سعيد ناشيد: العلمانية تعاقد مدني لصالح العقلانية
{{يرى المفكر سعيد ناشيد أنّ الخطاب الأصولي حاول أن يجعل من العدمية دليلاً على حاجة الإنسان إلى يقينيات دينية معينة، مشيرا إلى أن هذا الخطاب حمّل التيارات الفكرية المنحدرة من قيم التنوير كالعلمانية والعقلانية والوضعية، والإنسانية وغيرها، المسؤولية على وجود العدمية في العالم.
ويؤكد ناشيد أن العلمانية ليست عقيدة للمجتمع أو إيديولوجية للدولة، لكنها إجراء عقلاني يضمن العيش المشترك، بعيداً عن الغيبيات التي تفرق الناس وتوزّعهم إلى شيع وطوائف، مشيرا إلى أن العلمانية هي تعاقُد مدني لصالح العقلانية، يمنع الآراء الدينية والغيبية من أن تكون حجّة لأيّ قرار سياسي.}}
{{في المسألة الدينية}}
[*{{* تشير في مقال لك نُشر مؤخّرا، أن البعض بات يراهن على الدين للخروج من براثن العدمية التي تلفّ عالمنا منذ القرن العشرين، وفي هذا الإطار تُورد في كتابك “اليسار الفرنسي والإسلام” نصا لأندريه مالرو يؤكّد فيه أن “القرن الواحد والعشرين إمّا أن يكون قرنا دينيا أو لن يكون.”}}*]
[*{{والسؤال: هل يمكن أن يشكّل هذا الإقحام السياسي والاجتماعي للدين حلّا لمشكلة العدمية السياسية والاجتماعية؟ أم أنه قد يخلق عدمية دينية بتنا نلمس بوادرها في الخطاب الأصولي الإلغائي الذي يُعدّ أكثر تطرّفا وعدمية من العدمية اللادينية؟}}*]
** أشكرك في البداية على إتاحة الفرصة لي حتى أوضّح ما يستوجب التوضيح حول اهتماماتي الفكرية، وهي أيضاً، مناسبة لكي أعيد التفكير مجدّداً، طالما أنّ التفكير معناه، أن نعيد التفكير في كلّ مرّة، ومن جديد، وطالما يتعذّر علينا أن نحقّق أيّ تراكم معرفيّ إذا لم نقم في كلّ مرّة، باختبار متانة ما راكمناه، دون أن نخشى أن نخسر كلّ شيء لنبدأ من جديد، لأنّ التفكير الحرّ رهان دائم من دون يقينيات معلنة، أو ضمانات مسبقة، وبذلك يكون التفكير الحرّ نقيضاً لكافّة أشكال الوثوقيات المولدة للعنف، والمنتجة للتعصّب والتطرّف.
وبالنسبة لي، فإنّ التفكير الحرّ يظلّ تمريناً يومياً ومستمرّا، مع الذات أحياناً، وضدّ الذات أحياناً أخرى، فالذات تستشعر عرضيتها وتميل من ثمّة إلى التعلّق بأيّ يقين ثابت، وحين لا تجده فإنها تجعل من الخواء واللاّمعنى يقيناً مضاداً، ثابتاً هو الأخر. المعرفة معتمة المتاهات، كثيرة الالتواءات، وكلّ منعطف حاد يعقبه إغراء براحة البال ونشوة اليقين، حيث يصيح الباحث أمام الملأ: لقد وجدتها!! والواقع أن المعرفة لا توجد على هذا النحو أبداً، إنها بناء مفتوح يشارك الناس فيه بعضهم البعض.
بلوغ اليقين ينهي القلق المنتج للمعرفة، واطمئنان القلب يقتل إرادة المعرفة، وحين تختفي المعرفة يحل العنف والتعصّب، وهنا أبلغ سؤالك، لأقول بأنّ العدمية ليست أكثر من يقين مضادّ، إنها إيمان بعدم وجود أي معنى لأيّ شيء، ومن ثمّة فهي الوجه الآخر للإيمان بوجود معنى ثابت للحياة، إن العدمية ليست سوى نوع من الإيمان السلبي، وهي ككل إيمان تنتج أجوبة قطعية ومغلقة، أجوبة تغتال السؤال وتقضي على ممكنات المعرفة.
هناك العديد من الورشات التكوينية التي تشتغل حولها الطائفة الدينية التي تدعى بكنيسة السيونتولوجيا، والتي ينتمي إليها أشهر نجوم السينما العالمية، مثل طوم كروز، وجان ترافولتا، ومن ضمنها ورشات سبق إلى صياغتها المهندس المعماري البريطاني دوغلاس هاردينغ (Douglas (Harding، بعد أن تأثر بفلسفة أرنست ماخ.
لقد وضعَ هاردينغ عديد الورشات تحت شعار: المُشاهدة بلا رأس، ومن بين النماذج الشهيرة لهذه الورشات، نذكر؛ ورشة الإصبع التي تشير، ورشة فتح العين الثالثة، ورشة النظر إلى حقيقة الجسد، الخ.
ويَكْمُن الهدف الأساس لهذه الورشات في أن يُدرك المشارك بأنه مجرّد فضاء فارغ يمتلئ بلا شيء اسمه العالم، فمثلا في ورشة الإصبع التي تشير، يطلب من المشاركين، أن يشير كل واحد منهم بإصبعه إلى شيء موجود في الخارج، ويركز في اتجاه الإصبع نحو ذلك الشيء، ثم يلاحظ أن ذلك الشيء يتمتع بوجود خارجي، وبعد أن يشير في الأخير بإصبعه إلى رأسه، يلاحظ أن اتجاه الإصبع لا تشير بالنسبة إليه إلى أي شيء يدركه، إنها تشير فقط إلى فراغ فوق منطقة الكتفين، وهكذا يستنتج أنه لا شيء.
