فرويد: كيف لي أن أحبَّ قريبي كحبِّي لنفسي؟!


الحال أنَّه في عداد المطالب المثاليَّة للمجتمع المتحضِّر مطلب ثمين هنا بأن يهدينا إلى سواء السَّبيل. هذا المطلب يقول لنا: “أحبب قريبك كنفسك”. وهذه الكلمة الجامعة، المشهورة في العالم قاطبة، أقدم عهدا بكلِّ تأكيد من المسيحيَّة الَّتي وضعت اليد عليها كما لو أنَّها المرسوم الَّذي يحقُّ لها أن تفاخر غاية المفاخرة بصدوره عنها. لكنَّها بالتَّأكيد ليست سحيقة في القدم. فقد كانت ما تزال مجهولة من البشر حتَّى في عهود ما بعد التَّاريخ.


لكن لنقف منها موقفا ساذجا كما لو أنَّنا نسمع بها للمرَّة الأولى، وفي هذه الحال لا نستطيع أن ندفع عن أنفسنا شعورا بالمباغتة إزاء غرابتها. فلماذا نعتبر ما ورد فيها واجبا علينا؟ وأيُّ عون تمدّنا به؟ ثمَّ كيف السَّبيل، على الأخصِّ، إلى العمل بها وتطبيقها؟ وهل سيكون ذلك في مستطاعنا؟


إنَّ حبِّي لهو في نظري شيء ثمين ثمين بحيث لا أملك الحقَّ في هدره والتَّفريط به دونما وعي وهو يفرض عليَّ واجبات يفترض في أن أكون قادرا على الوفاء بها ولو مقابل تضحيات. وإذا أحببت كائنا آخر، فلا بدَّ أن يكون مستأهلا لذلك بصفة من الصفات (أستبعد هنا علاقتين لا تدخلان في حساب حبِّ القريب: الأولى أساسها الخدمات الَّتي يمكن أن يؤديها لي، والثَّانية أساسها أهميَّته الممكنة كموضوع جنسيٍّ). إنَّه يستأهل حبِّي حين يشبهني في وجوه مهمَّة شبها عظيما يمكن معه أن أحبَّ فيه نفسي أنا. إنَّه يستأهله إذا كان أكمل منِّي إلى حدٍّ يتيح لي إمكانيَّة أن أحبَّ فيه مَثَلي الأعلى بالذَّات. وعليَّ أن أحبَّه إذا كان ابن صديقي، لأنَّ ألم صديقي، إذا وقع مكروه لابنه، سيكون أيضا ألمي، ولن يكون أمامي مناص من أن أشاطره إيَّاه.


ولكن إذا كان بالمقابل مجهولا منِّي، وإذا لم يجتذبني بأيّ صفة شخصيَّة، ولم يلعب بعد أيَّ دور في حياتي العاطفيَّة، فإنَّه من العسير جدًّا عليَّ أن أشعر تجاهه بعاطفة حبِّ. ولو فعلت لاقترفت ظلما، لأنَّ أهلي وأصحابي جميعا يقدّرون حبِّي لهم على أنَّه إيثار وتفضيل، وسأكون مجحفا بحقِّهم لو خصصت غريبا بالمحاباة نفسها. وإذا كان لا بدَّ، والحالة هذه، أن أشركه في مشاعر الحبِّ الَّتي تخالجني كما يقتضي العقل إزاء الكون قاطبة، وهذا فقط لأنَّه يحيا على هذه الأرض مثله مثل الحشرة أو دودة الأرض أو الحفت، فإنَّني أخشى ألاَّ يشعَّ من قلبي باتِّجاهه سوى قدر ضئيل للغاية من الحبِّ، كما أخشى بكلِّ تأكيد ألاَّ يكون في مقدوري أن أغدق عليه من الحبِّ بقدر ما يأذن لي العقل أن أحتبسه من أجل نفسي. ولكن ما الفائدة من هذه الفذلكة المفخمة بصدد وصيَّة لا يبيح لنا العقل أن ننصح أحدا بإتِّباعها؟


حين أمعن النَّظر في المسألة عن قرب أقرب، ألمح المزيد من الصِّعاب والإشكاليات أيضا. فذلك الغريب ليس غير جدير بالحبِّ بوجه عام فحسب، بل ينبغي أيضا أن أقرَّ، توخيا للصدق، بأنَّه يستأهل في غالب الأحيان عدائي، بل كراهيتي. فهو لا يبدو أنَّه يكنُّ لي أيَّ عطف، ولا يدلل نحوي على أيِّ مراعاة. وإذا ما وجد في الأمر نفعا له، فلن يتردَّد في إنزال الأذى بي، بل هو لا يتساءل إن كانت أهميَّة الكسب الَّذي يجبيه تتناسب مع عظم المضرَّة الَّتي ينزلها بي. والأدهى من ذلك والأمر أنَّه حتَّى إذا لم يَجْنِ ربحا، وإنَّما فقط مجرَّد لذَّة ومتعة، فلن يتردَّد البتَّة في الهزء منِّي وإهانتي والافتراء عليَّ، ولو تباهيا منه فقط بالسُّلطان الَّذي له عليَّ. وفي وسعي أن أتوقَّع حتميَّة هذا السُّلوك حيالي بقدر ما يشعر بمزيد من الثِّقة بنفسه وبقدر ما يعتبرني أضعف منه ولا حول لي ولا قوَّة. أمَّا إذا سلك غير هذا السُّلوك، وأمَّا إذا قابلني، حتَّى من دون أن يعرفني، بالاحترام والمراعاة، فإنَّني لعلى أتمِّ استعداد عندئذ لمقابلته بالمثل، دونما حاجة إلى توسُّط وصية أخلاقيَّة. ومن المؤكَّد أنَّ تلك الوصيَّة السَّامية لو صيغت على النَّحو التَّالي: “أحبب قريبك كما يحبُّك هو نفسه”، لما كان لي عليها من اعتراض.


ولكن ثمَّة وصية ثانية تبدو لي أشطّ من الأولى فأيا عن المعقول وتضرم فيَّ نار تمرّد أعنف وأقوى. وصية تقول لنا: “أحبب عدوُّك”. ولكنِّي أجدني، عند إمعان التَّفكير، مخطئا إذ أطعن فيها باعتبارها تنطوي على دعوى أشدَّ بطلانا من تلك الَّتي تنطوي عليها الوصية الأولى. وفي الواقع، كلتاهما سيَّان.


المصدر: سغموند فرويد، قلق في الحضارة، ضمن “الحب والحرب والحضارة والموت” ترجمة عبد المنعم الحفني دار الرشاد، القاهرة 1992 ص.ص: 71-73

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This