المجتمع العميق للتَّدين الفهلوي: العدالة والتَّنمية بالمغرب نموذجا ج2

ج المثقفون: هل دكُّوا جدران خزان المجتمع العميق؟

إنَّ القوَّة الخارجيَّة الَّتي تحرم الإنسان من حريَّة توصيل أفكاره بشكل علني، تحرمه في الوقت نفسه من حريَّة التَّفكيركانط

يتبيّن لنا من خلال الإضاءات السَّابقة لأقلام التَّنوير على أنَّ المثقَّفين الحاملين للفكر النَّقدي كانوا على وعي تامّ بخطورة ما هو سائد داخل المجتمع العميق من: اللاَّتسامح، وعداء العقل، مع النُّفور من حوار السُّؤال النَّقدي، وما يترتَّب على هذا من رفض للتَّنوُّع والاختلاف وقبول الرَّأي والنّقاش المنطقي العقلاني، لذلك سادت الطَّائفيَّة السّياسيَّة المذهبيَّة * للفرقة النَّاجية * كقناع تديني، هو إيديولوجي، للصّراع السّياسيّ الاجتماعيّ الَّذي كانت تخوضه قوى التَّدين الفهلوي والاستبداد من خلال السَّطو على المعتقد الدّيني للنَّاس واحتكاره في نوع من الحاكميَّة البشريَّة المسيجة إلهيًّا باعتبارها ظل الله في الأرض وأهل الحقّ في الوصاية على حكم الله. هكذا شرَّعوا لأنفسم حقّ الإقصاء والنّبذ والتَّكفير والقتل وتصفية الخصوم عامَّة ومن الدّين نفسه خاصَّة. وهي كلّها آليات وأساليب سياقات تاريخيَّة اجتماعيَّة تميّزت باختلالات اجتماعيَّة سياسيَّة اقتصاديَّة عاشتها السُّلطة التَّدينيَّة والسّياسيَّة كوضعية دفاعيَّة بحثا عن البقاء والاستمرار في محاولة لتجاوز مأزقها السّياسي والاجتماعيّ والقيميّ الثَّقافيّ الدّينيّ. وبسبب ردود فعلها الفرقة النّاجية الانفعاليَّة وأساليب قلقها وتوتراتها المرضيَّة الدّفاعيَّة بذرت بذور الفتنة الطَّائفيَّة الدينيَّة، والاجتماعيَّة السّياسيَّة، والانغلاق الفكري والمذهبي، والتَّخلف والانحطاط المجتمعي الشَّامل. هكذا وجدت المجتمعات العربيّة والاسلاميَّة نفسها إزاء تلك الاختلالات السّياسيَّة الاجتماعيَّة الاقتصاديَّة في وضعية دفاعيَّة سيدتها الممارسة الإيديولوجيَّة للسُّلطة التدينيَّة والسُّلطة السّياسيَّة. فتمّ تصريف التَّناقضات الاجتماعيَّة والتّوترات والانفعالات النّفسيَّة والوجوديَّة من خلال الانشطار الوجداني الطّائفي المذهبي في تجريم المختلف والآخر إلى درجة إخراجه من الدَّائرة الدينيَّة الإيمانيَّة، والحميمة الانسانيَّة، وأسطرته كشرّ من الواجب الدّيني القضاء عليه. وبالتَّالي جعلوا من الدّين أداة للقضاء على مبادئ: التَّوحيد والعدل والعقل والنَّوع الانساني، خاصَّة عندما نستحضر موقفهم وتصوّراتهم ومعتقداتهم حول الوأد الحيّ للمرأة كنوع بشري إنساني. واعتبروا كلّ من اتّبع هذه المبادئ الّتي كرّم بها الله الإنسان، إلى جانب القيم الانسانيّة الّتي تنجم عنها، من أهل البدع والاهواء، فانتشرت ظاهرة التّجزئ السّياسي لإقطاع الفقهاء والعسكر وملاك الأراضي، والظّلم الاجتماعي والاقتصادي، والانغلاق الفكري الَّذي ولَّد الشَّعوذة والخرافة والأساطير بما يفيد سبات العقل.

