شِعريّة التَّمويه والالتباس(2)

في حوارات "بريد السَّماء الافتراضيّ"

عَنِ التَّقليب التَّأويليّ للأسئلة المُهيمِنة على ذوات الشعراء الوقائعيّة في نِسْيَاقات الحوارات

يَستجيبُ دازِنُ المُؤلِّف المُنفصِم في حركيّته الجدَليّة التَّخارُجيّة مع ذوات الشعراء الوقائعيّة للأفكار والأحاسيس والرُّؤى التي لطالما هيمنَتْ على حياتهم الدنيويّة، وانتقلَتْ ندوبُها وهواجسُها ومَخاضاتُها في كثير من الحالات لتقُضَّ مَضاجِعَهُم أو لتكونَ عَوامِل مُؤرِّقة لهُم حتّى في عالم الغيب، حيثُ يلتحِقُ المُؤلِّفُ إلى حدٍّ ملحوظ في نسْيَاقاتِهِ المَفتوحة على المَجاز والاستعارة والرمز بأساليب الوجود التي تشغَلُ بالَ أولئكَ الشعراء الذينَ غادروا عوالمهُم الوقائعيّة نحوَ العالم الأُخرويّ، ولم تُغادرْ ذواتهُم السَّماوية تلكَ الحيوات الماضية، كأنَّ لعنةً أبديّةً تنكَأُ باستمرار جراحَهُم أو آلامَهُم القديمة، وتُنغِّصُ عليهِم عوالمهم العُلويّة، وهوَ المَنفذ المُحكَمُ الذي يتسلَّلُ عبره التّقليبُ التأويليّ لدازِن المُؤلِّف ليبسطَ مسافات توتُّر جديدة تفتَحُ البابَ من ناحيةٍ أُولى لإضاءة تفاصيل الشعراء القديمة، وربّما المسكوت عنها، أو غير المُفكَّر فيها، وتضخُّ في هذه الإضاءة من ناحية ثانية كثيراً من التمويه والالتباس وتعليق الأحكام وإرجاء المَعاني، بما يضمَنُ لشعرية (الحوارات _ السِّيَريّة) نسْيَاقات مُتعدِّدة الطّبقات الدَّلالية.

في حوار المُؤلِّف مع جبران خليل جبران تبدو الأسئلة كأنَّها تحقيق سُلطوي تملُّكي واستحواذي مُتعالٍ من قِبَل دازِن المُحاوِر، لكنَّ نجاة هذا الحوار من فخّ الحقيقة اليقينية المُغلَقة يتمُّ عبرَ نقل أساليب وجود الصراع الوقائعي الأرضي الذي نغَّصَ حياة ذات جبران خليل جبران إلى فضاء مُوارِب ومُشوَّش يستنطِقُ بتفاصيلِهِ أيقونة الشاعر باستحضار المسكوت عنه، وتخليق تمويه تخارُجيّ نسْيَاقيّ مُتكِئ على مَجازيّة مُشبَعة بفنّ الحذف، حيث تبدو الذات الوقائعية للوهلة الأُولى كأنَّها تُجيبُ على الأسئلة التّقليبيّة التأويليّة للجوانب الوقائعيّة التي هيمَنَتْ على تشكيل الذات المُبدِعة للمُحاوَر في الحياة الماضية إجابات مُباشرَة وسلِسة وواضحة، لكنَّ تعمُّقَ القارئ في تحليل تلكَ الإجابات يكشفُ أنَّ المُضمَرَ في السّطح البصَريّ العميق أخطَر من المكشوف عنه في السّطح البصَريّ الظاهريّ، وهذه حكمة فنية شِعريّة تسِمُ تخارُجيّة النِّسْيَاقات في مَواضِعَ كثيرة، إذ إنَّ الحركيّة الجدَليّة التبادُليّة زمكانيّاً بين شُروخ الذات الوقائعية الماضية، وانتقال هذه الشُّروخ إلى عالم الغيب بما يُضفيهِ عليها من رُؤىً تأمُّليّة، أو مُراجَعات قد تكون تصالُحيّة، أو قد تؤدّي في الأغلب إلى زيادة الشُّروخ تأزُّماً، وإغراقِها بالقلَق المُزمِن والعسير بالمعنى التثبيتي في علم النَّفْس، ليحفظُ كُلُّ ذلكَ صورةَ جبران خليل جبران في هذا الحوار من السقوط في فخّ مُطابَقة الأبعاد الاسترداديّة للعوامل الوجودية المُهيمنة عليه في عالمه الرّاحِل، والاحتفاء النِّسْيَاقيّ بتشتُّت تلكَ العوامل وتبعثُرِها مَجازيّاً عبر مسحة ارتيابيّة تُبقِي دلالات الحوار مَفتوحة باستمرار:

