الفارابي: حول السُّؤال عن الإنسان
“وأمَّا قولنا”هل الإنسان إنسان“ فإنَّه يكون فيما بين المحمول وبين الموضوع تباين وغيريَّة بوجه مَّا- وإلاَّ فليس يصبح السُّؤال- مثل”هل ما يعقل من لفظ الإنسان هو الإنسان الخارج عن النَّفس أو “الإنسان الكلي هو الإنسان الجزئي” أو “الإنسان الجزئي يوصف بالإنسان الكلي” أو الَّذي أنت تظنُّه حيوانا هو في الحقيقة حيوان“. فإن كان معنى الإنسان الموضوع هو بعينه معنى الإنسان المحمول بعينه من كلّ جهاته فلا تصحُّ المسألة عنه بحرف هل.
وإن قال قائل إنَّ الإنسان الموضوع هو الَّذي يدلُّ عليه بحده فإنَّه لا يصحُّ أيضا. لأنَّ الَّذي يدلُّ عليه القول إن لم يكن قد علم أنَّه محمول على الَّذي يدلُّ عليه الإسم فليس يقال لذلك الَّذي يدلُّ عليه القول أنَّه إنسان. فلذلك لا يحمل عليه من حيث هو مسمى إنسانا، إذ كان لم يصح بعد أنَّه إنسان، بل إن يصح”هل الإنسان حيوان مشاء ذو رجلين أم لا“ فليس تصحُّ هذه المسألة عنه أنَّ المحمول هو أيضا إنسان، وإنَّما يصحُّ أنَّ المحمول هو أيضا إنسان إذا صحَّ أنَّه محمول عليه وصحَّ أنَّه حده. أو أن يقال إنَّ قولنا”هل الإنسان موجود إنسانا“ يعني هل الإنسان وجوده وأنيته هي تلك الذَّات المسؤولة عنها وليس له ذات بوجوه أخر، مثل أنَّه حيوان مشَّاء ذو رجلين، أي هل له وجود وماهية على ما يدلُّ لفظه عنه فلا يمكن أن يتصوَّر تصورا آخر أزيد منه ولا أنقص. فيكون ما نتصوَّره إنسانا على مثال ما عليه كثير من الأمور المسؤول عنها في الشيء، يتصوَّر حينا مجملا وحينا مفصلا، ثمَّ لا يكون ممكنا أن يعقل إلاَّ بجهة واحدة فقط. فأنَّه قد يصحُّ هذا السُّؤال على هذه الجهة أيضا. وعلى ذلك فيقال”لمَ الإنسان إنسان“ وبأيّ سبب الإنسان هو إنسان” و“لماذا الإنسان إنسان” و“عماذا”. ويصحُّ أيضا “لمَ الإنسان إنسان” إذا عني به لمَ الإنسان حيوان مشَّاء ذو رجلين ولمَ الإنسان ماهيته هذه الماهية.
وهذا إنَّما يصحُّ في الشَّيء الَّذي له حدَّان أحدهما سبب لوجود الآخر فيه، مثل “لم صار كسوف القمر هو انطماس ضوئه”- فإنَّ انطماس ضوء القمر هو الكسوف- فيقال “لأنَّه يحتجب بالأرض عن الشَّمس”، فكلاهما ماهية الكسوف، إلاَّ أنَّ احتجابه بالأرض عن الشَّمس/ هو السَّبب في ماهيته الأخرى. وأمَّا فيما عدا ذلك فلا يصحُّ فيه هذا السُّؤال. وقد كان هذا لا يصلح أن يسأل عنه بحرف “هل” وقد يصلح أن يصلح عنه بحرف “لمَ”.”
المصدر: أبو نصر الفارابي، كتاب الحروف، حروف السُّؤال، تحقيق محسن مهدي، دار المشرق، بيروت، طبعة ثانية 1990، صص220-221-222.