هذا هو الخزَّان العفن والَّنتن للمجتمع العميق الَّذي تعلن قوى التَّدين الفهلوي صحوتها التَّدينيَّة إنطلاقا منه، وهي تحاول تكريسه وتسييد منطق استقراره، وأسر المجتمعات العربيّة الاسلاميّة في وضعيته الدفاعيَّة مانعة التّفكير العقلي والنّقدي في إمكانيَّة التَّغيير لتجاوز الاختلالات والأزمات والخروج من هذا المأزق وما نتج عنه من عقليّة نكوصيَّة وتفكير مرضي دفاعي الَّذي طال مع الزَّمن وامتدّ قرونا كلّها تفتيت سياسي اجتماعي وتخلّف اقتصادي وانغلاق فكري ثقافي وانحطاط عامّ وشامل لنمط الحياة الوجودي.

هذا هو الخزَّان الآسن عبر التَّاريخ العربيّ الاسلاميّ الَّذي حاول المثقّف التّنويري النّقدي العربيّ والإسلاميّ هدم ودكّ جدرانه لتتحرك مياه بركته الآسنة، حتّى يتجدّد النَّبع العذب الصّافي. وقد قدمت أقلام التّنوير، الّتي أشرنا إلى بعض أسمائهم، الغالي والنّفيس من أجل بذر بذور التّغيير الَّتي بإمكانها خلق آفاق جديدة للسيرورة التَّاريخيَّة العربيَّة والإسلاميَّة، بما يؤهّلها للانخراط في وحدة التَّاريخ العالميَّة من موقع النّديَّة والكفاءة والتَّمكين العلمي والاقتدار المعرفي والتَّحوُّل الديمقراطي للانتظام الاجتماعيّ الانسانيّ. وفي سبيل هذا المشروع التَّغييري الَّذي يتجاوز الفتنة الطَّائفيَّة الدينيَّة والمذهبيَّة والإثنيّة إلى توحيد المجتمعات في إطار سياسي يضمن حقّ التَّنوع والتَّعدُّد والاختلاف، كما يتجاوز ظلم وتسلُّط الفرقة النّاجية في القهر والاقصاء والتّكفير والقتل إلى العدل القائم على دولة الحقّ والقانون والمؤسَّسات الديمقراطيّة الَّتي تضمن الحقوق والحريات الأساسيّة إنسجاما مع ثقافة حقوق الإنسان، كما يتجاوز سبات العقل إلى الإبداع الفكريّ والعقلانيّ النَّقديّ والعلميّ والفنّي، وبكلّ ما يسمح بانطلاق وتحرّر الطَّاقات الجسديَّة والنَّفسيَّة من قيود التَّحريم الدّيني والتَّجريم السّياسي.

هل أستطيع حقًّا ودون خجل أخلاقي إنساني رفيع أن أقول بأنّ المثقَّف العربي التَّنويري النَّقدي لم يقدّم شيئا، أو كان ساكنا على الهامش يتفرَّج. وأنا أعرف بحكم اطلاعي بأنّ الكثير منهم قدَّموا حياتهم في سبيل إخراج الإمكانات التَّاريخيّة الكائنة في التَّاريخ العربيّ الاسلاميّ والَّتي قمعت وحوصرت بالنَّبذ والإقصاء والتَّكفير والقتل، تلك الإمكانات الَّتي يمكن أن تسهم بشكل أو بآخر في مشروع التّغيير المنشود والَّتي جسَّدتها تيَّارات فكريَّة وسياسيَّة واجتماعيَّة ثقافيَّة في التَّسامح والإخاء والتَّوحيد والعدل والعقل، ورفضتها قوى التَّدين الفهلوي عصرئذ إلى درجة قتل كلّ من يتداولها بين النَّاس. واليوم أيضا عملت القوى الطَّائفيَّة نفسها على قتل الكثير من المفكّرين: صبحي الصَّالح، حسين مروة، مهدي عامل، عمر بن جلون، فرج فودة شكري بلعيد…،