تجسّد هذه الورشات نموذجاً صارخاً لمراهنة الفكر الأصولي والظلامي على العدمية كنقطة انطلاق مريحة لملء الفراغ بأيّ شيء، وهو ما يقودنا إلى أن نتساءل: هل تعتبر الأصوليات الدينية مخرجاً من العدمية الجاثمة على الفكر الراهن أم أنها مجرد تكثيف وحالة قصوى لهذه العدمية؟
لقد حاول الخطاب الأصولي أن يجعل من العدمية دليلاً على حاجة الإنسان إلى يقينيات دينية معينة، وظل يُحاجج بأن الحضارة المُعاصرة نجحت في مجالات العلم والتقنية، لكنها جعلت الحياة بلا معنى، بلا سبب، ومن دون رسالة أو غاية… إلخ. تلك هي المؤاخذة الأساسية للفكر الأصولي، وإذا كنا نعتبر نيتشه معلماً أساسياً، فلأنه يعلمنا أن الحياة، إن كانت بلا معنى، فلعلّ الخلل ليس في موت المعنى أو اختفائه، وإنما هو في طبيعة السؤال حول المعنى؛ حين أتساءل: ما معنى الحياة؟ فإن منطق التساؤل يفترض مسبقاً، الإيمان بوجود معنى محدّد، أو افتراض أن الأصل هو وجود معنى ما للحياة، والحاصل أن المعنى يبنى في سياق معركة الحياة ذاتها، وليس منحة، أو هبة تمنح من السماء، أو قبل الولادة أو بعد الوفاة، المعنى يبنى في سياق توافقات، أو صراعات مفتوحة ومتجددة باستمرار.
لقد حاول الخطاب الأصولي أن يشارك في عملية تشخيص مرض العدميّة الذي تستشعره الحضارة المعاصرة، وهو المرض الذي جعل منه العديد من الفلاسفة سمة لعصرنا، بدءاً من نيتشه ومروراً بألبير كامي وليو شتراوس ثم مشيل أونفراي، وقد ارتأى الخطاب الأصولي، أن المسؤولية تتحملها التيارات الفكرية المنحدرة من قيم التنوير، من قبيل العلمانية، الوضعية، العقلانية، التاريخانية، الإنسانية، المادية، النسبية، التجريبية، الماركسية.
لقد اعتبر كل من ألبير كامي وليو شتراوس أن النازية هي الثمرة المرّة للعدمية الألمانية، واعتبر ألبير كامي أن الستالينية هي مُحصلة العدمية الرّوسية، وكذلك اعتبر داريوش شايغان أنّ الخميني والثورة الإيرانية هما إفراز للعدمية الإيرانية، فهل بوسعنا أن نعتبر الظلامية الجديدة بمثابة الثمرة المرّة لتاريخ العدميّة؟
حاول الخطاب الديني الأصولي أن يقترح بديلاً علاجياً عن مرض العدمية الفتاك، وذلك من خلال العمل على استعادة بعض أو كل القيم الدينية لما قبل عصر التنوير الأوروبي، بدعوى أن الدين وحده من يمنح المعنى للحياة ويضع لها غاية قصوى تبررها، ومن هنا استطاع هذا الخطاب الأصولي الجديد، أن يسحب لنفسه بطاقة الدخول إلى جميع دوائر النقاش السياسي والفكري في الغرب المُعاصر، وأصبح السؤال المطروح؛ هل يمكن للخطاب الديني أن يقدم جواباً شافياً وردّاً كافياً عن أزمة الخطاب العدمي في الحضارة المُعاصرة؟ بمعنى هل يمكن للخطاب الديني أن يعيد المعنى إلى الحياة ويعيد الحياة إلى السياسة؟
بوسعنا أن نؤكد وجود قراءة خاطئة، تقول بأن القرن الواحد والعشرين يشهد فصول معركة حاسمة بين العدمية والظلامية، وحيث يعتقد المرء -أو الدّولة أو أية مؤسسة دولية أو محلية- بأنّ المواجهة الحاسمة تجري فصولها اليوم بين العدمية والظلامية، فإنه سيجد نفسه بين خيارين؛ إمّا أن يدعم الخطاب العدمي في مواجهة الخطاب الظلامي، كما يفعل البعض، أو أنه سيراهن على الخطاب الظلامي من أجل مواجهة مخاطر الخطاب العدمي كما يفعل آخرون.
والحال أن المعركة ضدّ الخطاب الظلامي لن تكون في أوّل المَطاف ولا في آخره، سوى معركة ضدّ الخطاب العدمي نفسه، هذا الأخير الذي ما هو إلاّ المظهر الأكثر تعبيراً عن بؤس الفكر الظلامي المعادي للعقلانية، والذي يهدد مستقبل العلمانية، ليس فقط في العالم الإسلامي وإنما أيضاً في داخل المجتمعات الغربية، وهو ما حاولت توضيحه في كتابي الذي أشرت إليه في سؤالك؛ اليسار الفرنسي والإسلام.
