إلى التَّخطيط الاستراتيجيِّ وهو المتخصِّص في رسم خطَّة العمل على تنفيذ ما تمَّ التفكير به أو ما تمّ تبنيه من سيناريوهات أو أهداف. فإذا كان التَّفكير الاستراتيجيُّ يستهدف تفكيك حالة وتشخيص المعيقات والمخاطر إلى جانب الفُرص والإمكانيات، فإنَّ التَّخطيط الاستراتيجيَّ يهدف إلى الانتقال بالتّفكير من التَّشخيص والاختيار إلى عمليّة التّنفيذ التّفصيليِّ. وهنا، تولد ضرورة الخوض في طبقة ثانية من تفصيل سُبل التّنفيذ وفاعليتها وتحديد البدائل في حال لم تنجح الخطّة المفضّلة. والبدائل هنا غير محصورة في الخطّة بل تتعدَّاها إلى أساليب العمل واستراتيجياته ومواعيد هذه الخطوة وتلك وهويّة المنفّذ ومعايير لقياس التَّقدُّم في التَّنفيذ ونجاعته.

النّص الاستراتيجيُّ، إذن، مركّب بل ومعقّد يتوخى الإجابة على أسئلة كبيرة وصغيرة في الوقت ذاته، ورسم معالم الزَّمن في حركته من اللَّحظة الراهنة نحو المستقبل وإمكانيّة الفعل في كلّ مفصل ومنعطف وانتكاس. وهو كم هائل من التفاصيل الممتدَّة على محور الزَّمن ومن الأفعال الَّتي ينبغي الإتيان بها وسلسلة الأهداف والغايات منها. وفي هذا فإنَّ النَّص الاستراتيجي في وظيفته الأساس محاولة واعية مُدركة ـ للإمكانيات مثل المعيقات ـ لتحديد مضامين الأطر الزَّمنيَّة المعطاة ـ سنة أو سنتان أو عشر سنوات.

بقي أن أُضيف أنَّ منهجيَّة التّفكير الاستراتيجي ووضع التَّقارير (النُّصوص) الاستراتيجيّة هي منهجيّة تُستخدم حديثا في تسوية الصراعات والحدّ منها، ومن التَّوترات داخل المجتمعات. وقد خبرتُ بالتَّجربة أنَّ اشتراك مندوبين عن شعوب في صراع من مجموعة تفكير استراتيجي مهنيَّة والخوض في سيرورة وضع تقرير مشترك منشأنه أن يساعد في تغيير نظرتهم إلى الصراع وتقرّ بهم من الشُّروع بحلّه أو بالعمل على تطوير مقترحات ومسارات عمل للتَّخفيف من حدّته. وهنا، يكون النصال استراتيجي في سيرورته وماهيته أداة فاعلة في تحرير الصراعات من فتيلها.

للتَّلخيص:

إذا لم تخنّي الذَّاكرة فإنَّ جاك دريدا هو القائل في لحظة إشراق من لحظاته أنَّ هناك أناس يفضّلون أن يموتوا على أن يفكّروا. وقد لمست مثل هذه النَّزعة لدى كثير من النَّاس في كثير من مناسبات عمل أو منعطفات حياة. وهذا لا يعني أنَّهم لا يفكرون أبدًا بل أنَّهم لا يستطيعون التَّفكير خارج مألوفهم أو “طمأنينتهم” المتوَهّمة. أو أنَّهم يرفضون التَّفكير أبعد من حدود مرسومة في نفوسهم لئلا يفقدوا طمأنينتهم. أو أنَّهم لتفكيرهم بُعد واحد وحيد وهو الَّذي تحدِّده أمانيهم وخلجات قلوبهم. ومن العادة أن نرى هؤلاء يكتفون بالأماني غير مستعدين لدفع أثمانها أو القيام بأفعال حقيقيّة لبلوغها. أو قد نرى أناسا يفكرون لكن داخل إطار عقيدة أو أيديولوجيّة غير مستعدين أبدا التَّواجد خارجها وعلى أرضيَّة غير قناعاتها أو ثوابتها. هنا، أيضا، يكون فعل التَّفكير محدودا لأنَّه غائي مدفوع بتوق مشبوب إلى إثبات النظريّة. وكثيرًا ما ينزلق هؤلاء إلى تكذيب الوقائع على الأرض لإثبات ادعاء العقيدة أوليّ عُنق الحقيقة الجافَّة المجرّدة كُرمى لعيني أيديولوجيتهم ومنظّريها!