“س: هل تجد بأنَّ السُّلطتين العائليّة والعُثمانيّة، قد ضغطتا عليكَ، لتنموَ أو تنفجِرَ تأليفاً في بوتقة التّمرُّد الأدبيّ؟

ج: أنا وُلِدْتُ مُشتَّتاً بالمعنى الوجودي: أمٌّ مارونيّة بثلاثةٍ من الأزواج، مع كُلّ ما يترتَّبُ على ذلكَ الواقع الاجتماعيّ من مَصائِبَ ومَشاكِلَ وكَوارِثَ. وأب مُنِحَ للخمر والقِمار والدّروب التي جلبَتْ للعائلة كُلّ الشقاء والمرض والحرمان والكآبة.

س: هل كانَ ذلكَ الوضع الكارثيّ للعائلة، هوَ الذي تسبَّبَ لكَ ببعض المَصائِب معَ رُموز بيئتِكَ  في (بشرِّي)؟

ج: ماذا تقصد؟

س: ثمَّةَ مُنغمِسونَ بالاعتداء الجنسيّ على من كانوا بأعمار جيلِكَ، حسبما يقولُ بعضُ المُؤرِّخينَ السِّرِّيِّينَ. ما صحّة ذلكَ برأيكَ؟

ج: هذا كلامٌ افتراضيّ، بُنِيَ ليكونَ صدىً سيِّئاً لأوضاعٍ، كانت مُزرية في وقتٍ عصيب، لم يستطِعْ الجسَد أثناءَها، تلمُّسَ الحقيقة بوضوحٍ كامِل. كانَ اغتصابُ بعض رجال الكنيسة للغير، لا يُعَدُّ من الذنوب الكُبرى. كانَ ذنباً بارداً عندَ الشعوب القديمة في لبنان، ولم تحُدّ منه بعض العقوبات الرّادِعة، لأنَّهُ تسلية دينيّة للتَّفريغ عن احتياجات قساوِسة مَحرومين فقط”.

إنَّ لعبة دفع الشعراء الموتى للسير على الخيط السري الرّفيع لخُصوصياتهم وهواجسهِم المسكوت عنها في حيواتهم الوقائعيّة، ليسَ سوى حفر تأويليّ في مَكنونات الهواجس المُهيمِنة عليهم والمسكوت عنها في الأغلب، أو التي يتمُّ عادةً تناسيها أمام طُغيان حُضورهِم بوصفهِم أيقونات ذات صوَر نمطيّة سائدة ومُستقرّة، في حين أنَّ هذه الهواجس المُهيمِنة تستمدُّ أهمَّيتها القصوى بوصفها العوامل الوجودية التي كوَّنتْ ذوات أولئكَ الشعراء الوقائعية والشعريّة النّصيّة، وربّما امتدَّتْ حتّى لتؤثِّرَ على نظرياتهِم الخاصّة بالشعر. وهذا التقليبُ التأويليُّ الذي ينكَأُ الجراحَ والآلام، ويقتحِمُ المَناطِقَ الحسّاسة في تلكَ الذوات يبثُّ في النِّسْيَاقات قوى جذب دلاليّة توقِعُ المُتلقّينَ في حبائلها، حينما يجدونَ أنفسهُم لاهثينَ وراء فِخاخ تكتسي بلَبوس تمويهي يدَّعي استرداد العالم الزمكاني الوقائعي للأيقونات الشعرية وكشف المَخبوء فيه، لكنَّ مُحصِّلة آليّات التَّخارُج لا تلبث أنْ تغدرَ بآفاق توقُّع المُتلقّين عندما يشعرونَ أنَّ الحوارات لا تسدُّ الفَجوات القديمة، بقدر ما تفتحُ فَجوات جديدة، وهُنا مكمَنُ الفرادة والمُفارَقة الشِّعريّة التي تموجُ بألاعيب التّمويه والالتباس، وتحتفي بالتشويه والتّزوير في مَواضِعَ كثيرة، وتنزعُ ألفة المَعاني عبر تعليقها مَجازيّاً بأنماط من قصديّات مُشبَعة بسوء الفهم وفنّ الحذف الذي يُخلخِلُ وَحدةَ الذات الوقائعيّة، ويجعَلُ الانزياح النِّسْيَاقيَّ نمَطاً من النَّوَسان الزّائِغ كأنَّهُ كرنفال للشكّ والخطأ لا للحقيقة واليقين، من دون أنْ نُغفِلَ اتّكاء هذه الآليّات من حيث المبدأ على الثغرات البِنيويّة الهشّة في تكوين الشعراء الراحلين. فلنقرأ الآن الجزء الآتي من حوار المُؤلِّف مع الشاعر نزار قباني، والذي يتضمَّن إشارات كثيرة تغمز من قدرة الشاعر الجنسية تحديداً

