هابرماس والمناقشة الفلسفيَّة الكبرى في الغرب
كنت سأتحدَّث لكم عن مقالة ماتيو غيدير الأستاذ في جامعة تولوز عن مفهوم الجهاد ماضيا وحاضرا. وهي دراسة منهجيَّة متقنة تدلُّ على مدى جديَّة هذا الباحث الصاعد وسعة اطلاعه. وكنت سأتحدَّث لكم عن عدد مجلة “اسبري” الأخير المخصَّص لهابرماس. وفيه مقالات هامَّة جدًّا ومضيئة للمسرح الفكريِّ الاوروبيِّ الرَّاهن. ولكن ضاق الوقت ولم يعد يتَّسع المجال.
يضاف إلى ذلك أنَّ إحدى الحسناوات هجمت عليَّ وأنا منهمك بتصوير كلِّ هذه المقالات في المكتبة (أكثر من مائة صفحة) وزعمت بأنَّها تريد تصوير صفحتين فقط. فشعرت بأنَّه لا يحقُّ لي أن أحتكر الآلة لوحدي. أقول ذلك وبخاصَّة أنِّي لم أر في حياتي امرأة أكثر تبرجا وأناقة منها. كانت أناقتها تشعُّ على مسافة عشرة أمتار دائر ما اندار. وربَّما لهذا السبب خفت منها. الجمال الزَّائد عن اللُّزوم يخيف أحيانا. لأوَّل مرَّة أعرف أنَّ الجمال مخيف أيضا. أحيانا أتساءل: لماذا لا أترك كلَّ شيء وألحق إحداهنَّ إلى نهاية العالم؟ ولكن شغلني عنها هابرماس ومارسيل غوشيه. تصوَّروا هذا الغباء! تصوَّروا هذه الحماقة! طز بهابرماس وكلّ الفلسفة الحديثة في نهاية المطاف! لقد ضيَّع عليَّ فرصة ذهبيَّة لا تقدر بثمن. ولكن لماذا كلّ هذا الخوف منها؟ هل تعتقد هذه اللَّعوب الغاوية بأنَّها قادرة على أن تحرف شخصا محترما مثلي عن النَّهج القويم والصراط المستقيم؟ هيهات! فإيماني الراسخ رسوخ الجبال يحميني من كلِّ هذه الاغراءات والمنزلقات. ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. شخص وقور مثلي، شخص متعبِّد ومتهجِّد آناء اللَّيل وأطراف النَّهار لا تهزُّه الرياح. شخص قديس تقريبا أو ولي من أولياء الله الصالحين يتعالى على كلِّ هذه الترهات. لكن لنعد إلى المحروسة قليلا..لاحظت أنَّ موظَّفة المكتبة انتبهت إليها و بدت وكأنَّها مبهورة بها مثلي و ربَّما أكثر منِّي. ولذلك أصبحت تراقب الوضع عن كثب وعلى وجهها ابتسامة ساخرة. كانت تنتظر ما الَّذي سيحصل بيننا. لاحظت أنِّي أكاد “آكلها بعينيَ أكلا” كما يقال. لاحظت أنِّي مبهور ومصروع. هل سمعتم بشاعر اسمه: صريع الغواني؟ هو أنا بعينه. إنَّه سيدي وأستاذي وقدوتي. ثمَّ تدخلت السيِّدة المحترمة لحل الأشكال. وبعدئذ تبخرت هذه الغادة الحسناء من حيث أتت وأنا غائب عن الوعي تقريبا: أي مشغول بإكمال التَّصوير عن هابرماس!