لقد قام الكثير من هؤلاء المفكّرين والمثقَّفين بأدوار طلائعيَّة في وضع الأسس الفكريَّة الثَّقافيَّة والسّياسيَّة لحركات واتّجاهات نقديَّة تعيد النَّظر بشكل جذري في كلّ ما يحتويه خزَّان المجتمع العميق من نتاج رمزيّ فكريّ ثقافيّ، واجتماعيّ سياسيّ يكرّس واقع التَّخلّف وسيرورة الهزائم المتوالية بشكل هندسي يقاوم حركة النّهوض والتَّغيير. يمكن القول أنَّه منذ نهايات الخمسينات، وهي سياقات حرقة الأسئلة الَّتي بلورتها مرحلة ما بعد الكولونياليَّة، خاصَّة في إطار الصّراع العربيّ الصُّهيونيّ الإمبرياليّ وما نتج عنه من أزمات واضطرابات وهزائم أصابت الجميع بالرُّعب والذُّهول. إلاَّ أنّ الحركات النّقديَّة الجديدة، في شخص ثلّة من المفكّرين والمثقَّفين أشرنا إلى بعضهم كلّ من جانب اهتماماته وانشغالته الفكريّة والمعرفيَّة العلميَّة والإيديولوجيّة السّياسيَّة، لم تستسلم لواقع الهزيمة، بل عمَّقت أسئلتها النّقديَّة بجرأة علميَّة نقديَّة، وكان من ضمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما كتبه صادق جلال العظم في النّقد الذَّاتي للهزيمة أو في نقد الفكر الديني، إلى جانب المراجعات النَّقديَّة النَّظريَّة والإيديولوجيَّة الَّتي قامت بها بعض الأحزاب اليساريَّة، دون أن ننسى بروز قوى فكريَّة وسياسيَّة إيديولوجيَّة، جعلت من سؤال النّقد إزاء الذَّات والثَّقافة والمجتمع والدّولة أحد مبادئها وهواجسها الأساسيَّة، في سياق ما عرف وقتئذ باليسار الجديد. وباختصار أريد أن أقول بأنَّها كانت مرحلة خصبة وثريّة وديناميَّة في أسئلتها الجدليّة بين الفكر والواقع بحثا عن الأسئلة الحقيقيّة الّتي طالت المضامين الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسّياسيَّة والثّقافيَّة للاستقلالات الشّكليَّة الّتي حصلت عليها البلدان العربية. لقد كانت منعطفا حيا وحيويا في سيرورة حركة التحرر في سياق صراع محليّ وصهيونيّ وإمبرياليّ تفجَّرت فيه طاقات الشّعوب للعطاء اللاَّمحدود، ممَّا شجّع أقلام التَّنوير العربيّ على نقد كلّ ما هو نكوصيٌّ وتقليداني وانكفائيّ في المجتمع العميق لغة ومفاهيما وأفكارا، مع طرح خلفيات معرفيّة نقديَّة، و تصوّرات اجتماعيّة ثقافيّة تؤسّسها القيم العلمية والفلسفيّة، بالإضافة إلى بلورة رؤية جديدة للذَّات والعالم والآخرين من خلال نقد المعتقدات الخرافيّة الأسطوريّة الّتي سيدتها بشكل مقدّس أنماط التّدين الغطلاقي المتعصّب والمنغلق على الفكر والحياة. وفي سياقات هذه التحوّلات والمخاضات ومن واقع جدليات الصّراع المحليّ والصهيونيّ الامبرياليّ برزت قوى التّدين الفهلوي الّتي سميت زورا بالإسلام السّياسي في وقت كان من الممكن تسميتها بقوى التَّدين الحافي الفهلوي أو التَّسلطي، وهي قوى لم تبرز لتقديم إضافة نوعيَّة لهذا التَّراكم الّذي أسَّسته أقلام التَّنوير العربيَّة، بل جاءت من خلفيّة العداء للسّياسيّ والسّياسة والحقد التَّعصبي ضدّ كلّ ما هو عقليٌّ وعقلانيٌّ، خاصَّة للفكر المنطقيّ النَّقديّ الَّذي لا يأبه بالمقدَّسات البشريَّة الَّتي أنتجتها العصور المظلمة للتَّدين التَّسلطي في توافق مع الاستبداد، الشَّيء الّذي جعل المجتمع العميق يدوّر حول نفسه في الزّمن البنيوي الأقرب إلى قوَّة القانون الطَّبيعي في القدر والاعتباط والمكتوب في اللّوح المحفوظ، حيث لا خيار أمام الإنسان لصناعة مستقبله ومصيره.