“س: ولكن لا نساء كما نرى، سوى الدُّمى هُنا. كيفَ يعيش نزار من دون تلكَ المخلوقات؟

ج: أنا في إجازة الآن. وثمَّةَ من يُحاوِلُ قتلَ فيروسات الأنوثة في أعماقي، لأستبدلَها بعبادة إناث الطير، والسقوط في تخت الدجاج البلدي.

س: هل هذا كُلّ ما يُمكِنُ أنْ تُجيبَنا عليه، أم وراء الإجازة ما يدعو للقلَق؟

ج: إذا أردْتَ أنْ تفتَحَ باباً في رأسي بحثاً عن الحقائق، فسأفتَحُ عليكَ بابَ الجحيم. لذلكَ سأختصِرُ القولَ، بأنَّني أمرُّ بمرحلة صعبة من العُزلة، وممنوعٌ من النساء. هُنا أهدوني قُطعاناً من الدُّمى الجميلة لأتسلّى بأحاديثها وأقضي بها على حالات التَّرمُّل العام في هذا المكان. لكن هذا لا يمنَعُ من التلصُّصِ على اللحوم البضّة من وراء تلكَ الأسيجة.

س: هل كانَ الشاعر نزار قباني حافِلاً بانتصارات لصالح بيولوجيّة الجسد جنسيّاً؟

ج: لا يُصدقنَ أحدٌ بأنَّني حقّقتُ ذات يوم انتصاراً في الجنس. كنتُ فقط، أقتحِمُ السريرَ اللُّغويّ، وألعَبُ بأثداء الكلمات. كُلُّ ذلكَ حدَثَ، من أجل أنْ تنتقِلَ حرارة تلكَ المَشاهِد إلى النساء، فيسقُطْنَ قرابينَ للشهوة التي تُفرِزُها القصائد في لُحومهنَّ وفساتينهنَّ وعطرهنَّ وآهاتهنَّ. كنتُ لاعباً ماهراً في تجنيس اللُّغة، ووضعِها  تحتَ تصرُّف المَشاعِر الثمِلة المُستعجِلة لمُمارسة الحُبّ بشكل لا بأسَ به. بعبارة أدقّ، أنا أوّل من ألبَسَ القصيدة بنطالَ جينز، وكسَرَ لها القُمقمَ لتنطلِقَ هائمةً على وجهِها في الشوارع”.