والله لا أعرف كيف أتت ولا كيف ذهبت.. أحيانا تنزل عليَّ الحوريات من السَّماء بشكل مباغت. بصراحة أنا محظوظ أكثر ممَّا أتصوَّر.. لكن لن أترككم على جوعكم وعطشكم. فعدد مجلَّة “اسبري” الأخير مثير فعلا للشَّهية الفلسفيَّة. إنَّه مخصص كليًّا “لآخر فيلسوف” أو “للفيلسوف الأخير” كما يقول العنوان على الغلاف. وفيه يتحدَّث هابرماس الخجول جدًّا لأوَّل مرَّة عن حياته الشخصيَّة. وفيه مقابلة مطولة معه. وهناك مقالة مطوَّلة أو بالأحرى مقابلة عن تأثيره على السَّاحة الثَّقافيَّة الفرنسيَّة. وهناك مقالة عن رأي بول ريكور به. وبالتَّالي فالعدد صيد ثمين وكنز لا ينضب. ولهذا السبب استحوذ على اهتمامي كليًّا. وعنه كتب بعض الاختصاصيين مقالات مفيدة تشرح نظرياته وأفكاره العويصة. ومعلوم أنَّ أسلوبه وعر ومزعج ومتعب. هابرماس ليس نيتشه! هابرماس ليس ميشيل فوكو الَّذي يكتب بلغة بركانيَّة متفجرة رائعة. أعود وأكرر: قلبي مع فوكو وعقلي مع هابرماس. بصراحة لا أستطيع أن أعطي ثقتي لفوكو أو نيتشه ولكنِّي أعطيها كاملة على العميانة لكانط وهابرماس.
هكذا تلاحظون أنِّي شخص منقسم على نفسه: قلبه في جهة وعقله في الجهة الأخرى. لقد انتصر هابرماس على فلاسفة فرنسا في عقر دارهم لسبب بسيط: هو أنَّه لم يكتف بنقد الحداثة التَّنويريَّة وتفكيكها وتهشيمها كما فعلوا هم بحجَّة تقويم اعوجاجها وانحرافاتها أيَّام الاستعمار والفاشيَّة والنَّازيَّة. وهذا عمل ضروريٌّ بالطبع. وإنَّما جدَّدها وأعاد إليها الثِّقة بنفسها بعد أن بلور نظريَّة العقلانيّة التَّواصليَّة الحواريّة الديمقراطيَّة على أسس جديدة. فلا بديل عن التَّنوير إلّا التَّنوير ولا بديل عن العقل الاَّ العقل ولكن موسّعا ومتحررا من انغلاقاته السَّابقة الَّتي أدَّت إلى كلِّ هذه الكوارث. واتَّهمهم بالخلط بين نوعين من العقل أو العقلانيَّة: أي العقلانيَّة الأدواتيَّة الانتهازيَّة الباردة من جهة، والعقلانيَّة الديمقراطيَّة التَّنويريَّة من جهة أخرى. وقال بأنَّ النَّموذج الانتهازيَّ للعقلانيَّة الرأسماليَّة الَّذي ساد الغرب سابقا ليس كلّ العقلانيّة. فهناك عقلانيّة أخرى أرحب وأوسع وأكثر كرما وإنسانيّة. وبالتّالي فهناك عقل وعقل أو قل هناك استخدامان ممكنان للعقل: الأوَّل إيجابي فعَّال والثَّاني سلبيٌّ لا أخلاقي مدمِّر. لهذا السبب حمل بشدّة على فلاسفة ما بعد الحداثة من أمثال جاك دريدا وميشيل فوكو وجان فرانسوا ليوتار وراح يفكِّك أطروحاتهم في كتابه الضخم:“الخطاب الفلسفي للحداثة”. واتَّهمهم بالفوضويَّة الرجعيَّة والعدميَّة النيتشويَّة. وقال بأنَّ أطروحاتهم تؤدي إلى تدمير مكتسبات الحداثة الَّتي لا تقدَّر بثمن: كالفكر الديمقراطيِّ القائم على الحوار والنِّقاش الحرِّ قبل حسم القرار، وكدولة الحقِّ والقانون الَّتي تحسدنا عليها كلُّ دول العالم الَّتي تعاني من الاستبداد والديكتاتوريَّة والفساد وحكم التَّسلط والاعتباط. فماذا يريد هؤلاء؟ هل يريدون الاطاحة بكلِّ مكتسبات الحداثة والقفز إلى مرحلة ما بعد الحداثة؟ ولكن هذا جنون وتصرف غير مسؤول، فمصطلح ما بعد الحداثة الَّذي لا يحبُّه إذا كان يعني التَّخلي عن مكتسبات الحداثة لا خير فيه.
