من حكم العائلات إلى حكم الطوائف / صقر أبو فخر

يقول الدكتور محمد شيّا في كتابه “العقل لا الغرائز… الوطن لا الطوائف” (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 2011) إن “الطائفة غريزة” (ص8)، و”حين تتحول [الطائفة] من مجالها المعلن، الدين، إلى مجالها الجديد، السياسة، تتوقف عن أن تكون شكلاً للدين والإيمان الديني، ويغدو النقاش والمساءلة والنقد أمراً طبيعياً، بل واجباً، لأنه ببساطة شأن عامٌ متصلٌ مباشرة بمصالح المواطنين وانتظامهم معاً في كيان اجتماعي وسياسي” (ص13). ثم ينعطف إلى القول: أنتج التطور الاقتصادي – الاجتماعي الخاص الذي حكم التحديث اللبناني منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر، وعلى نحو أكثر وضوحاً منذ بروتوكول 1864، نوعاً محدداً من الليبرالية اللبنانية الذيلية التابعة قوامه ليبرالية ديمقراطية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، وليبرالية غير ديمقراطية على المستوى السياسي (ص73 و74). وفي معمعان رصده مشكلات المجتمع اللبناني يقترح مفهوم “الدولة المدنية الديمقراطية التعددية” بديلاً من الدولة الطائفية التي تنيخ بكلكلها على صدور اللبنانيين وأجسادهم منذ إعلان دولة لبنان الكبير في 1/9/1920. والدولة المدنية الديمقراطية التعددية، بحسب الكاتب، هي الخيار الممكن بين الدولة الطائفية غير المقبولة، والدولة العَلمانية غير الواقعية (ص57). أما الطريق إلى هذه الدولة الوسيطة فيجب أن يكون سلمياً باستخدام آليات التغيير المتاحة في المجتمعات الديمقراطية، أي بتعزيز حس المواطنة أو رابط المواطنة بين الفرد والدولة، وتعزيز المجتمع المدني، وإدخال الإصلاحات البنيوية في مؤسسات النظام السياسي (ص58)، على أن يتم ذلك بالتوافق المسبق، وبالتفاوض والإجماع (ص58). وقد جرب اللبنانيون شيئاً من ذلك على ما يقول المؤلف (ص59) في عامية انطلياس (1840)، وفي الميثاق الوطني (1943)، وفي اتفاق الطائف (1989).

من دواعي غبطتي أن أشتبك سجالياً وعلمياً مع الأفكار التي عرضها الدكتور محمد شيّا في كتابه هذا، لكنني لن أناقشه نقطة فنقطة على طريقة قوّالي الزجل، بل سآخذ بأعناق أفكاره كرفاق طريق في قافلة واحدة. لذلك أتحفظ في البداية على مصطلحي “الإقطاع” و”الدولة الإقطاعية” الواردين في متن الكتاب، وعلى حكاية الإمارة وفخر الدين الذي كان مجرد ملتزم ضرائب برتبة ميرالاي وليس أميراً بحسب التزوير اللبناني. وأتساءل: هل شهد لبنان حقاً ليبرالية ديمقراطية في المستويين الاقتصادي والاجتماعي كما يذكر الكاتب (ص74)، مع أن الكاتب نفسه يقول إن خمساً وعشرين عائلة إقطاعية كانت تُحصر بها النيابة والوزارة والوظائف الإدارية العليا (ص 18)؟

في التجارب التاريخية اللبنانية التي أوردها الكاتب، أي عامية انطلياس والميثاق الوطني واتفاق الطائف، لم يكن الإجماع والتوافق العنصرين الحاسمين في الوصول إلى تلك الحلول، بل كان الخارج هو الحاسم لا الداخل المحدود التأثير. والتفاوض والإجماع لا محل لهما في تلك التجارب إلا في حدود ضيقة، بل إن إكراهات الواقع وقوة التحولات العالمية تجبر أحياناً المجتمعات والحكومات على الأخذ بما لا ترغب فيه. فقد أُرغمت الحكومات العربية، جراء متطلبات العصر، على الأخذ ببعض مظاهر العلمنة مثل قانون العقوبات؛ فلا عقوبة إلا بنص. وبهذا انتزعت الدولة الحديثة من القاضي عقوبة التعزير لحماية المواطنين من تسلط القضاة الشرعيين، مع أن دستورها ينص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساس للتشريع، وأُلغي رجم الزانية، وانتهى قطع يد السارق، وما عادت الردة جريمة، ومُنع التسري وملك اليمين، وحتى التعطيل في الأعياد المسيحية صار أمراً ملزماً.