وعلى هذا النحو البراغماتي، تتلاعَبُ قصديّات التَّخارُج النِّسْيَاقيّة بالعلامات، مُمعِنةً في تحريرِها من سجن البُعد الأحادي عبرَ العبَث التراجيديّ _في الأغلب_ بالأرشيف السِّرِّي للشعراء الموتى، وهوَ الأمر الذي يُمعِنُ بواسطتِهِ دازِنُ المُؤلِّف المُنفصِم في تعويم مُناخات الارتياب الوقائعيّ التي لا تنجو من مُهيمناتِها حياة هؤلاء الشعراء حتَّى في عوالمهِم الغيبيّة، ولذلكَ تنبسِطُ أساليبُ الوجود مَشهديّاً انبساطاً يذخرُ بتشابُكات الصراعات الوجودية القديمة، وما تنطوي عليه من نقاط ضعف وهشاشة تُفتِّتُ وَحدةَ ذوات الشعراء الموتى انطلاقاً من ماضيهم الوقائعيّ الرّاحِل، وبهذا الشكل تتفاعَلُ فضاءات هذه الصراعات بصَريّاً لتهزَّ استقرار الشعراء بوصفهِم أيقونات مُنجَزة ومُطمَئِنّة بما تنطوي عليه صورهُم من نمطيّات مُسَبَّقة، يُؤدّي استنطاقُها في نسْيَاقات الحوارات المُتخارِجة في أحيانٍ كثيرة إلى استدراجهم من قِبَل دازِن المُؤلِّف المُنفصِم إلى زوايا يُحاصِرُهُم فيها، لا كي يتملَّكَهُم عبر سُلطة ذاتِهِ الاستحواذيّة والقَبْليّة، بل ليُتيحَ للحوارات أنْ تُخلخِلَ الماضيَ الراحلَ والغِيابَ الحالي في آنٍ معاً، عبرَ دفع ذوات هؤلاء الشعراء الوقائعيّة للجلوس في بعض المَواضِع على كراسي الاعتراف، مُتحرِّرينَ من هواجسِهِم التّكوينيّة، وممّا قد يُسيء إلى صوَرِهِم، بما يُشبِهُ الجلوس أمام طبيبٍ نفسيٍّ تنكأ أسئلتَهُ كُلَّ الجراح أو المَحظورات أو حتّى الفضائح، وذلكَ في أساليب وجود تخارُجيّة نسْيَاقيّة لا تخلو في مرّات عديدة من العُمق التراجيديّ الذي تنطوي عليه بعض جوانب الذوات الوقائعيّة لأولئكَ الشعراء. لنلاحِظ الجزء الآتي من حوار المُؤلِّف مع الشاعر أحمَد شوقي:

“س: كنتَ من أعلام المدّاحين للخديوي، ليسَ لكونِهِ عادِلاً أو ديمقراطيّاً، بل بتصوُّر أنَّهُ عثمانيّ يحملُ جينات الخلافة الإسلاميّة فقط. أليسَ كذلكَ؟

ج: لقد عشتُ في القاهرة ومدنٍ مصريّة بقصور عُثمانيّة الانتماء، ولكنَّها لم تنتمِ إلى الإسلام بشيء. كنتُ أُنشِدُ أشعاري على وقعِ كؤوس الخديوي وما يُسمَّى بخليفة المُسلمين، فكُنّا نغرقُ بكؤوس الخمر، وأرداف الرّاقصات ليالٍ لا يليها نهارٌ.

س: تعني أنَّ الخليفة خيطٌ من الإسلام الوهمي لخِداع الملايين من بُسطاء مصر؟

ج: بالضبط. ولم يستمرّ (تدبيج) المَدائِحِ على لساني بعدَ تلكَ الحقبة”.

وفي المَنحى نفسه، يُمكِنُ مُلاحظة الكيفيّة التي يتمُّ عبرَها استدراج الشعراء الموتى إلى كراسي الاعتراف الكاشِفة لهواجسهِم ونقاط ضعفهِم الفضائحيّة التي هيمَنَتْ جزئيّاً أو كُلّيّاً على ذواتهِم الشاعِرة والشِّعريّة، مُسهِمةً في تكوين بِنياتهِم الوجوديّة، ويبدو أنَّ هذا الاستدراج التَّخارُجيّ النِّسْيَاقيّ بتفخيخِهِ التراجيديّ لأيقونات بعض الشعراء يُولّدُ قوّة اللّذة الجاذِبة للقارِئ المُتلهِّف لالتقاط بعض الدّلالات الحاسِمة _ولَوْ لمرّة واحدة_ في فضاء رحب وجامِح من أساليب الوجود المُموَّهة والمُلتبِسة والزّائِغة على امتداد (الحوارات _ السِّيَريّة). ولنلاحِظ هُنا كيفَ يُخلخِل النِّسْيَاق التَّخارُجيّ بفجاجة صادِمة وفضائحيّة من جانبٍ أوّل، وذاخِرة بالدَّهشة من جانبٍ ثانٍ، صورةَ الشاعر عزرا باوند في هذا الجزء من حوار المُؤلِّف معه:

“س: هل كانَ سفرُكَ على إيطاليا مُرتبطاً بالمشروع الشِّعري وحده؟

ج: لا لم يكُن الأمر على تلكَ الصّورة بالضّبط. فعلى الرّغم من أنَّ الشِّعر كانَ بمثابة رغيف على طاولة عسكريّة مُشتعِلة بالنّيران، إلّا أنَّنا كُنّا نبحَثُ عن سنَدٍ سُلطويٍّ قويّ، يستطيعُ أنْ يجعَلَ الشِّعرَ طاقة غير معزولة عن حركة الكون.

س: ولكنَّ بعض النُّقّاد يقولونَ إنَّ عزرا باوند (ارتكَبَ أكبَرَ خطيئةٍ في حياتِهِ عندما اعتقَدَ أنَّ الدولة الفاشيّة التي أسَّسَها موسوليني في إيطاليا هيَ تجسيد لهذه الدولة المدَنيّة التي حَلُمَ بها كونفوشيوس). أليسَتْ تلكَ فكرة مأساوية: الجمعُ بينَ الكونفوشيوسيّة والفاشيّة؟

ج: لم تكُن الأمور بمثل ذلكَ السوء. فمثلما دمَّرَت الحرب العالميّة الثانيّة الحُدود بين الدول، دمَّرَت العقول، ولم تعُدْ تُنتِجُ أيّة حكمة إلّا من أفران جهنَّم. بعبارةٍ أعظَم، خلَقَتِ المدافِعُ رُموزَها، فمنهُم من سقَطَ في الهاوية ميتاً، ومنهُم من بقِيَ مُعلَّقاً في الهواء، وهوَ يقرضُ أناشيدَ النّصر المُميت”.

وفي الإطار نفسه الذي يُعرِّي الهواجس التكوينية بهشاشتها المُقلِقة لذوات الشعراء الوقائعيّة، تُمعِنُ قصديّات النِّسْيَاقات التَّخارُجيّة في مُمارَسة اللعب الحُر للعلامات، وفي تخليق مُناخات شِعريّة مُموَّهة ومُلتبِسة، لا تكفُّ عن مُباغَتة أفق المُتلقّي بكُلّ ما يُوقعُهُ هوَ نفسه في حَبائِلِ صدماتِ كراسي اعتراف الشعراء التي تمتَحُ من بحرٍ مجازيٍّ يُشوِّشُ الماضي الوقائعيّ ويُشتِّتُهُ أكثر ممّا يُطابقُه. فها هو ذا الشاعر تشارلز بوكافسكي يُستدرَجُ إلى هذا الفخّ الجَماليّ المُحكَم في الجزء الآتي من حوار المُؤلِّف معه:

“س: هل تمنيتَ لو كنتَ ألمانيّاً كما كانت سُلالة العائلة، ولم تكُن بمسقط رأس أمريكي؟

ج: أبداً. أنا وُلِدْتُ في الجحيم البارد، وذلكَ انتصارٌ لعقلي الذي وجدتْهُ مَسموماً وجاهِزاً بمُختلَفِ الذنوب والجرائم والتَّعسُّف والبغاء والوقاحة. فمنذ اليوم الأوّل لولادتي، وأنا أتمتَّعُ بتغريدِ غربانٍ تملأُ جميعَ ردهات جسمي الذي بقيَ مُواظِباً على تقديم الخدمات للكتابات التي تمَّ لي إنجازُها عبرَ الزمن.