وإذا كان يعني تصحيح الانحرافات الَّتي تعرضت لها مع المحافظة على المكتسبات فلم لا؟ فالحداثة مشروع لم يكتمل في رأي هابرماز. وبالتَّالي فتنبغي مواصلته وانضاجه لا القفز عليه من خلال المغامرات النيتشويَّة الطائشة لما بعد الحداثة. ومعلوم أنَّ نيتشه لا يعترف بالديمقراطيَّة ولا بحقوق الانسان ولا بالمساواة والاخاء بين البشر ولا بكلِّ قيم الحداثة. بل ويعتبرها سخافات في سخافات. من هنا خطورة نيتشه على الرَّغم من عبقريته في مجالات أخرى. ولذا ينبغي أن نتعامل معه بحذر شديد. فهو شخص خطير. نقول ذلك وبخاصَّة أنَّه جذاب إلى أقصى الحدود بسبب أسلوب شاعريٍّ جنونيٍّ عبقريٍّ لا يضاهى. وردَّ عليه هؤلاء قائلين: لن نقبل بأيِّ درس في التَّقدميَّة من هابرماس! نحن لسنا محافظين رجعيين، ولا فاشيين فوضويين، ولا نيتشويين عدميين.
وهنا تكمن المناقشة الفلسفيّة الكبرى للغرب. ولا أستطيع الدخول في كلّ تفاصيلها هنا لأنَّ ذلك يتطلب عدّة مقالات دفعة واحدة. كلّ ما أريد قوله هو أنّ مصطلح ما بعد الحداثة فقد الكثير من بريقه مؤخرا ولم يعد سائدا في السّاحة الثَّقافيّة. أضيف بأنَّ هابرماس أعاد مؤخرا الاعتبار للقيم الأخلاقيّة والتّضامنيَّة للدِّين بعد أن تحرر في أوروبا من براثن الأصوليَّة كليًّا ولم يعد يشكِّل أيَّ خطر على حريَّة الفكر. ولكن هذا أيضا موضوع آخر يحتاج إلى معالجة خاصَّة.
أخيرًا
شحاذ على أبواب الحبِّ
والآن بعد كلِّ هذه المناقشات الفكريَّة العويصة دعونا نسترح قليلا في رحاب الأدب العالميِّ..
قلت لإحداهنَّ، أربعينيَّة مزدهرة:
هنيئا لزوجك يا مدام، إنِّي أحسده
وفي رواية أخرى: إنِّي أكرهه
انفجرت بضحكة أنثويَّة عارمة وهي ترمقني بنظرة فيها ما فيها. ثمَّ قالت:
– كيف عرفت أنِّي متزوجة؟
– ولو؟ واحدة حلوة مثلك…
-لأ غلطان
– إذن أنت حرَّة؟
– حرَّة تمامًا
– معناها عندي حظّ؟
– صفر، أقلّ من الصفر. ما ناقصنا إلَّا واحد مشرشح بلا منزل ثابت ولا عنوان ولا حتَّى هاتف نقال…
– شكرا مدام على هذا اللُّطف
-لا شكر على واجب
وهكذا انتهت مغامرات اليوم الأول في مدينة ₺سان نازير₺ الفرنسيَة بالفشل الذَّريع. معليش. خيرها بغيرها. فهذه المدينة الشَّاطئيَّة السَّاحرة لا تخلو من الآنسات والسيِّدات المتهوِّرات. ولا بدَّ أن تظبط إحداهنَّ في نهاية المطاف لكي تخفِّف عن هذا المسافر الأفّاق وعثاء السَّفر.