[*{{* تُفند في كتابك السابق المزاعم التي تؤكد التهديد الإسلامي للعلمانية في فرنسا، وتشير بالمقابل إلى أن هذا التهديد نابع من أولئك الذين يعتبرون أنفسهم حرّاس العلمانية في فرنسا.}}*]
[*{{والسؤال: ما سبب هذا الخوف من الإسلام في أوروبا والعالم؟ هل يعود ذلك إلى الصورة الخاطئة التي يظهر بها بعض المسلمين في أوروبا، والمرتبطة بالجهل والعنف؟ أم أن الأمر يدخل في إطار نظرية مؤامرة تقودها بعض القوى بهدف تشويه صورة الإسلام والمسلمين في العالم؟}}*]
أريد أن أشير إلى أن كتاب اليسار الفرنسي والإسلام، لم يكن دفاعاً عن أطروحة كانت جاهزة منذ البدء، وكان القصد أن أشحذ لها أكبر ما يمكن من الحجج والبراهين، لقد انتهجت بالأحرى انطلاقة ديكارتية، تجرّدت فيها من كل الأحكام المسبقة، وحاولت أن أتوصل بنفسي إلى الإجابة عن السؤال: هل يمثل المسلمون في فرنسا خطراً على قيم الجمهورية الفرنسية، وعلى رأسها العلمانية وعدم قابلية السيادة للتجزيء؟ أم أنهم قادرون على الاندماج في قيم الجمهورية الفرنسية، كلما أتيحت لهم الفرصة والإمكانيات؟
لا يهمني في ذلك الإسلام في ذاته، علما بأن مثل هذه العبارة “الإسلام في ذاته”، لا تبرح مجال المتخيل، وأما النصوص الدينية فهي بحكم أسلوبها، تظل حمّالة أوجه لا حصر لها، كان همي وقصدي يقتصران على الجوهر، والجوهر هو الإنسان، أقصد أن اهتمامي انصبّ حول الواقع الاجتماعي للمسلمين، وليس حول أي إسلام افتراضي أو متخيل، كان علي أن أواجه السؤال: كيف يتصرّف مسلمو فرنسا في الواقع الاجتماعي الفرنسي؟ اعتمدت على قدر كبير من الوثائق الرّسمية، بالإضافة إلى وثائق صادرة عن منظمات أوروبية متعددة، اعتمدت أيضاً على شهادات منشورة لأساتذة فرنسيين يعملون في مؤسسات تعليمية معظم تلاميذها متحدرون من دول شمال إفريقيا، اعتمدت على إحصائيات رسمية ودولية تعود في معظمها إلى عام 2006، وخلصت في الأخير إلى أن مسلمي فرنسا لا يمتلكون الإرادة، ولا القدرة على تهديد العلمانية الفرنسية، والمهددة أصلا من طرف من ينصبون أنفسهم حراسا لها.
مسلمو فرنسا هم الأقل ميلاً إلى التعليم الديني، وإلى إنشاء مؤسسات خاصة بهم، وإذا استحضرت الإحصائيات الرسمية والدولية لعام 2006، وهو العام الذي أنجزت فيه الدراسة وكان الإسلام وقتها مركز النقاش والسجال العمومي، نجد أنه في كامل التراب الفرنسي لم تكن توجد سوى ثانوية وإعدادية واحدة خاصة بالمسلمين، في حين كان حوالي 30.000 تلميذ يهودي يتابعون دراستهم في نحو 250 مدرسة يهودية، هذا علماً بأن التعليم الكاثوليكي بفرنسا يمثل 95 في المائة من التعليم الخصوصي.
راجعت وثائق تبين أن الغيتوهات الخاصة بمساكن المهاجرين في ضواحي المدن الصناعية، ليست صناعة عربية أو إسلامية، بقدر ما أن طبيعة الإجراءات الإدارية للسكن الاجتماعي، هي التي حرمت وما تزال تحرم أسر وعائلات المهاجرين من إمكانية السكن في أحياء تقطن فيها عائلات من أصول فرنسية، مما يفوت على المهاجرين فرصة الاندماج الفعلي، مكتفين بالعيش في غيتوهات، حيث يتدبرون صناعة هويتهم الخاصة، أو إعادة اكتشاف هوية مسترجعة.
ليس في نيتي أن أنفي التعصب عن المسلمين أيا كانوا، طالما أنني لا أومن بأن هناك ثقافة متسامحة بحكم جوهرها، وأخرى متعصبة بطبيعتها، لكني أردت القول بأن المسلمين هم مثل كافة البشر، يصدق عليهم قول ماركس؛ الناس يأكلون قبل أن يفكروا، بمعنى أن الواقع الاجتماعي والمصالح والمنافع التي يجنيها الناس من سلوك معين، هي التي تجعلهم يتمسكون بذلك السلوك أو يتخلون عنه.
تلك هي القاعدة عينها والتي تفسر لنا ظاهرة العداء للمسلمين، ظاهرة لا يجب اختزالها في مجرّد عداء ديني للإسلام وللرموز الدينية الإسلامية، فمثل هذا الاختزال مجانب للحقيقة، ومنتج لمواقف وردود أفعال خاطئة، لأن الأصل في المسألة أن الموقف من الإسلام لا يرمز إلى مجرّد موقف من ديانة أو عقيدة، وإنما يرمز أيضاً، إلى أبعاد كثيرة، متداخلة ومتشابكة: الموقف من الهجرة، الموقف من الأجانب، الموقف من الضواحي، الموقف من الطبقة العاملة، الموقف من القضية الفلسطينية، إلخ.
علينا أن لا ننسى بأن ما اصطلح عليه الغرب نفسه برهاب الإسلام، أو الخوف المرضي من الإسلام، هو مجرد صورة معكوسة لنزعة معاداة المهاجرين؛ هؤلاء الذين يفدون من خارج الأسوار ليضيقوا على المحليين في أرزاقهم، لاسيما حين تضيق الأرزاق أصلاً، ولذلك فمن عادة نزعة معاداة المهاجرين أن لا تنتشر في أوقات الرخاء، وهي حين تنتشر، فقد تتخذ لبوساً دينياً أو عرقياً أو طائفياً.
[*{{* يرى بعض المفكرين، ومنهم جورج قُرم، أن حلّ المسألة الدينية وإشكالياتها المعاصرة في القرن الحادي والعشرين يكمن في استعادة روح الحضارة العربية الإسلامية التي مارست التعدّدية الدينية والإثنية، ونبذ الصورة التي تقدِّمها الحركات الأصولية عن الإسلام كدين مغلق وغير متسامح، وإنهاء المؤسسات القائمة على توجهات إقليمية أو دينية، وصوغ “إنسانوية” علمانية بديلة لحرب الحضارات، في حين يرى آخرون بأن الأفكار السابقة هي نوع من التصور الطوباوي للحل، ما رأيك أنت بذلك؟}}*]
** يعدّ جورج قرم من بين قلّة من المفكرين العرب الذين يحاكمون السياسات والمواقف والمؤسسات الغربية، انطلاقاً من مبادئ الغرب ذاته، بمعنى فلسفة التنوير ومبادئ الثورة الفرنسية والقيم الكونية لحقوق الإنسان، والواقع أنّ الفكر العلماني العربي لا يمكنه أن يكون سوى فكر ناقد للخطاب الغربي ذاته، هذا الأخير الذي أنتج موقفين متعارضين في المظهر ومتكاملين في الجوهر:
أوّلاً، ساهم الخطاب الغربي في رواج موقف مفاده أنّ الثقافات الإسلامية غير مُؤهّلة بحكم طبيعتها لاحتضان قيم الحداثة والعقلانية وحقوق الإنسان، وهو الخطاب الذي عبّر عنه بالأمس المُستشرق الفرنسي إرنست رينان، ويعبّر عنه اليوم المُستشرق الأمريكي برنارد لويس، إنّه خطاب يجعل الحداثة وبالضرورة، فعلاً تدميرياً للثقافات التقليدية، وحتى لبعض الديانات.