س: وهل من أجلِ ذلكَ تمَّ إعفاؤكَ من الخدمة في الجيش الأمريكي بسبب وضعِكَ النَّفسيّ؟

ج: لا أعرف ما الذي اكتشفوهُ في رأسي أثناءَ تلكَ الاختبارات، ولكنَّني حزنتُ بالتأكيد لعدم مُشارَكتي في الحرب العالميّة الثانية. كنتُ توّاقاً لأنْ أكونَ طوربيداً حربيّاً خاصّاً بتفجير الغوّاصات المُعادِية. إلّا أنَّني تُرِكْتُ اعتباطاً للقتال في الفنادق الرّخيصة ومواخير الجنس والخمّارات التي شكَّلَت الجزء الأعظم من سيرتي الذاتيّة قبلَ الشعر وبعدَ القصص والروايات وزجاجات البوربون والويسكي الفارِغة”.

لعلَّ استدراج الذات الوقائعيّة إلى كشف نقاط ضعفها التكوينيّة، أو اقتحام أسئلتِها الشاغلة الخفيّة والتي هيمنَتْ على أعماقها عبر التسلُّل من منافذ هشاشتها البِنيويّة التي انبسَطَتْ في أساليب وجود زمكانيَّتها الأرضيّة، يبلغُ ذروتَهُ الجَماليّة حينما يتَّكِئ هذا الاستدراج على مَشهديّة بصَريّة تنزَعُ ألفة النِّسْيَاقات عبر آليّات تخارُجيّة تقومُ بتخليق عالمٍ مَجازيٍّ رمزيٍّ يحتفي بشطحات فنتازيّة غرائبيّة في مَواضِعَ كثيرة، مُعزَّزاً بفنّ الحذف، وتشويش الدّلالات بالمُفارَقات الشعرية، وتعليق المعاني في فضاءات تفاضُليّة تتصارَعُ فيها التأويلات من دون حسمٍ يقينيّ، وهيَ المَسائِلُ التي لا تخلو أحياناً من لمسات سريالية تحتفي بالأخطاء والشذوذ والتزوير، وتمنَحُ المُتلقّي فرصاً ثمينة للارتماء في ألاعيب العمَل على محوري التركيب والاستبدال، لا للفوز بالمَعاني النّهائيّة المُتوَّجة على عرش هذه النِّسْيَاقات، إنَّما لمُواكبة عناصِر التّمويه والالتباس التَّخارُجيّة المُدهِشة، والتّلذُّذ في لُهاث التَّقليب التأويليّ بين الاسترداد والارتياب بما هوَ تقليبٌ تملَّصَتْ فيه الدوال عبرَ حركيّة التيه والضلال الحُرّة من سُجون مدلولاتِها في كثيرٍ من مَناطِق (الحوارات _ السِّيَريّة)، ومضى اللوغوس البصَريّ لأساليب الوجود المُنبسِطة نِسْيَاقيّاً ليُؤسِّسَ انبثاقاتٍ تراكُبيّةٍ مُعقّدة تسِمُ علاقة دازِن المُؤلِّف المُنفصِم مع ذوات الشعراء الوقائعيّة، وأسئلتِها التي تمدَّدَتْ هَيمنتُها من العالم الأرضيّ إلى العالم الأُخروي للشعراء الموتى. وأُقدِّمُ في هذا المضمار الشاهد الآتي المأخوذ من حوار المُؤلِّف مع الشاعر أندريه بريتون:

“س: يبدو أنَّكَ تحلمُ بالعودة لباريس. هل سبَقَ وأنْ تعرَّفْتَ على كلبٍ برفقةِ سيِّدةٍ تحتَ برج أيفل؟

ج: نعم. وكانَ ذلكَ الكلبُ سُؤالاً ضالاً مثل هذه اللّحظة التي تجري عقارِبُها بيني وبينكَ في هذا المكان.

س: وهل يظنُّ بريتون بأنَّ في السُّؤال نُباحاً مُلوَّناً يُؤثِّرُ على السَّمع أو الرُّؤية؟

ج: أبداً. فالنُّباح من عائلة، والكلب من عائلة أخرى. ولكنَّهُما ينحدِران من نسْلٍ واحدٍ كما أعتقدُ، وهوَ نسْلُ الصَّرخاتِ المُضمَرة داخِلَ اللُّغة”.