الطوائف والطائفية

الطوائف موجودة منذ زمن بعيد، لكن تحولها إلى طوائف سياسية هو وليد عصر الاستعمار الذي حوّل نظام الملل العثماني إلى نظام سياسي على غرار النظام اللبناني. ولبنان نفسه تسوية سياسية قامت على لبننة المسلمين وتعريب الموارنة، وعلى الحيلولة دون الانضمام إلى سورية أو البقاء تحت الانتداب الفرنسي. وكثيرون يعتقدون أن الطائفية في لبنان مشكلة ويُمكن حلها. بيد أنني أرى أن الطائفية نظام وليست علة أو مرضاً يمكن مداواته. والطوائف في لبنان ليست جماعات أهلية، بل دويلات لها أحزابها وجامعاتها ومدارسها ومصارفها وصحفُها وإذاعاتها وتلفزيوناتها ومستشفياتها ومستوصفاتها ونواديها الرياضية وفرقها الكشفية ودور عجزتها وأيتامها وميليشياتها. ثم إن الأحزاب في لبنان هي أحزاب للعائلات الطائفية: الكتائب لبيت الجميل، والكتلة الوطنية لبيت إده والوطنيون الأحرار لآل شمعون والمردة لآل فرنجية والحزب التقدمي الاشتراكي لآل جنبلاط… وهكذا. والمصارف في لبنان للعائلات أيضاً: بنك جعجع وبنك عودة وبنك سردار وبنك الجمّال وبنك صبّاغ وبنك فرعون وشيحا. وأسواق بيروت هي أسواق عائلات: سرسق، سيور، إياس، أبو النصر، التيان، الجَمِيل، الطويلة، باب ادريس. والجامعات في لبنان للطوائف: الأميركية كانت للبروتستانت، واليسوعية للكاثوليك، واللويزة والكسليك للموارنة، والبلمند للأرثوذوكس، والعربية والحريري والجنان والدولية للسُنة. والإسلامية والمعارف للشيعة، وهايكازيان للأرمن. والإعلام التلفزيوني طائفي بدوره: MTV ،LBC ،OTV للموارنة، وNBN والمنار ونصف الميادين للشيعة، والمستقبل ونصف الجديد للسنة. والصحافة للطوائف كذلك: النهار والجمهورية للأرثوذوكس، والعمل والمسيرة للموارنة، والسفير والأخبار للشيعة، والمستقبل واللواء والشرق للسنة، والأنوار التي توقفت في آخر يوم من أيلول/ سبتمبر 2018، ومعها الديار لمن يدفع. وفي أي حال، فثمة فارق بين المجتمع Society والجماعة Community. ولبنان الطائفي لم يتطور ليصبح مجتمعاً، بل بقي مجرد نطاق سياسي وجغرافي تتعايش فيه، وتتحارب أحياناً، جماعات شتى. إنه بلد القنافذ المتجمعة التي تتجاور معاً في أيام الصقيع، وتتنافر في أيام الحر.

الجبل والبحر

يشكل التناقض بين ثقافة المدن الساحلية وثقافة الجبل اللبناني أداة منهجية لفهم تاريخ لبنان الحديث وآليات الحداثة في مجتمعات شرق المتوسط. ففي الجبل اللبناني تطورت النزعة الاستقلالية للفلاحين الموارنة والدروز. وفي بيروت تبلورت النزعة التسووية لدى البرجوازية التجارية السنية والأرثوذكسية. وقد طوّر الموارنة، ومعهم جزء من الدروز، أيديولوجية الجرد، أي العزلة والسعي إلى الاستقلال (المتصرفية مثلاً). غير أن إعلان دولة لبنان الكبير غيّر تلك الأيديولوجية، وجرى تبني فلسفة المدينة التجارية حيث يجب أن يعيش الجميع جنباً إلى جنب. ولبنان إنما هو دمج لقيم المحسوبية المدينية وقيم الجرد في نسق واحد. وهكذا نشأ نظام معياري عبارة عن ثقافة فلاحية في سياق حضري. ولبنان بهذا المعنى لم يكن سويسرا الشرق، بحسب الخرافة الشائعة، وبيروت لم تكن باريس الشرق ولا حتى مرسيليا، بل طنجة. بيروت الحداثة هي رأس بيروت والجامعة الأميركية والميناء والمطار والمصارف والصحافة ودور النشر والحريات، وبيروت العاصمة هي زواريب الأحياء (زاروب التمليص وزاروب الحرامية وزاروب أم زكور)، وهي القبضايات والزعامات المحلية والمفاتيح الانتخابية ورياس المينا وسباق الخيل والمخدرات والدعارة ومحطات الاستخبارات. وفي معمعان ازدواجية ابن الجرد وابن الساحل (أي الفلاح والدكنجي) وظهور مسلك المرجلة من جهة، والمساومة من جهة أخرى، كان خيار الأرزة كشعار للدولة خياراً سيئاً؛ كان يجب اختيار ورقة التوت التي ظلت طويلاً مورد عيش المواطن اللبناني، والمصدر الوحيد لتشغيل كرخانات الحرير. ثم إن الأرزة كانت تدعى “أرز الرب” في شمال الجبل اللبناني، بينما يدعوها أهل بيروت “القرنبيطة”. وكثيراً ما سمعت بعض كبار السن في بيروت يرددون مع وديع الصافي: “جايين يا أرزل جبل” بدلاً من “جايين يا أرز الجبل”. ومعنى ذلك أن الاندماج الوطني لم يكن موجوداً في لبنان إلا في أغاني فيروز وصباح، وهو اليوم غير موجود بعد نحو مئة سنة على تأسيس دولة لبنان الكبير.

