“منذ بضع سنوات، كنت عائدا إلى إنجلترا من رحلة قصيرة في الخارج ) كنت في ذلك الوقت رئيس كليّة ترينيتي في كامبريدج (، وفي مطار هيثرو، فحص ضابط الهجرة جواز سفري الهندي بعناية، ثم سألني سؤالا فلسفيّا يتّسم ببعض التعقيد. فبينما ينظر إلى عنوان بيتي في استمارة الهجرة ( منزل رئيس الجامعة، كلّية ترينيتي، كامبريدج)، سألني عمّا إذا كان “رئيس الجامعة، الّذي من الواضح أنّني أتمتّع بكرم ضيافته، صديقا مقرّبا لي. وهنا توقّفت برهة، حيث إنّه لم يكن واضحا تماما لي إمكان أن أدّعيَ أنّني صديق مقرّب لنفسي. بعد بعض التأمّل، توصّلت إلى نتيجة فحواها أنّ الإجابة لا بدّ أن تكون بنعم، حيث إنّني غالبا ما أتعامل مع نفسي بموّدة واضحة، و بالإضافة إلى ذلك، عندما أتفوّه بأقوال سخيفة، سرعان ما أجد أنّه مع أصدقاء مثلي، فلست في حاجة إلى أعداء. و بما أنّ كلّ هذا أخذ بعض الوقت للتفكير فيه، أراد ضابط الهجرة أن يعرف لماذا تردّدت بالضبط ؟ وعلى وجه الخصوص، هل وجودي في بريطانيا غير شرعي؟ حسنا، تلك القضيّة العملية حلّت في النهاية، لكن المحادثة ذكّرتني بأنّه إذا كانت ثمّة حاجة إلى المرء، فإنّ تلك الهويّة يمكن أن تكون أمرا معقّدا. فليس ثمّة بالطبع، صعوبة كبيرة في إقناع أنفسنا بأنّ شيئا يطابق نفسه. (…) و يتزايد التعقيد كثيرا عندما نغيّر انتباهنا من فكرة أن يكون المرء متطابقا مع نفسه، إلى فكرة التطابق في هويّة واحدة مع آخرين من جماعة معيّنة (وهو الشكل الذي تأخذه في الأغلب الأعمّ فكرة الهوّية الاجتماعية). والحقّ أنّ كثيرا من القضايا الاجتماعية والسياسية المعاصرة تدور حول ادّعاءات متضاربة لهوّيات يائسة تختصّ بجماعات مختلفة، حيث إنّ مفهوم الهوّية يؤثّر، بوسائل كثيرة مختلفة، في أفكارنا وأفعالنا. وقد واكبت أحداث العنف والاعتداءات في السنوات الأخيرة فترة من الفوضى والاضطراب المرّوع، وكذا صراعات بغيضة “.
*********
المصدر:
الهويّة والعنف: وهم المصير الحتمي، أمارتيا صن، ترجمة: سحر توفيق، سلسلة عالم المعرفة، 352، يونيو 2008، ص 7 و 8.