ثانياً، مقابل هذا الموقف، عمد الغرب إلى ترويج موقف آخر، يزعم أنّ الثقافات الإسلامية، إن كانت عاجزة عن استيعاب قيم الحداثة والعقلانية، فذلك راجع، ليس إلى عجز الثقافات المحلية وعدم صلاحيتها، وإنّما يعود السبب في ذلك، إلى أنّ قيم الحداثة والعقلانية ليست قيماً كونية، بل إنّ البعض يذهب إلى حدّ اعتبار أنّ قيم حقوق الإنسان نفسها ليست قيماً كونية، ويدافع الكثير من المثقّفين الجُدد على أطروحة ترى بأنّ الكونية في مجال القيم ليست أكثر من عامل من عوامل الاستعمار والاحتلال والغزو. وهكذا يرى هؤلاء المثقفون الجدد، أنّ لكلّ مجتمع الحقّ المطلق في أن يعبّر عن قيمه الخاصة به، بعيداً عن مرجعية التنوير والتي أرادت أن تكون كونية فصارت استعمارية.
بين خطاب حقّ الغرب في التفوّق، وخطاب حقّ المتخلف في الاختلاف، بمعنى التخلّف، يغيب الخطاب التنويري، خطاب المساواة بين الثقافات والحضارات، بمعنى الخطاب الذي يجعل كلّ الثقافات والحضارات تتساوى في امتلاك القدرة على استيعاب قيم التنوير وحقوق الإنسان، والتي هي قيم كونية، ليس بسبب أنّها غربية، لأنّ ليس كلّ ما هو غربي كونيّا بالضرورة، وليس كلّ ما هو كونيّ غربيّا بالضرورة، وإنما لأنّ الحداثة التي ظهرت في الغرب، مثلها مثل الفلسفة التي ظهرت قديما عند اليونان، فإنها ثمرة أزهرت في مكان محدّد، لكنّ بذورها كانت منثورة في كلّ جسد، في كلّ ثقافة، وفي كلّ مكان.
حين نتناول الآن المفاهيم الأخيرة لحقوق الإنسان: الإجهاض والزواج المثليّ على سبيل المثال، فإنّنا نجد بأنّ هذه الحقوق لم تكن وليدة خصوصية تاريخ غربيّ متسامح مع تلك الحقوق، فالحاصل هو العكس تماما، وعلى سبيل المثال؛ فإلى حدود استقلال الجزائر عن الاحتلال الفرنسي، كانت فرنسا ما تزال تعتبر الإجهاض جريمة ضدّ الدولة، هذا في الوقت الذي كانت فيه الحضارة الإسلامية قد أقرّت منذ قرون خلت، بأنّ الإجهاض حقّ للمرأة، بل هناك نصوص لفقهاء معروفين حول طرق وأساليب الإجهاض، ومن غرائب الأمور، أنّ فرنسا أقرّت أخيرا الحقّ في الإجهاض لكنّ تجريمه ما يزال مستمراً في معظم مستعمراتها السابقة. وقد لا يسع المجال لتقديم أمثلة عن طقوس الزواج المثليّ في الكثير من المجتمعات الإسلامية التقليدية، وعموماً فإنّ ما أريد التأكيد عليه، هو أنّ أزمة التسامح في الحضارة الإسلامية لم تمسّ كثيراً مجال الحريات الجنسية ولا مجال الحريات الدينية، إذ لا وجود لمشاهد إعدام المثليين أو إحراق الساحرات أو محاكم التفتيش عن الهرطقة، لكن، حين كان الأمر يتعلّق بطاعة أولي الأمر، وبيعة الإمام، فقد أعدم الكثيرون، وتلك كانت نقطة الضعف المركزية في الحضارة الإسلامية.
{{في العلاقة بين الإسلام والإرهاب}}
[*{{* يؤكد بعض المفكّرين، ومنهم نبيل فياض، أنّ الإرهاب كامن في جوهر الإسلام الذي يقوم بالضرورة على إقصاء الآخر أو إلغائه، ويشير هؤلاء إلى أنّ الإسلام لا يقبل التعدّدية ولا يمكنه التعايش مع قيم الحداثة والمعاصرة بكلّ أشكالها، ما رأيك بذلك؟}}*]
** هناك من يردّدون بأنّ الإسلام هو الحلّ، وآخرون لا يجدون من ردّ عليهم سوى القول بأنّ الإسلام هو المشكلة، أو أنّ التخلّص من الإسلام هو الحلّ، وفي كلّ الأحوال فنحن أمام نفس الخطاب الذي يعتقد بأنّ للأديان جوهرا ثابتا، وأنّها تمثّل قوّة حاسمة ونهائية في حركة التاريخ؛ فهي قوّة نهضة وتقدّم لمن يرفعون شعار الدين هو الحلّ، وهي كذلك قوّة تخلّف وتأخّر لمن يزعمون أنّ تخلّي الناس عن الأديان أو عن دين معيّن هو الحلّ، وبخلاف ذلك فإنّي أرى بأنّ الأديان مثل الماء، تأخذ شكل الإناء الذي توجد فيه، لقد زعم الكثيرون في أوروبا بأنّ الكاثوليكية لن تستمرّ وذلك بسبب تحريمها للطلاق، ومع ذلك تكيّفت الكاثوليكية مع مطلب الطلاق واستمرّت في البقاء، ظنّ الكثيرون بأنّ الأديان ستنهار دفعة واحدة أو تباعاً، وذلك بسبب التطوّرات الحاصلة في الهندسة الوراثية، ومع ذلك هناك طوائف دينية جديدة تتألف من علماء في مجال الهندسة الوراثية، مثل الراؤوليين، وظنّ كثيرون أنّ الزواج المثليّ هو مسمار في نعش الديانات، ومع ذلك ثمّة كنائس تتبنّى الزواج المثليّ، هذا يعني أنّ الأديان هي في كلّ الأحوال مثل الماء أو الهواء، لا لون لها، ليس لها أيّ شكل أصليّ سوى أن تأخذ شكل الإناء الذي توجد فيه.