فكيف يمكن لقوى التَّدين الفهلوي التَّسلطي أن تكون سياسيّة وهي تستهدف ليس فقط نسف ذلك التّراكم المعرفي النّقدي، والاجتماعي السّياسي الثّقافي، بل أيضا نسف السّياسة الّتي تؤسّس الانتظام الإنساني، إذ تعلن صراحة عن حقيقتها بالاصطفاف بجانب الدَّولة التَّسلطيَّة ومحاربة الفكر العقلاني والمنطقي النّقدي، باعتباره فكر الأهواء والكفر والزَّندقة بتصفية القوى اليساريّة، وهي بذلك تدمّر أرضيّة الصّراع السّياسي الحضاري الَّتي تحكم المجتمعات في إطار الدَّولة الوطنيَّة الحديثة، فاتحة سيرورة التَّوحش: الدَّم والفتنة والحروب الأهليَّة، حيث لسانها على مقدّس التّدين وقلبها على السّلطة والتّسلط. لهذا تقدّم خدمة جليلة للاستبداد المحلي وللسيطرة والهيمنة الخارجيّة، من خلال انتصارها لحركة ردّ الفعل المرضيّ النُّكوصيّ والماضويّ السَّلفي داخل المجتمع العميق إزاء التَّحديات المطروحة دولة ومجتمعا وثقافة، وهي تحدّيات واجهتها أقلام التَّنوير السَّالفة بشجاعة في الفعل والإرادة والتَّفكير والنّقد والتَّحليل بجرأة نقديَّة تؤسّسها العلوم الإنسانيَّة والاجتماعيَّة والقيم الفلسفيَّة. ولنسف كلّ هذه الجهود، وإسقاط هذا الأفق قامت قوى التّدين التَّسلطي بتشجيع الانكفاء على الذَّات والانغلاق المذهبيّ والفكريّ والتَّعصب الطَّائفي قصد لجم طاقات التّغيير الفعالة بما يخدم تأبيد الاستبداد، وديمومة التَّخلّف والانحطاط المجتمعي الشَّامل واستمرار السَّيطرة والهيمنة الخارجيَّة.

فإذا كنت أشرت سابقا إلى حركة الفعل الإرادي والنّقدي المستلهم للتَّحوّل والتَّغيير الَّذي قامت به قوى التَّنوير العربيَّة إزاء الاختلالات والأزمات والهزائم، من خلال بلورة السُّؤال النَّقدي في الفكر والثَّقافة وفي الصّراع السّياسي الاجتماعي، على كلّ المستويات: في مفهوم الدّولة الحديثة، وداخل المجتمع بدكّ جدران البركة الآسنة للمجتمع العميق، والبحث عن التيَّارات الفكريّة والسّياسيَّة المشرقة في هامش المجتمع العميق. فلا بدَّ من الإشارة إلى حركة ردّ الفعل ضدّ مصلحة وطموحات وتطلّعات المجتمعات العربيَّة نحو التَّغيير الَّتي انجزتها قوى التَّدين الفهلوي التَّسلطي بإتقان وتعاون وصل حدّ التَّحالف بينها وبين الاستبداد القهري وقوى السَّيطرة والهيمنة الأجنبيَّة، ولنا في حزب العدالة والتَّنمية نموذجا.

ثانيا: العدالة والتَّنمية: من سؤال من قتل نفسا، إلى ممارسة السُّلطة

أ لم قتل عمر بن جلون وهو إنسان قبل أن يكون مسلما، أو يمينيًّا، أو يساريًّا؟

ضدّ تلك المخاضات والتَّحولات الحيَّة والحيويَّة، وضدَّ تلك السَّيرورات النَّوعيَّة التَّاريخيَّة النَّقديَّة في مقاربة جدل الفكر والواقع الاجتماعيّ التَّاريخيّ، وهي تؤسّس وتبلور السُّؤال النَّقدي في الذَّات الفرديَّة والجماعيَّة، وفي الثَّقافة والمجتمع، وفي الصّراع السّياسيّ الاجتماعيّ في إطار النّضال الديمقراطيّ لتقوية مؤسَّسات الدَّولة الوطنيَّة الحديثة، وضدّ كلّ حرقة الأسئلة الَّتي تكثَّفت في السُّؤال المفتوح النّهاية: لماذا الاحتلال والاستعمار؟ لماذا التَّخلف والانحطاط؟ لماذا الاستبداد القهري والعبوديَّة المختارة؟ لماذا صمت التَّحدي وقمع التَّقدم والتَّطور والازدهار؟ ولماذا تأخُّر العرب والمسلمون وتقدُّم الغرب؟، وضدّ التَّراكم الَّذي حقَّقته أقلام التَّنوير العربي في إعادة تأسيس وصياغة التيَّارات الفكريَّة والسّياسيَّة الَّتي همّشت و أقصيت عبر السيرورات التَّاريخيَّة للمجتمع العميق، ضدّ كلّ هذا تمّ اصطناع قوى التَّدين الفهلوي، الَّتي رأت في هذا كلّه عدوًّا لها، وأعلنت بصراحة رغبتها في نسف السّياسة من خلال ضرب وتهديد أو تصفية اقلام التَّنوير، وهذا ما حدث بصفة عامَّة في العالم العربيّ حيث تمَّت تصفية الكثير من المفكّرين والمثقَّفين ومن ضمنهم في المغرب عمر بن جلون، وحاضرنا الرَّاهن يؤكّد استمرار الاغتيالات في تونس والأردن