إنَّ حركيّة التَّخارج النِّسْيَاقيّة المُحتفِيّة بتقليب أسئلة الذوات الوقائعيّة الشاغِلة والمُهيمِنة على الشعراء، والتي لم تكفّ لحظةً عن استنطاق بُؤر صراعاتهِم الوجوديّة التي حمَلوها معهُم إلى عالم الغيب، لا تهدفُ فقط إلى تعرية المسكوت عنه، أو المَطوي والمُتناسَى والفضائحيّ في أرشيفات ذواتهِم السِّرِّيّة، إنّما تهدفُ أيضاً إلى كشف الأسئلة الوجوديّة الكُبرى بما هيَ أسئلة الحُضور والغِياب بين الحياة والموت؛ أي بما هيَ أسئلة المصير القلِقة التي لا تشغلُ الشعراء وحدهم، بل هيَ أصلاً أسئلةُ الإنسان في كُلّ زمان ومكان ما دامَ هوَ الكائن الوحيد القادر على استنطاق سُؤال الذات والوجود، وبهذا المعنى، تذخرُ أساليبُ الوجود البصَريّة في هذه (الحوارات _ السِّيَريّة) بتفتيق ليبيدو الذوات الشاعِرة والشِّعريّة في آنٍ معاً، بوصفِهِ ليبيدو مُواجَهة القلَق الناجم عن محوريّة الموت بين قطبي (الوجود والعدم)، لا بالنَّظر إليهما على أنَّهُما ثنائيّة تقابُليّة يُمكِنُ حصْرُ دلالاتِها في حدَّي (الحقيقة _ اللّاحقيقة)، لكنْ بالنّظَر إليهما على أنَّهُما فضاء صراعات إرادات القوى الكيانيّة لهؤلاء الشعراء في مواجَهة تهديد الموت والتَّعديم المُستمرّ، وفي تحجُّب المَعنى النّهائيّ الحاسِم أمام هذه المُعضلة الوجوديّة الكُبرى. ومن هُنا يستمدُّ التَّقليبُ التأويليُّ شرعيَّتَهُ الجَماليّة عبرَ اقتحام مَكامِن الخوف والقلَق الخاصّة بهذه المُعضِلة، وتوظيفِها لتخليق شِعريّة تحتفي دائماً بالمُموَّه والمُلتبس والزائغ. وهذا ما نجِدُ جانباً منه في الاعتراف الآتي من قبَل الشاعرة سيلفيا بلاث ردّاً على سُؤال دازِن المُؤلِّف المُنفصِم، والتي انتحرَتْ بالغاز:

“س: هل حدثَتْ لكِ بعض الاختلاطات أو التّناقُضات فيما يدعونَهُ بالهُوِيّة القوميّة أو الوطنيّة: أبٌ ألمانيٌّ. أُمٌّ من أُصولٍ نمساويّة. فيما مسقطُ رأسِكِ في بوسطن الأمريكيّة؟

ج: لا أعتقدُ بوجود مُشكِلة من ذلكَ النّوع. أنا حصَلْتُ على هُوِيّة العدَم بشكلٍ مُبكِّر، كما كنتُ أشعرُ بذلكَ، لذلكَ رحْتُ أتصرَّفُ على ضوءِ ذلكَ في مُختلَفِ المَراحِلِ التي تداخَلَ فيها الموتُ بالعشق بالكآبة بالخيانة بالكتابة بالاستشهاد الافتراضيّ الذي كانَ مُقدِّمة للانتحار”.