على هذا الأساس، ليس للإسلام أيّ جوهر ثابت، بل إننا لا نستطيع أن نتساءل عن موقف الإسلام من أية قضية من القضايا، يمكننا فقط أن نتساءل حول شكل الإناء الذي نريد أن نضع فيه الإسلام، بمعنى الوعاء الحضاري والاجتماعي الذي يحدد شكل هذا الذي نصطلح عليه بالإسلام.
إنّ معركتنا الحقيقية ليست مع الدين أو ضدّه، إلا أن تكون معركة دونكيشوتية مع طواحين الهواء، بل ومع الهواء ذاته، معارك هوائية لا تترك لنا سوى كلمات من دون أيّ أثر مادي في الواقع ومن غير أي تأثير وجداني على الناس، إنّ معركتنا الحقيقية هي معركة تحسين نوع الحياة بالنسبة لملايين العرب والمسلمين والذين يوجدون اليوم، على هامش العولمة الرأسمالية؛ في دول الجنوب وفي أحزمة الفقر داخل ضواحي المدن الغربية، وغير ذلك مجرّد فرقعات في الهواء، ما تنفك تترك فراغاً تملؤه النزعات الدينية المحافظة.
[*{{* في ذات السياق، برأيك، ما سبب صعود التيارات الأصولية السابقة إلى الواجهة؟ وما الفرق بينها وبين حركات المقاومة الإسلامية (حماس- حزب الله) التي ينعتها البعض بالتشدد، اعتمادا على أنّ خطابها الإيديولوجيّ منسجم -إلى حد ما- مع التيار السلفي؟}}*]
** سأبتدئ في الجواب بالشق الثاني من السؤال، أي المقاومة الإسلامية قبل أن أعود إلى أسباب نشأة التيارات الأصولية.
المقاومة حقّ مشروع لكلّ شعب يعيش تحت وطأة الاحتلال، لكنّ مشروعية المقاومة لا تعني بالضرورة، حتمية الانتصار.
الانتصار بصفة عامة نوعان، انتصار عسكري وانتصار استراتيجي. الانتصار العسكري قد يتوقّف على الشروط اللوجستيكية للمعركة، لكنّ الانتصار الاستراتيجي، يتعلق بالغايات الكبرى للمعركة، وبالوضع الدائم أو النهائي، وبالأهداف الجيوستراتيجية لما بعد المعركة.
حزب الله قاتل بشجاعة وحنكة وانتصر في مواجهة العدوان، حركة المقاومة الإسلامية (حماس) قاومت وصمدت في حرب غزة، لكنّ السؤال هو كالتالي: ما بعد الانتصار وما بعد الصمود، هل الأفق الاستراتيجي للمقاومة ارتقى أم تراجع؟
لقد أمست الممكنات الإستراتيجية لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) محصورة داخل أفق التقسيم: دولة لليهود، وأخرى للمسلمين ومعهم بعض المسيحيين، ولا يغير من الأمر شيئاً أن تصطلح حماس على هذا التقسيم بالهدنة الدائمة أو المؤقتة بأجل غير مسمى. وكذلك الحال بالنسبة لحزب الله، والذي يتقلص أفقه وينحسر ضمن أفق الطائفية وإعادة إنتاج النزعة الطائفية.
فهل تمكننا الخلفية الدينية للمقاومة، من تحقيق أي اختراق استراتيجي لأفق التقسيم الطائفي في فلسطين وإسرائيل، ولأفق التوزيع الطائفي في لبنان، وكذلك الحال بالنسبة للعراق، أم أن الأمر يحتاج لشجاعة من نوع خاص؟
وأما عن أساب صعود الحركات الأصولية، فإني لا أميل إلى حصر الأسباب في نطاق تاريخ محلي أو إقليمي، كما يفعل الكثيرون، لا أريد أن أحمل الذات إلاّ وزر ما تتحمل بالفعل.
ومرة أخرى أؤكد بأن صعود الحركات الإسلامية يأتي في سياق منسجم مع التحولات الثقافية العالمية والموسومة بجبهات كثيرة ومعادية لقيم التنوير، ولمبادئ الثورة الفرنسية، جبهات فتحتها تيارات فكرية وفنية عديدة ومتنوعة، كما أنه يأتي في سياق تنامي الحركات الدينية في كافة أرجاء المعمور، دون أن ننسى الدور الحاسم الذي لعبته ظروف الحرب الباردة في استقواء الحركات الدينية والتي شكلت الطلائع الأساسية للمواجهة المفتوحة مع المعسكر الشيوعي والمتهم بالمادية والإلحاد.
العديد من المنظمات الإسلامية والمسيحية واليهودية وحتى البوذية، مثل القاعدة، والأبوس داي، والعائلة، ومنظمة الرؤية العالمية، والإخوان المسلمين، والتضامن المسيحي العالمي، وغيرها، لم تحظ بالتسامح فقط، وإنما حظيت بالدعم والرعاية على أمل محاصرة المد الشيوعي والذي اتخذ منحى تصاعدياً هدد مستقبل الديمقراطية التعددية. وفي مواجهة المد الشيوعي الزاحف، تم حشو الكثير من البرامج التعليمية والإعلامية بالقيم الدينية، وذلك من أجل أن يكتسب الناس والناشئة مناعة دينية ضد الماركسية والفكر المادي والنزعة الشيوعية.