وفي سياق هذه الهجمة الشَّرسة على التَّراكم المشرق لتطلّع المجتمع إلى التَّقدُّم والتَّطور وتجاوز القهر والتَّخلُّف ولد حزب العدالة والتَّنمية، من رحم الشَّبيبة الاسلاميَّة برأسيها الجمعوي والحركي أو بتعبير آخر الدَّعوي العلني والجهادي السّري، وهو يعانق سؤال قتل النَّفس الَّتي حرَّمت الأديان قتلها كما حرَّمت قتلها القوانين الحديثة والحداثيَّة وعلى رأسها شرعة حقوق الإنسان.” تحدذدت مهمّة الجناح الجهادي لحركة الشَّبيبة الاسلاميَّة بداية في تأديب اليساريين وإن اقتضى الحال تصفية رموزهم، وقد ألقى البيان الَّذي أصدره المعتقلون الاسلاميون المورطون في قضية اغتيال عمر بن جلون بعض الضّوء على علاقة عبد الكريم مطيع بعبد العزيز النعماني. جاء في البيانأنّ المسؤول الأوَّل والأخير في عملية اغتيال عمر بن جلون والاعتداء على الأستاذ المنياوي عبد الرَّحيم هو عبد الكريم مطيع رئيس جمعية الشَّبيبة الاسلاميَّة…”محمد ضريف الإسلام السّياسي في المغرب ص 239و240.

وسؤال قتل النَّفس ظلّ مرافقا للإسلام السّياسي في العالم عامَّة وفي العالم العربيّ والإسلاميّ خاصَّة، وهو سؤال لا يمكن لقوى التَّدين الفهلوي بحيلها وخدعها النّفاقيَّة، بين ادّعاء الحكمة والموعظة الحسنة وبين التَّحريض على العنصريَّة والكراهيَّة، ونشر ثقافة الفتنة والتَّكفير بما يشجع قتل النَّاس، من أن تتنصَّل من مسؤوليّة اقترافه عن سبق الاصرار والتَّرصُّد . ولنتأمل ما تقوله العدالة والتَّنمية في جذورها التَّأسيسيَّة باسم الجماعة الاسلاميَّةبعد انشقاقها عن حركة الشَّبيبة الاسلاميَّة عملا بأمر الله ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالّتي هي أحسنواستشعارا منَّا لمسؤولياتنا أمام الله عزّ وجل تجاه أمَّتنا، وما يفرضه علينا ديننا من واجب النُّصح لله ولرسوله ولائمَّة المسلمين وعامَّتهم.” المرجع نفسه255 وفي مكان آخر يثمن خيار النّظام اللّيبراليخصوصا في نظام ليبيرالي ما فتئ النّاس يعلنون فيه عن آرائهم وأفكارهم يوما بعد يوم.” وفي المقالة نفسها تشن هذه الجماعة الاسلاميَّةهجوما عنيفا أقرب إلى العنف الرَّمزي الَّذي لا يخلو من معاني التَّسلط والإرهاب، مع التَّحريض على الكراهية ضدّ الآراء والتَّوجهات المختلفة وإنَّني أعتقد أنَّه آن الأوان لنظهر للنَّاس على حقيقتنا ونمرَّ لمرحلة الهجوم بعد مرحلة الدّفاع، فنكشف الشّيوعيين الملاحدة المتسترين بالدّفاع عن مصالح الجماهير الكادحة، واللّيبراليين الفجَّار المتسترين بحقوق الإنسان ومعاني الحريَّة ونطرح ما نريدأان نطرحه على بساط الحوار الوطني، ونحن متيقّنون أنّ الله سيظهر الحقّ الَّذي نؤمن به لأنَّ أصله من كتاب الله وسنّة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، ونحن لا نخشى الحوار بل أشدَّ ما نخشاه هو الديكتاتوريَّة والإرهابالمرجع نفسه260 إنّ من يقرأ أغلب كتابات العدالة والتَّنمية إنطلاقا من جذورها الأولى في الشّبيبة الاسلاميَّة مرورا بالجماعة الاسلاميَّة وحركة الإصلاح والتَّجديد ثمّ حركة التَّوحيد والإصلاح، سيجد أنَّها كتابات مزدوجة الخطاب بين ما تحاول التَّعبير عنه وما تحاول التَّستر عليه لكن التَّوتر الدَّلالي لبنية الخطاب تفضح الحقيقة الإطلاقيَّة والإنغلاقيَّة والعقليَّة التَّكفيريَّة الَّتي تحاول إخفاءها. ولعلّ النَّص الأخير لخير دليل على التَّعبير التَّحليلي العلمي لما يسمَّى في علم الَّنفس الإسقاط بحيث يسقط كلّ الخصائص المعنويَّة السَّلبيَّة الَّتي يضمرها في داخله التَّدين الفهلوي على الخصوم. والأكثر من هذا يمكن القول في التَّحليل النَّفسي أنّ الحقيقة في هذا النّص وغيره تفلت من صاحبها فتنكشف حقيقته من نصّ كلامه كمتستر وراء أقنعة المقدَّس الدّيني وهو خائف من انكشاف حقيقته كمتسلّط ديكتاتوري لا يخشى ممارسة الإرهاب ضدَّ التَّنوُّع والتَّعدُّد والاختلاف.

