حال القريحة الجمعية الشعبيّة العربيّة
ما علاقة شعوبنا العربية بالمعرفة والفنون والآداب والثقافة عموما؟
أيّ مفاهيم تحمل وتتبنّى للاطمئنان النهائيّ وحسم كلّ الأسئلة؟ وما حقيقة علاقتها بموروثها الثقافيّ والفنّيّ والأدبيّ؟
مقالة نبدؤها بأسئلة لأنّه، والحقيقة تقال، قد لا يختلف ملاحظان في أن الشارع العربيّ في حدود ما زرناه وما طالعنا عنه محيّر. وقد لن يختلفا (نفس الملاحظين) على أنّ الشأن الثقافيّ الشعبيّ العربيّ يتقهقر يوما بعد يوم. ويوما بعد يوم يقترب المثقّف والفنّان والأديب العربيّ (أي النخبة) من كوكب آخر ومن فصيلة أخرى بعيدة كلّ البعد عن كوكب تتحرك فيه الشعوب العربيّة بلا أسئلة.
هل يمكن الحديث اليوم عن ثقافة شعبيّة في معناها القائل بأنها “نتاج التفاعلات اليوميّة بين عناصر المجتمع إضافة للحاجة والرغبة…”، كإفراز الحياة اليوميّة: عادات طبخ، مأكولات، ثياب، رياضة، أدب (شعبي)…؟. سنلحظ استهلاكا شائنا لثقافات شعوب مختلفة (الغرب)، سنرى ثيابا غير ثيابنا وأكلات غير أكلاتنا، انسلاخ أو بداية انسلاخ عن الحيويّ الشعبيّ العربيّ. وسنلحظ أيضا استهلاكا سلبيّا للموروث الشعبيّ، سلبيّة سواء لكونها تتمتّع ببعض النواحي الفلكلوريّة دون إبداع ممّا يمثل تهديدا بانقراضها بإفراغ ذاك الفلكلور من عمقه. نقدّم في أجزاء لاحقة من هذه المادّة أمثلة حيّة عن ذلك الإفراغ الخطير.
الحيرة تتأتّى من أنّ نفس الشعوب بقدرات أقلّ وتجمّعات أقلّ، أنتجت ما حيّر الدارسين والأركيولوجيين وعلماء الاجتماع، شعوب تركت أثرها الثقافيّ الذي حفرت فيه كم بئرا معرفيّة وامتدّت فيه كم قناة شعريّة، وتلوّت حوله آلاف الأسئلة، وألّف حوله كم كتابا. أليست الأناشيد البابلية من الثقافة الشعبية آنذاك؟ التراتيل الفرعونية؟ كتاب ألف ليلة وليلة؟ الأغاني التي نردّدها في الأعراس- ربّما إلى اليوم-الخرافة التي لا تزال منجما تغترف النخبة منه موادّها، الأمثال الشعبيّة مختصر التجربة الحياتيّة ودليل النشء، هل لمس أحدنا إنتاجا حديثا للخرافة أو لمثل شعبيّ؟ لازلنا نلوك تلك الأمثال القديمة حتى وإن لم تعد تصلح للرّاهن المتوتّر. تلك الخرافات والأمثال التي بادت من فرط استعمالها.
لقد كان للشعوب القديمة ما يشبه “القريحة الجمعيّة” تنظم شعرها وتؤلّف حكاياتها وتلحّن أغانيها. توحي لها التضاريس القاسية والليل البارد والغد الغامض والوليّ الصالح والمخلوقات الخرافية الموجودة في ناحية أخرى من الأرض. نسأل اليوم أين رحلت تلك القريحة الشعبية وما الّذي حلّ محلّها؟ أولَمْ يعد العالم موحيا بشيء؟ هل أصيبت شعوبنا بسكات نهائيّ أم هل هي في ناحية ما تنتج إنتاجها؟
للملاحظ أن يعثر على تلك القريحة في الملاعب العربيّة التي من الظاهر أنّها من الأماكن القليلة التي تتجمّع فيها تلك الشعوب من أجل شيء مشترك. وهي ملاعب تخرج منها إنتاجات شعبيّة حيويّة وارتجالات فوريّة لأغان سرعان ما تنتشر ليسمعها الملاحظ ولن يسلم منها في الشوارع وفي وسائل النقل العموميّة. هي أغان ذات جملة موسيقية واحدة ومتكرّرة عادة ما تستقى من أغان مشهورة لكنها تحتوي على كلام خطير على الملاحظ أن يتفطّن إليه. هي أغاني تكرّس طائفية من نوع آخر على أساس كرويّ هذه المرّة ولا تتوانى على احتواء العبارات الخشنة والسوقية.