وأخيراً انهار المعسكر الشيوعي، انهار على حين غرّة، فوجدت الحركات الدينية نفسها وكأنها جيش ضخم كان على درجة عالية من الجهوزية قبل أن يختفي الهدف فجأة من أمامه.
هكذا سيرتدّ بعض السلاح الديني إلى نحره، وهو المشهد الذي تعكسه واقعة الحادي عشر من سبتمبر، فيما سيتحول الكثير من السلاح الديني إلى العمل المدني والسياسي وفق مشاريع وأهداف دعوية أو تبشيرية، تسعى إلى قطع جميع الطرق التي قد يتسرّب منها فكر مادي جديد.
{{في العلمانية وإشكالية الحلّ}}
[*{{* تتساءل في مقال لك: هل العلمانية مجرد خدعة بصرية، وتصفها في مقال آخر بأنها معطوبة، وتؤكد في ذات المقال أن الغرب من خلال تساهله في مسألة الحياد الديني، إنما يفسح المجال أمام من يسعون إلى انهيار العلمانية من الداخل، في حين يرى بعض المفكرين أنَّ انهيار الإيديولوجيات العلمانية المكرّس باختفاء الماركسية فتح الباب أمام عودة المفهوم الديني.}}*]
[*{{والسؤال: هل كانت العلمانية التي عاشها الغرب لقرون مجرد حلم جميل، أو بناء هشّا لم يؤسس لأرضية تضمن بقاءه واستمراره، وبالتالي هل نحن ذاهبون حقا إلى انحسار العلمانية في ظلّ صعود الحركات الدينية الأصولية (الإسلامية والمسيحية)؟}}*]
** يَنعت مُعظم المُراقبين عالم اليوم، بأنه عالم عودة الدين وانبعاثه؛ توصيفٌ يثير مَخاوف البعض وغبطة الكثيرين، وقد تبدو العديد من الظواهر المُنتشرة هنا أو هناك، وكأنّها مؤشّرٌ على قرب انتكاسة كونية ونكوص عالمي إلى أزمنة نظريّة الحقّ الإلهي.
وتضعنا مُختلف الظواهر الحالية، أمام انطباعٍ واحدٍ، وهو أنّ النقاش الديني، والسجال الفقهي، عاد إلى دائرة الفضاء العمومي، وذلك بعد طول غيبة وغياب، وترقب وارتقاب، ويُلاحظ المراقبون بأنّ الأديان تعود اليوم، لتطرح نفسها بديلاً شاملاً عن جميع أزمات العصر، من الحروب إلى المُخدرات، ومن التلوث البيئي إلى مرض الإيدز.
لم يَعُد الخطاب الديني يطالب بمجرّد الاعتراف به، وإنما أصبح يطالب بأن يكون إطاراً مرجعياً للحقل السياسي، والمُحصلة أنّ الخطاب الديني يضع نفسه كمشروع مجتمعي، في وقت قلما يتحدث فيه الآخرون عن مشروع مجتمعي.
في إيطاليا حيث كادت الكنيسة خلال سنوات السبعين من القرن العشرين، أن تعلن رسمياً إفلاسها المالي بسبب ضيق اليد وقلة السند، فقد أصبح اليوم جميع الزعماء السياسيين، من اليمين بكافّة تلاوينه، إلى اليسار بكامل ألوانه وأطيافه، يخطبون ودّ الكنيسة، ويطمعون في بركة رجال الدين، ولا سبيل لهم إلى أصوات الناخبين من دون مباركة الحركات الدينية السرية والعلنية.
في روسيا، تكاد الكنيسة الأرثوذوكسية تصبح هي كنيسة الدّولة، ويقود بطريق موسكو اليوم، نقاشاً صاخباً حول إعادة بناء الهوية الجديدة للدّولة الرّوسية.
وأمّا داخل الولايات المتحدة الأمريكية، حيث لن يكون يسيراً على المرء، أن يُميّز بين رجل السياسة والواعظ الديني، فإنّ الفائز في الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية، والذي لا بُدّ أن يكون منتمياً إلى إحدى الجماعات أو المجموعات الدينية، يضطرّ لتأدية القسم رافعاً يده اليسرى، وواضعاً يده اليمنى على الكتاب المقدّس، ولن يعفيه من ذلك الواجب الديني، أن يكون من أتباع ديانة غير مسيحية، لأنّه في هذه الحالة، سيجد نفسه أمام ضرورة القسم على الكتاب المقدّس لديانته التي يدين بها، وهذا ما فعله كيث موريس إليسون Keith Maurice Ellisson، باعتباره أوّل عضو أمريكي مسلم تمكّن من دخول الكونغرس الأمريكي، فقد أدّى في عام 2006، قسم الولاء على القرآن داخل الكونغرس.
فكيف حدث هذا التحوّل في الوعي الغربي نحو القبول بعودة الخطاب الدينيّ إلى حقل السياسة؟
لقد شهد منتصف القرن العشرين، بداية الحرب الباردة والتي واجه فيها العالم الديمقراطي إيديولوجية ستالينية قائمة على الاستبداد السياسي والتربية الإلحادية، وكان منتظراً أن تلعب الحركات الدينية دوراً طليعياً في المواجهة مع الستالينية، وفي نفس الفترة شهدت الحضارة المعاصرة أوّل انقلاب في الموقف من المسألة الدينية، انقلاب سبقت إليه مدرسة التّحليل النفسيّ، والتي انتقلت من موقف يعتبر الدين عصاباً وسواسياً؛ وهو الموقف الذي يمثّله فرويد، إلى موقف يعتبر الدين منظومة علاجية؛ وهو الموقف الذي يمثّله كلّ من كارل يونغ وإريك فروم، وفي منتصف القرن العشرين كذلك، ومع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، انقلب موقف خطاب حقوق الإنسان من موقف يهدف إلى تحرير المواطن من الاضطهاد المفترض للسلطة الدينية إلى موقف يقصد تحرير الدين من الاضطهاد المفترض للقانون وللدّولة، فقد انتقل الموقف الحقوقي من المسألة الدينية من إطار الحرية الدينية للأفراد، إلى إطار حقّ الإنسان في الدين وفي التدين.