وليس غريبا أن تتمَّ ممارسة العنف وقتل النّفس لأنّ الَّذين يعتبرون أنفسهم أهل نصح ودعوة يعانون من فقر الدَّم العلمي والدّيني، حيث لا وجود في صفوفهم لعالم واحد وهذا ما لاحظه وزير الأوقاف في لقائه مع مكتب جمعيَّة الجماعة الاسلاميَّة الَّتي هي إحدى جذور العدالة والتَّنمية لا نجد في صفوفكم عالما أو مجموعة من العلماء،والحالة أنّ الجمعيَّة تقوم بنشاط الدَّعوة وهذا الدّين علم والعلماء هم المرجع في كلّ شيء فهم ورثة الأنبياء ولا عمل إسلامي لا يؤطّره العلماء“271 المرجع نفسه

لكن كيف يستثمر التّدين الفهلوي أقنعته الَّتدينيَّة وهو يتلبس المقدَّس الديني لإخفاء شهوة السُّلطة والتَّسلط الَّتي هي إحدى إستراتيجيته الأساسيَّة داخل المجتمع العميق؟

ب السطو على المقدَّس من خلال آلية الاقتران الشرطي

« تنازلنا عن حقوقنا طواعية وكانوا أذكياء في أن يضعوا أيديهم على أيّ شيء ليس له مالك، وهكذا أصبحنا في وضع غير متكافئ، ليس من حيث الملكيَّة، وإنَّما من حيث معرفة ما لنا وما لهم، والجهل هو دائما الوجه الأخر للعبوديَّة، ولذلك انتهينا إلى الوضع الَّذي وصلنا إليهعبد الرَّحمن منيف

