هيغل: عظماء التَّاريخ مجرَّد أدوات لتحقيق روح العصر

[هؤلاء هم عظماء التَّاريخ] تمارس الأعمال الجليلة عليهم ومن خلالهم سلطة لا قبل لهم بمقاومتها، حتَّى لو أحسُّوها سلطة خارجيَّة وغريبة عنهم، حتَّى لو تعارضت مع ما يعتقدون أنَّه إرادتهم الخاصَّة. ذلك أنَّ الرُّوح المتقدّم نحو أشكال جديدة هو نفسه الرُّوح الدَّاخليَّة للأفراد. لأنَّه دخيلتهم اللاَّواعية الَّتي رفعها العظماء إلى مستوى الوعي. منجزاتهم هي المبتغى الحقيقي لإرادة الآخرين، يمارسون على غيرهم سلطة لايملك هؤلاء سوى الإذعان لها رغم معارضتها لإرادتهم الخاصَّة. وإذا كانوا ينقادون لهداة الرُّوح هؤلاء فلأنَّهم يستشعرون منهم نداءا لايقاوم صادرا من روحهم الدَّاخليَّة نفسها.

وإذا تأملنا قدر هاته الشَّخصيات التَّاريخيَّة، سنجد أنَّهم سعدوا بكونهم أدوات لتحقيق غاية تشكّل مرحلة في المسيرة المتدرّجة للعقل الكونيِّ، ولكنَّهم لم يشعروا بما نسميه عادة بالسَّعادة من حيث أنَّهم أدوات مفردة لهذا الجوهر [الَّذي يسكنهم] وهم أصلا لم ينشدوها وكلُّ مانالوه من رضى جاء من سعيهم لبلوغ غاياتهم من خلال الكدح الشَّاق، تلك الغاية الكونيَّة. وحيث أنَّهم ألفوا أنفسهم منذورين لهذه الغاية الجليلة، فقد هبُّوا لها بكلِّ جرأة غير أبهين بمعارضة غيرهم لهم. لم يختاروا السَّعادة بل الشَّقاء والكفاح والعمل لبلوغ غاياتهم. وعندما أدركوها لم يهنئوا بأيَّة سعادة أو متعة ذلك أنَّ كينونتهم هي فعلهم. وطبيعتهم ومزاجهم يرسمه شغفهم. ما إن بلغوا غايتهم حتَّى تهاووا كغشاء ثمرة فارغة. من المحتمل أنَّهم عانوا ليصلوا نهاية الشَّوط، ولما أدكوه ماتوا شبابا كالإسكندر، غيلة كالقيصر أو منفيين كنابليون. قد نتساءل: ماذا غنموا؟ لقد غنموا مفهومهم، غايتهم وإنجازهم، ولاشيء غير ذلك وما نعموا بالمتعة والهناء.

المصدر:Hegel, La raison dans l’histoire

نقلا عن الكتاب المدرسي لمادَّة الفلسفة وزارة التَّربية الوطنيَّة (الجزائر) – الطبعة الأولى 1996-1997.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This