ثمّة من أراد للدين أن يكون حلاّ، أو يساهم في حلّ مشاكل العالم والبشرية، عقب الحربين العالميتين، القنبلة الذرية، مشاكل التدهور البيئي، وتصفية الاستعمار، وأن يساهم في ازدهار الديمقراطية وانتشار قيم حقوق الإنسان، لذلك اختارت الولايات المتحدة الأمريكية ومعها العديد من المنظمات الحقوقية الدّولية، أن تجعل الحرية الدينية حقّاً أساساً لحقوق الإنسان، بل وجعلتها حقّاً فوق باقي الحقوق، وهو ما قاد في آخر المطاف إلى التفريط في الكثير من الحقوق الأساسية للإنسان بدعوى أولوية احترام المعتقدات الدينية للناس، ولو على حساب احترام حقوقهم الأساسية.
لقد أراد البعض أن يساهم الدين في حلّ مشاكل العالم، لكنه ما انفكّ يُصبح أحد أكبر مشاكله.
[*{{يرى بعض المفكّرين، ومنهم جورج طرابيشي، أنّّ العلمانية هي، قبل كلّ شيء، إشكالية إسلامية-إسلامية، ورغم أنّهم يشيرون إلى أنها اختُرعت في مختبرات الغرب لتكون علاجا للصراع الطائفي في المسيحية، لكنهم يرون أهمية تطبيقها في العالم العربي كبديل عن الحرب الأهلية، ما رأيك بذلك؟}}*]
** تُعلمنا تجارب الحياة أنّ الصراع السياسي، حين يكتسي صبغة دينية، يغدو مستعصياً على الحلّ، ذلك أنّ الحلّ السياسي هو، في نهاية المطاف، إبداع يبدعه العقل البشري، بما يتوفّر لديه من إمكانيات للتوافق، للتواصل وللعيش المشترك، بعيداً عن أي تعصب لوصايا مُقدّسة، أو انحياز مسبق إلى أوامر إلهية، وبعيداً عن أيّة مباركة لخصوصيات دينية هنا أو هناك. إن كل حلّ سياسي هو تعبير عن إرادة الناس في أن يعيشوا مع بعضهم بعضاً، وفقاً لقدرتهم على التفاهم، التسوية والتوافق، بعيداً عن ما يقرره الغيب، لذلك وجدنا أن إضفاء الطابع الديني على أهم الخلافات السياسية في عالم اليوم، لم يزد تلك الخلافات إلاّ استعصاءً عن الحلول الممكنة، تلك هي حالة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهي أيضاً حالة الحروب والنّزاعات في كل من العراق، القوقاز، البلقان، كشمير، الصومال وغيرها.
لم تكن العلمانية ضمن البرنامج الأساسي لحرب المحافظين الجدد على العراق، كان اعتقادهم أن الديمقراطية مبدأ مستقل عن منظومة الحداثة، العقلانية والعلمانية، بل إنهم وتبعاً لأطروحة فيلسوفهم المرجعي، ليو شتراوس، اعتقدوا أن القيم الدينية والفلسفات الكلاسيكية والقروسطية، أقدر على ضمان ازدهار وانتشار الديمقراطية من الحداثة السياسية التي أخفقت في تلك المهمة.
وإن كانت رؤية المحافظين الجدد قد أخفقت بالنسبة للعراق، حيث تحولت الديمقراطية، وأمام غياب واضح لمبدأ العلمانية، إلى مطية للطائفية والفتنة المذهبية والحروب الدينية، إلا أن العلمانية ما تزال مستبعدة من أجندة الإدارة الأمريكية، والواقع أن انزلاق المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين الديني، هذا الأخير الذي أعلن مؤخراً، بنحو رسمي ومن موقع الدولة نفسها، شعار دولة خاصة باليهود، يمثل عقبة كأداء أمام أي دعم أمريكي لمطلب العلمانية، طالما أن النموذج الإسرائيلي لا يمكنه أن يستمر إلا في محيط إقليمي، بل وعالمي، قائم على الطائفيات الدينية.
إن استبعاد الخيار العلماني الديمقراطي يكرس الوضع الطائفي، سواء في لبنان أو العراق أو إسرائيل، والمؤسف أننا رأينا في سوريا نفسها، كيف حاول المشروع الجديد لقانون الأسرة أن يعيد المجتمع إلى السقف الطائفي الذي حاولت سوريا دائماً الانفلات من قبضته.
[*{{ * في المقابل يؤكد مفكرون آخرون أن العلمانية خسرت الرهان في الصراع الإيديولوجي في العالم العربي، مشيرين إلى أن من ربطوا أنفسهم بها، وادعوا دفاعهم عنها، اتخذوا منها أساسا لتمييز أنفسهم عن باقي فئات المجتمع، وحولوها إلى هوية وعقيدة خاصة بديلة، وطالبوا بفرضها كعقيدة دولة بدل العقيدة الدينية، ما رأيك بذلك؟}}*]
** العلمانية ليست عقيدة للمجتمع، ليست إيديولوجية للدولة، العلمانية إجراء عقلاني، لا يضمن فقط التعايش، وإنما يضمن العيش المشترك، لا يضمن فقط التفاهم، وإنما يضمن الفهم المشترك للأمور، بعيداً عن الغيبيات التي تفرق الناس وتوزعهم إلى شيع وطوائف، وقديماً قال هيراقليطس: لكل نائم عالمه الخاص، وللمستيقظين عالم واحد.