إزاء التَّحديات الصَّعبة الَّتي طرحتها مرحلة ما بعد الكولونياليَّة، خاصَّة على مستوى الآفاق الحقيقيَّة لحركة التَّحرر من السَّيطرة والهيمنة الخارجيَّة، إذ سرعان ما تتابعت الأزمات والاختلالات العميقة الَّتي فضحتها الهزائم المرعبة أمام المشروع الصُّهيوني والغربي الاستعماري، لم تكن الأنظمة الرَّسميَّة العربيَّة قادرة على مواجهة هذه التَّحديات إلى جانب القوى الحيَّة الوطنيَّة والديمقراطيَّة، ولذلك قامت بتشجيع قوى التَّدين التَّسلطي للتَّأثير على العمق المجتمعي، بتفريخ الكثير من الجمعيات الدينيَّة كأهل الدَّعوة والتَّبليغ، وجمعية الرّسالة، وبإحياء ثقافة الطَّاعة والاستسلام للقدر المكتوب، و الرُّضوخ والخنوع والامتثال والإذعان، ومواجهة الأسس الفكريَّة والثَّقافيَّة النَّهضويَّة التَّنويريَّة، والفعل الاجتماعي السّياسي الحداثي الَّذي تمَّت تبيئته في المجتمع العميق من خلال الفعل الإبداعي والفكري والسّياسي لقوى التَّنوير. وكان أخطر ما أقدمت عليه قوى التّدين التَّسلطي هو العودة إلى الموروث الثَّقافي الدّيني من خلال معاودة إنتاج المنطق نفسه في الموروث التَّديني الاجتماعي السّياسي الَّذي أنتجته المذهبيَّة والطَّائفيَّة الدينيَّة في الماضي باعتماد آلية تسييج الممارسات البشريَّة بالمقدَّس الإلهي. كما وجدت في الكتب والمناهج المدرسيَّة انتشارها العميق. وكتابات أقلام التَّنوير الَّذين أشرنا إلى بعض أسمائهم سابقا تبيّن ذلك بوضوح، ويمكن أن نضيف في هذا الشَّأن المتعلّق بأسئلة المقدَّس وعلاقتها بالتَّاريخ الكتاب الرَّائع لجورج طرابيشي من إسلام القرآن إلى إسلام الحديثحيث يبيّن بمنهجية نقديَّة تحليليَّة وتفكيكيَّة تاريخيَّة كيف تمّ السَّطو على المعتقد الإيماني للنَّاس والاستبداد بما يسمَّى الدّين الحقّالصَّحيح الانغلاقي ليس فقط في إنتاج الدَّلالات والخصائص المعنويَّة للدّين الصَّحيح، بل في التَّكلم باسم السَّماء، حيث نلاحظ نوعا من الاقتران الشَّرطي بين كلامهم وكلام الله باعتماد القراءة المغرضة لبناء استراتيجيَّة في الكلام والكتابة بطريقة انتقائيَّة إلى أبعد الحدود في المزج بين الخطاب الإلهي أو النَّبوي وبين خطابهم التَّديني. ويمكن العودة إلى كلّ نصوص قوى التَّدين الفهلوي للتَّأكد من ذلك، ولنا في النُّصوص السَّابقة الَّتي استشهدت بها خير مثال: ” ونحن متيقنون أنَّ الله سيظهر الحقّ الَّذي نؤمن به لأنَّ أصله من كتاب الله وسنّة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم“. أو في تسمية الخصوم السّياسيين بالملاحدة والفجَّار، وتسمية أنفسهم بالجماعات الإسلاميَّة، بما يفيد الاستئثار بالمقدَّس الدّيني، ودون حياء أو خجل أخلاقي يقومون بوصف الجماعات الأخرى بالمنحرفين والكفَّار، بل غالبا في خطابهم العلني والمستتر ينعتون المجتمع والدَّولة بالجاهلية. ومن خلال هذا الاقتران الشَّرطي يسهّل لهم السَّطو على المعتقد الإيماني للنّاس واحتكار الرَّأسمال الثَّقافي الاجتماعي لإعادة السَّيطرة على المجتمع العميق كحيز اجتماعي يسمح بتمدّدهم وانتشارهم كتنظيمات جمعويَّة دينيَّة بأسماء رمزيَّة كالرّسالة والدَّعوة والتَّبليغ والفتح واقرأوجمعيات ثقافيَّة اجتماعيَّة تحشر نفسها في الحياة اليوميَّة للنَّاس من غسل الميّت إلى الإشراف على وجبات الإفطار في رمضان، وفي الأعمال الخيريَّة الشَّكليَّة في مساعدة الأيتام والأرامل والمرضى، وهي أعمال محمودة لكنّ هدفها هو تحقيق ما تسميه الجماعة بالتَّمكين للوصول إلى السُّلطة لتحقيق مآرب ومصالح دنيويَّة تتنافى إطلاقا مع جبة الغلابة الَّتي يخادعون بها النَّاس. ويقومون أيضا بتنظيم المسابقات الثَّقافيَّة في تجويد وتلاوة القرآن، وفي الولائم التدينيَّة إحتفالا بالأعياد الدينيَّة، وفي الأنشطة الثّقافيَّة الاجتماعيَّة لتقوية الشَّكليات التَّدينيُّة في الخطاب واللّباس والتَّداول اللَّفظي النّفاقي لمعاني السّلم والمحبَّة والتَّضامن والتَّكافلمن خلال قوالب تمييزيَّة طائفيَّة تستثني الفئات العريضة من المجتمع بنوع من الاستعلاء الديني على أنَّهم خير فئة في الأمَّة بما يفيد بذر بذور التَّعصب والفتنة بين النَّاس، وخلق تمثّلات وهميَّة على أنَّهم الفرقة النَّاجية، الشَّيء الَّذي يسهم في تمزيق وحدة المجتمع من خلال أوالية الانشطار الانفعاليّ الَّتي تعمل على تقوية مفهوم العصبيات والجماعات، فتغيب مفاهيم الوطن والمواطنيّة، كما يصعب الحديث عن الوجود الحرّ والمستقل للفرد. أنّها تمثّل أرقى أشكال ردود الفعل الانكفائي الماضوي بعقليات الخرافة والشَّعوذة والأساطير كثقافيّة تحتَّية تكفّر المنطق والفكر النّقدي، كما تحارب القيم العلميّة الَّتي تشجّع الفكر الفلسفي، لذلك تفضّل قوى التَّدين تسطيح الوعي لأنَّها تؤسّس للقبول بالأمر الواقع والرّضا بالإذعان والقهر كقدر مكتوب يشهد على ابتلاء المؤمن. إنّها تعمل على تطبيع الواقع الاجتماعي التَّاريخي مستبعدة مبدأ التَّناقض المجتمعي، كما لو أنَّنا إزاء سيرورة حركة الأسطورة بتعبير رولان بارتإنَّها تلغي تعقّد الأفعال الإنسانيَّة، وتعطيها بساطة الجواهر، تحذف كلّ جدل، وكلّ صعود جديد إلى ما وراء المنظور المباشر، تنظّم عالما دون تناقضات لأنَّه عالم دون عمق، عالم مفروش بالبداهة.” متسترة في هذا على خلفياتها المغرضة في الاستفادة من غنيمة السُّلطة في نوع من الثّراء اللاَّمشروع ولو على حساب تقدّم البلد والتَّنمية الاجتماعيَّة الشَّاملة، حيث هي مصرّة في خلفياتها السّياسيَّة الاجتماعيَّة على إعادة إنتاج مجتمع الغلابة والدَّروشة والقهر إلى درجة سحق وطحن إنسانيَّة الإنسان بالخضوع لتوصيات المؤسَّسات النَّقديَّة والماليَّة الدوليَّة، في الوقت الَّذي تنمو فيه ثرواتها وتفقر الشّعب.