وعلى هذا النَّحو، تقتحِمُ أساليبُ وجود النِّسْيَاقات التَّخارُجيّة مَكامِنَ علاقة ذوات الشعراء مع موضوعة الموت الإشكاليّة، بتقليبها تأويليّاً تقليباً يتجاوَزُ البُعدَ الاسترداديَّ المُطابِقَ للحياة الوقائعيّة عبرَ ضخّ الروح الارتيابيّة الاستعاريّة في مَواضِعَ كثيرة، بتوظيف الانتماء الغامض للشعراء لعوالم الغيب المَجهولة من ناحية أُولى، وبتخليق طاقة تخييليّة مَجازيّة حارّة من ناحية ثانية يتجادَلُ في نِسْيَاقاتِها أولئكَ الشعراء فنتازيّاً وغرائبيّاً مع دوال الموت المُولِّدة لمدلولات حُرّة ومُؤرجَحة ونائِسة إلى حدٍّ قادر على توليد الشِّعريّة من الاحتواء الطّبيعي لسؤال الوجود والموت والمَصير على عناصِر التّمويه والالتباس والزّيَغان. فها هوَ ذا المُؤلِّف يُحاوِرُ الشاعر أمل دنقل على الشكل الآتي:

“س: هل يكبرُ المرءُ في الموت أو يَشيخ؟

ج: الموتُ في الميت نظرة مُطفَأة.

س: ماذا عن لحظة الصُّعود. هل ثمَّةَ إيقاع للحظة الغِياب يا أمل؟

ج: لقد وصلْتُ إلى غيابي عن نفْسي وعن الآخَرين بفعل تلكَ الإيقاعات الشِّعريّة الموزونة، وكأنَّها كانت بمثابة أذرُع لمَراوِح عملاقة، تستطيعُ دفعَ المخلوقات من دون استهلاكٍ لبطّاريّةٍ أو تفتُّتٍ لقُوّة، كانت رحلتي على أنين نفاذ. وكنتُ أرتفِعُ على طَرَبِ تلكَ اللّازِمة التي عادةً ما كُنّا نستخدِمُها في التّأليف الشِّعريّ.

س: هل تعتبرُ الموتَ مُصطلَحاً قاتِلاً؟

ج: لا أعتقِدُ ذلكَ. الموتُ دُميةٌ لكُلِّ الأعمار”.

ولا يقِفُ دازِنُ المُؤلِّف المُنفصِم في حركيَّتِهِ الجدَليّة التَّخارُجيّة المُتفاعِلة مع ذوات الشعراء الموتى عندَ حدود استنطاق موضوعة الموت المُقلِقة في صلتِها بالذوات الشاعِرة الوقائعيّة فحسب، إنَّما يمتدُّ التَّقليبُ التأويليُّ ليرصُدَ كيفيات حُضور هذا السؤال الكبير المُهيمِن لدى الذوات الشِّعريّة الافتراضيّة التي بسطَتْ أساليبَ وجودِها المتنوِّعة في نسْيَاقات عوالمها النَّصِّيّة. وهوَ الأمر الذي يُمكِنُ تلمُّسَهُ بجلاء في السؤال والجواب الآتيان من حوار المُؤلِّف مع الشاعر سركون بولص:

“س: أنتَ تمدَحُ الموت، كما لو أنَّهُ توأمٌ شِعريٌّ؟

ج: ولمَ لا؟ فأنا أعتقِدُ بأنَّ بِنيةَ الشِّعر المركزيّة هيَ الموتُ بشكلِهِ الخفيّ. بصورتِهِ غير الحسِّيّة التي تجلبُ للنَّفْسِ الرُّعبَ، وللرّوحِ الانقباضَ. وبالتَّحليل النَّفسانيّ، فهذا الموت المولود معنا منذ لحظة الخُروج من الرّحم، هوَ الظِّلّ الذي بقِيَ مُرافِقي طول العُمر. كانَ الموت هوَ الأقرب لي من الأصدقاء والكتُب والبحار والأحزاب والطّعام. بعبارة أدقّ: كانَ الموتُ الثوبَ المُلتصِقَ بلُطفٍ على الجِلْد، ولم يكُنْ مُتوحِّشاً ولا قذِراً ولا تاجِرَ مطبوعاتٍ شبيه بشايلوك شكسبير الذي ينتزِعُ لحمَ كُلِّ جمَلٍ يمرُّ بدارِ نشرِهِ. ولا مثل تلكَ الأمراض الخبيثة التي تقطَعُ عليكَ الطّريقَ لمُلاقاة الموت بطريقة غير مُروِّعة”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This