مقتطف من كتاب الوجوديّة منزع إنساني

من حيث المنطلق، لا يمكن أن تُوجد حقيقة أخرى غير الحقيقة التاليّة: “أنا أفكّر، إذن أنا موجود”. ها هنا تكون الحقيقة المطلقة للوعي الّذي يُدركُ ذاته. فكلّ نظريّة تتناول الإنسان خارج هذه اللّحظة الّتي يُدرك فيها ذاته بــِـــذاته، هي (قبل كلّ شيء) نظريّة تلغي الحقيقة […]. غير أنّ الذاتيّة الّتي تَوصْلنا إليها ها هنا تحت عنوان الحقيقة، ليست ذاتيّة فرديّة خالصة. إذ أنّنا داخل الكوجيتو، لا نكتشف أنفسنا فحسب، وإنّما نكتشف الآخرين أيضا. فعندنا أنّه، من خلال “الأنا أفكّر”، ندركُ أنفسنا بأنفسنا أمام الآخر. فالآخر أيضا يُمثّل يقـيـنـًا لا يقلّ عن يقيننا بأنفسنا. فمثلما يُدركُ الإنسان نفسه مباشرة من خلال الكوجيتو، فإنّه يكتشف أيضا الآخرين جميعًا. وهو يكتشفهم بصفتهم شرط وجوده. ولقد أدركُ أنّ الآخر لا يُمكنه أن يُوجـد إلاّ إذا اعترف به النّاس على هذا النحو: فالآخرون يقولون عنه إنّه خفيف الظلّ أو ثقيل الظلّ، أو إنّه إنسان صالح أو إنّه إنسان طالح. ولكي أحصل على حقيقة ما عنــّي، ينبغي أن أمرّ عبر الآخر. فالآخر ضروريّ لوجودي على قدر ضرورته لكي أكوّن معرفة عن نفسي.

*******

المصدر:

سارتر(Sartre):  “الوجودية منزع إنساني”، ترجمة: (نجيب عبد المولى) و(زهير المدنيني)، الناشران: (دار التنويرـ بيروت) و(دار محمد علي الحامي ـ صفاقس) ط: 2012.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This