هل يمكن الكلام عن العلمانية في لبنان؟

العلمانية في لبنان لا يمكن أن تكون نتيجة توليدية لاتفاق المسلمين والمسيحيين. العلمانية إما أن تكون تجاوزاً عقلانياً للمسيحية السياسية وللإسلام السياسي، أو لن تكون. كلنا يتذكر الرئيس الياس الهراوي حين اقترح قانوناً اختيارياً للزواج المدني فأثارحفيظة المفتي محمد رشيد قباني ورئيس الحكومة رفيق الحريري. لم يكن الياس الهراوي علمانياً البتة، لكنه أراد المناورة وإحراج المسلمين. وحين اقترح الرئيس نبيه بري إلغاء الطائفية السياسية لم يكن تؤرقه قصة العلمانية قط، بل كان يريد المناورة وإحراج المسيحيين وتخويفهم بالأكثرية العددية الإسلامية.

والواضح أن بعض ملامح العلمانية في لبنان تُستخدم لخدمة الطائفية، وهذه من ألاعيب الزعماء. واللبنانيون الذين هم رعايا لدى أولئك الزعماء يتكلمون كثيراً عن الديمقراطية، مع أن كل زعيم في طائفته دكتاتور. لكن مجموع هؤلاء الدكتاتوريين أقاموا في ما بينهم نظاماً يضمن الحريات لكل دكتاتور ولجماعته. ولبنان، بهذا المعنى، بلد الحريات والدكتاتوريين الأحرار.

معرفة الغيب

فصل الكلام في هذا المقام أن الحديث المتواتر عن الديمقراطية في لبنان ينطوي على تلفيق مكشوف كما كان يقول المفكر ياسين الحافظ (انظر كتابه “في المسألة القومية الديمقراطية”، الأعمال الكاملة، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005)؛ فالديمقراطية في لبنان – بحسب الحافظ- ديمقراطية مخصية، والطائفية هي الخاصي. والحقيقة أن لبنان لم يعرف الديمقراطية منذ تأسيسه في سنة 1920 إلا كشبح، وما عرفناه نحن إنما هو نظام برلماني قائم على التعددية الطائفية. ولعل الواقع المزري لهذا النظام كان الدافع الذي دفع الدكتور محمد شيّا إلى إصدار هذا الكتاب الشائق والرائق والمعمق. ومع أن بعض فصول الكتاب كُتبت منذ نحو ربع قرن، فإن الأفكار والرؤى والتطلعات الواردة فيه ما برحت راهنة وحيوية، الأمر الذي يعني أن لبنان لم يتغير البتة منذ ربع قرن وأكثر. ولو سألني أي شخص هنا عما سيحدث في سورية بعد شهرين لما تمكنت من الإجابة. ولو سألني آخر عما سيحل بالعراق إو إيران أو مصر بعد ستة أشهر لما عرفت. لكنني أستطيع، بثقة عالية، أن أعرف ما سيحصل في لبنان بعد ربع قرن من الزمان جراء الثبات المحير في النظام السياسي اللبناني. آنذاك سيكون وليد تيمور جنبلاط وزيراً وزعيماً، ومجيد طلال أرسلان الثاني نائباً، وسليمان طوني فرنجية الثالث زعيماً، ورفيق سعد الحريري رئيساً للحكومة. ولعل من حسن طالعنا ألا يكون لسمير جعجع وارث من صلبه، ولنبيه بري وارث سياسي، بينما الوراثة السياسية جاهزة تماماً في منازل الزعماء. إنهم يريدون بقاء دار ابن لقمان على حالها، ونحن نريد غير ذلك.

عن ملحق ضفة ثالثة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This