في الملاعب أيضا، يتمّ تهميش رموز وإفراغها من محتوياتها الجمالية والاجتماعية والوجوديّة، صورة “تشي جيفارا” رمز النضال السياسي تصبح مثلها مثل أيّ صورة لأيّ لاعب أرجنتينيّ، بل والبعض من تلك الجماهير المائجة يحسب “جيفارا” لاعبا قديما من زمن الأبيض والأسود.
وليست صورة تشي جيفارا القريبة زمنيا ما يُفرّغ ويُهمّش وحده من محتواها الثقيل، بل عدّة مكوّنات ثفافية ومعرفية وإنسانية نجدها اليوم تُستخدم أو يتمّ تبادلها بشكل تافه وبلا معنى.
فكلمة أسطورة، رؤيا العالم القديمة، تنحدر اليوم للملاعب وما شابهه فنجد ألفاظا من نوع “اللاعب الأسطورة” أو “السيّارة الأسطورة”، لاختزال مفهوم الكلمة العظيمة تلك في معنى “العجيب” أو الأكذوبة، مثلها مثل الخرافة التي تستعمل اليوم استعمالا سلبيّا وتخضع لأحكام دينيّة وأخرى أخلاقية، كأن تصبح الكلمة تلك صنوا لعبارة “هذيان، جنون، كذب…”. الشعوب هنا تتنكّر لما ربطها بالعالم قديما وجعل حياتها أقلّ قسوة ممّا هي عليه. الملعب بدوره يتنكّر لسلفه في “الأولمبيا” الإغريقي.
للملاحظ نفسه أن يرى ويلمس تدهور المستوى الثقافي “الأسطوريّ” (العجيب) للشعوب العربيّة وتراجع علاقتها بالفنون وغيرها من خلال ممارساتها البسيطة والعفويّة، كأن تصبح مثلا في تونس كلمة “مكتبة”bibliothèque رديفا لخزانة مستلزمات المطبخ الرفيعة من كؤوس وملاعق وصحون توضع في الصالون لإبهار الضيف. المكتبة تلك جهاز العروس الأساسيّ الخالي من الكتب وإن حوت فستكون كتبا تراثية مذهّبة دينيّة عموما لن تفتح للقراءة بل تغلق للزينة. وفي تونس أيضا كثيرا ما ترى “القلم” مغروسا بشكل مائل في شعور البنات يقوم بمهمّة دبوس الشعر. القلم الذي قلّ استعماله في الآونة الأخيرة حتى من طرف الكتّاب بجميع أنواعهم من كتاب إداريين وعموميين وصحفيين. القلم الذي تراجعت مكانته وقلّ في واجهات المكتبات وفي جيوب القمصان الرجاليّة بعدما كان وضعه في الناحية اليسرى من صدر القميص دلالة على رفعة مستوى حامله الثقافي والاجتماعيّ، وبعدما مثّل القلم قبل عشر سنوات لا أكثر أهمّ الهدايا التي يمكن أن تهديها لكائن عزيز.
القلم والريشة (شبيهة ما مسك بيكاسو وفان كوخ وغيرهما) اليوم يستعملان كمشدّ شعرٍ، وهو أمر ملحوظ ومتكرّر، فإن حمل معنى فسيكون زيادة الآلتين المذكورتين عن الاستعمال وعدم وجود صلوحية لهما سوى مسك الضفائر وشدّ كعكة الشعر بشكل أنيق ودائم على طول اليوم.
أمر سيشبه إفراغ الكوفيّة الفلسطينيّة من محتواها “الفلاحي” والترابيّ لتصبح متعدّدة الألوان تحيط أعناق الشباب والشابات كموضة لائقة بالشارع العربيّ.
ملخّص الحديث أيها الملاحظ، أنّ شعوبنا اليوم ليست في وضعية سكات فقط، بل إنّ درجة تفاعلها مع العالم أصبحت تحت الصفر، ثلجية وباهتة أضف إلى ذلك اجترارها للتراث العربيّ والإنسانيّ اجترارا مهمّشا ومتفّها ومفرغا لكلّ تلك المفاهيم والأشياء المشار إلى أمثلة منها آنفا. قد نركّز على مثال صارخ خاصّة في القطر المغربي من الوطن العربيّ، وهو إفراغ الأغنية الشعبية من محتواها العميق القديم، أغاني الأعراس التي يتمّ اليوم توقيها توقيعا مجنونا وصاخبا دون احترام خصوصيتها التاريخية والجغرافيّة، تردّد اليوم دون فهم معنى كلماتها العميقة. وليتمّ إنتاج ما يطلق عليه “الفنّ الشعبي” كـ”المزود” التونسي الذي لا يعبّر عموما سوى عن ميولات الشباب نحو الهجرة إلى أوروبا رمز الخلاص المادّي، وعن قضايا أخرى أقلّ أهمية وبشكل متشنّج وسطحيّ. شيء يشبه الراب المغربيّ ذا الكلام المباشر الذي يصل إلى حدود السباب والشتائم.