إنَّ بحث الإنسان والمجتمع عن الطمأنينة الغائبة يدفع باتِّجاه غيبيّة أو قدريّة متوفّرة بزخم في الأديان. وهي نصوص تتَّسم بحبكة وإحكام وإن كانت غيبيبة. وهذا الإحكام تحديداـ فرضيات ونقاط ارتكاز وإثبات ومعجزات وسحر وأساطير وبداية ونهاية ـ ما يولّد مركّب الطمأنينة فيها. هذا علما بأنّ التَّفكير والتَّخطيط الاستراتيجيِّ في صورتهما النسبيّة أو المُحكمة أكثر استجلابا للطمأنينة من أيِّ نصٍّ غيبيٍّ أسطوريٍّ لا تاريخيٍّ. وهنا تحضرني قصَّة سمعتها من صديق درس في إحدى جامعات ألمانيا. في إحدى المرَّات قادهم المضيفون إلى أكبر مصنع لمنتجات للنيروستا في البلد. أخذوهم إلى أعلى موضع في المصنع الممتد على مساحة مدينة وسألوهم: “كم استغرق بناء المصنع، حسب رأيكم ؟”. كانت الإجابات متفاوتة في تسمية الزَّمن. فمنهم، من قال ثلاث سنوات. ومنهم مَن قال خمس أو ثماني سنوات. أمَّا المضيفون فأخبروا الوفد الأكاديمي الرفيع المستوى أنَّ إنشاء المصنع استغرق ثلاثة أشهر ونصف الشهر فقط. أمّا تخطيطه ورسم خرائطه وتفاصيل خطط التَّنفيذ فاستغرق نحو ثلاث سنوات! بمعنى، إنَّ التَّفكير والتَّخطيط التَّفصيلي قد يشكّل مصدرا لليقين وللمؤكّد العملي والمُثبت في وجه كلِّ أباطيل القدريَّة والغيبيَّة. ومن هنا إصرارنا على أنَّ للنَّص الاستراتيجيِّ وظيفة فلسفيَّة تتلخص في تحرير الإنسان من قدريته ومن كونه حجرًا خاضعا لقانون الجاذبيَّة ـ إذا سقط من فوق فلا بدّ أن يرتطم تحت. هذا، إضافة إلى كون مثل هذا النّص تحريرا للإنسان من أسر المعتقدات الأيديولوجيّة ومن قبضة أنساق جامدة في ثقافته. النّص الاستراتيجيِّ إذن هو تحريريٌّ بمعنى فكّ أسر الإنسان من مألوفه ومن حركة زمنه وتأهيله للفعل والاقتدار والتَّغيير.

بقي أن أُضيف أنَّ منهجيَّة التَّفكير الاستراتيجيِّ ووضع التَّقارير الاستراتيجيّة هي منهجيَّة تُستخدم حديثا في تسوية الصراعات والحدّ منها ومن التوترات داخل المجتمعات وبينها. وقد خبرتُ بالتَّجربة أنَّ اشتراك مندوبين عن المجموعات في صراع ضمن مجموعة تفكير استراتيجيٍّ مهنيّة ووضع تقرير مشترك من شأنه أن يساعد في تغيير نظرتهم إلى الصراع وتقرّبهم من الشُّروع بحلّه أو بالعمل على تطوير مقترحات ومسارات عمل للتّخفيف من حدّته. وهنا يكون النّص الاستراتيجيُّ في سيرورته وماهيته أداة فاعلة في تحرير الصراعات من فتيلها. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This