العقلانية السياسية ليست مجرد عقلانية ذاتية، وإنما هي عقلانية توافقية، قائمة على أن الحقائق ليست وصايا في اللوح المحفوظ،، وإنما هي ثمرات توافق بين مواطنين مستيقظين، من أجل بناء الإرادة العامة والمصير المشترك، إنها ثمرة بناء ديمقراطي تشاركي، إن عدم فهم العلمانية باعتبارها وسيلة لامتلاك المواطنين لمصيرهم ولتحكمهم فيه، قد جعل الناس يتوجسون منها، والواقع أن العلمانية لا تبرر أية إجراءات سلطوية أو تسلطية ولو باسمها، إلا أن تضع نفسها موضع العقيدة الدينية، كما حدث في بعض التجارب.
المسلمون ليسوا في جوهرهم معادين للعلمانية، فلقد انضم أغلبية المسلمين الأمريكيين إلى أغلبية العلمانيين الأمريكيين في التصويت على الرئيس الأمريكي الحالي، بارك أوباما، واتفقوا على نفس الاعتبارات، وهي أن الخطاب الديني الأصولي للرئيس الأمريكي السابق جورج والكر بوش، قد قاده إلى حروب شبه دينية في العراق وغير العراق.
وفي الكثير من الدول الأوروبية اليوم، يقدم عدد كبير من المسلمين أنفسهم باعتبارهم مسلمين علمانيين، بمعنى أنهم يدركون أن مصلحتهم كمسلمين تكمن في الدفاع عن الخيارات العلمانية، وإذا كان الأمر كذلك داخل المجتمعات التي يمثل فيها المسلمون أقلية، فإن الأمر لكذلك أيضاُ، في مجال العلاقات الدولية.
فحين صادق الكونجرس الأمريكي بمجلسيه، في 1995، على قرار اعتبار القدس عاصمة أبدية لدولة إسرائيل، لم يكن الأمر يخلو من تطابق في الرؤية الدينية بين المصلحة الإسرائيلية ورواية سفر الرؤيا من الإنجيل، والتي تجعل سيطرة اليهود على القدس شرطاً أساسيا لعودة المسيح المخلص.
أمام مثل هذه القرارات، لا يملك المقاوم الفلسطيني أكان مسلما أو غير ذلك، إلا خيار المقاومة، لكن بالاستناد إلى المرجعية العقلانية في العمل السياسي والتي أرسى أسسها أب الفلسفة السياسية، أفلاطون، هذا الأخير الذي كان يؤكد بأن العمل السياسي هو وظيفة النفس العاقلة.
أما المراهنة على الرد على سفر الرؤيا برؤيا الإسراء والمعراج، فإنما يعني ذلك أننا نواجه حججاً غيبية بحجج غيبية ليس لنا فيها أي امتياز.
[*{{* في ذات السياق يدعو بعض المفكرين، ومنهم محمد عابد الجابري، إلى سحب كلمة العلمانية من قاموس الفكر العربي والاستعاضة عنها بشعاري العقلانية والديمقراطية، في حين يرى آخرون ضرورة المزاوجة بين الديمقراطية والعلمانية، مؤكدين أنه “لا ديمقراطية بلا علمانية”، ما رأيك بذلك؟}}*]
** العقلانية هي الخطاب الذي ينتجه العقل البرهاني.. الديمقراطية هي القرار الذي ينجم عن توافق أغلبية المواطنين.. العقلانية الديمقراطية، أو الديمقراطية العقلانية، تعني الاحتكام إلى أغلبية تحتكم بدورها إلى نخبة عقلانية؛ هذا ما لا يختلف معه الجابري.
لكن المشكلة تكمن في أن الأغلبية قد لا تكون دائماً عقلانية حتى في المجتمعات الأكثر تقدما، العقلانية التي يراهن عليها الجابري، ليست مساراً انسيابياً في حركة المجتمعات والأفراد، ومن هنا حاجة المجتمع إلى اتفاق أو تعاقد احترازي يقلص من التأثيرات الغيبية والأسطورية، والتي قد يحملها بعض الأفراد أو الجماعات، إلى الحقل السياسي.
الأساطير والخرافات والأكاذيب والأوهام ليست قدراً سياسياً كما يرى الكثيرون، فالعقلانية السياسية مسار واقعي، ممكن وضروري، ومع ذلك فهو مسار شاق وطويل.
العلمانية تعاقد مدني لصالح العقلانية، إنها تعاقد يمنع الآراء الدينية والغيبية من أن تكون حجة لأي قرار سياسي، تعاقد يجعل الخطاب السياسي خطاباً برهانياً قائماً على ما يسميه أفلاطون بالنفس العاقلة، وعلى ما يصطلح عليه كانط بالاستعمال العمومي للعقل، فالعقل هو المشترك الإنساني، غير أننا لا نكون عقلانيين دائماً وفي كل الأحوال، وهنا يكمن المبرر الأول للتعاقد العلماني، غير أن المبرر الثاني يتجلى في أن الحجج الدينية حمالة أوجه، فحيثما نسند قراراً سياسياً على حجج دينية، فإننا نفسح المجال أمام قرارات مضادة تنطلق من نفس الحجج الدينية، ما يفتح الباب أمام الفتنة والحروب الأهلية، ويظل هناك اعتبار ثالث للتعاقد العلماني، وهو أن الحجج الدينية والغيبية لا تخاطب المشترك الإنساني، والذي هو العقل والحواس، ومن ثمة فإنها تفتح الباب أمام التقسيم الطائفي للفضاء العمومي.
حين نقول بأن العلمانية تعاقد مدني يمنع المؤسسات الدينية من التدخل في صناعة القرار السياسي، ويجعل القرار السياسي لا يستند إلى الحجج الدينية والغيبية، فإن العلمانية، مفهوماً وقيمة واصطلاحاً، ستكون إجراء ضرورياًً للعقلانية وللديمقراطية على حد سواء.