ج نسف الفعل السّياسي والانتظام الاجتماعي الإنساني

إنّ أخطر شيء تقوم به قوى التَّدين الفهلوي هو سعيها إلى الانتشار داخل المجتمع العميق والسَّيطرة على وعيه والتَّحكم في إدراكه من خلال الاستحواذ على قلوب النّاس بالسَّطو على المقدَّس واحتكاره في نوع من التَّملك الاستبدادي باعتماد ألية الاقتران الشَّرطي الَّتي تخوّلهم التّكلم باسم السّماء، الشَّيء الَّذي يجعل من المستحيل الحديث عن المجال العام والفضاء المجتمعي كأرضيّة للصّراع السّياسي الديمقراطي، لأنّ الفرز الاجتماعي السّياسي مختزل في المنطق الثّنائي: إمَّا معنا أو ضدَّنا، نحن الخير وغيرنا الشرّ، نحن الإيمان وغيرنا الكفر، هكذا يتمُّ نسف الفضاء الاجتماعيّ السّياسيّ، وهي في ذلك تبيّن بوضوح نشوء الدَّولة داخل الدَّولة، خاصَّة وأنّ حزب العدالة لا يكفّ عن الحديث سياسيًّا وإعلاميًّا عن مفهوم التَّحكُّم، أو بتعبير أكثر دقَّة تؤسّس لطوبة الخلافة ضدّ الدَّولة القائمة معلنة تفكّك النّسيج الوطني للانتظام الاجتماعيّ إلانسانيّ، وتفكيك المكوّنات السوسيولوجيَّة واللّسانيَّة الثَّقافيَّة ببروز المناطقيَّة والعصبيات ومختلف الإشكال الطائفيَّة من المذهبيَّة إلى القبيلة. هنا تكمن الخطورة في التَّرخيص لأحزاب دينيَّة أو إثنيّة لأنّها تستهدف عمق المجتمع ومحيطه الحضاري.

قد يتَّضح لنا شيئا ما المهام والمسؤوليات الملقاة على عاتق القوى الحيّة بمختلف مشاربها الفكريَّة والإيديولوجيَّة، في إبداع أشكال مختلفة من الاتّصال والتَّواصل الفعَّال مع المجتمع العميق، من خلال توسيع الفعل الاجتماعيّ السّياسيّ والثَّقافيّ بتنوّع وتنويع الأساليب والأشكال الَّتي تجعله حاضرا في المعيش اليومي للنَّاس. كما يتَّضح لنا خطورة التَّدين الفهلوي على الدَّولة ومؤسَّساتها وعلى المجتمع والثّقافة. وهذا ما سنحاول مناقشته في الجزء الثَّالث.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This