القضية الاجتماعية من منظور نيتشويّ

اشتراكية عالمية أو ليبرالية استعمارية: بين هذا الزوج المتنافي وجد مفكّرو القرن التاسع عشر أنفسهم أمام حتمية الاختيار. فالمسألة لا تتعلّق فقط بتحزّب إيديولوجيّ، بل أيضا وبالأساس بكيفية التعامل مع المشاكل الاجتماعية في الداخل، والعلاقات الدولية في الخارج. في هذا المقال أحاول عرض مواقف نيتشه من القضايا الاجتماعية المطروحة في عصره والحلول التي ارتآها عفويا أو عن قصد، لفضّ المشاكل الاجتماعية. في البداية يجب التنبيه إلى أنّ هناك ثابتة في فكر نيتشه تتخلّل كامل إنتاجه الفلسفيّ وهي المعارضة القويّة للفكرة الاشتراكية في حدّ ذاتها، وخصوصا لمبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة. في إحدى مقالاته المبكّرة بعنوان “الدولة اليونانية”، يكشف نيتشه عن توجّهه الإيديولوجيّ وعن الإطار المرجعيّ الذي قرأ من خلاله الأحداث الراهنة: فكلّ ما يتعلّق بفكرة المساواة أو التوعية العمالية، أي النشاط النقابيّ، وكلّ محاولة يقوم بها الاشتراكيون لفسخ التفاوت الاجتماعيّ والطبقية والاستغلال، هي أعمال تخريبية إن لم تكن مضادّة لطبيعة الاجتماع البشريّ. ولذلك فهو يدين، بل يحتقر، أولئك الذين يريدون إخراج العمّال “العبيد” من حالة الدونيّة التي هم عليها إلى حالة أفضل: « هؤلاء التعساء زارعي الفتنة [الاشتراكيون] الذين قضوا على حالة البراءة التي كان عليها العبد عن طريق ثمار شجرة المعرفة! وها هو الآن يجرّ وراءه من يوم لآخر أكاذيب واضحة، معروفة لكلّ من كانت لديه القدرة على النظر بعمق في تلك المبادئ المزعومة، مثل “المساواة الكونية” وما يُسمّى بـ”الحقوق الأساسيّة للإنسان”، الإنسان بما هو كذلك، أو كرامة الشغل1».

الخطيئة الكبرى للاشتراكيين تكمن، حسب نيتشه، في تقويضهم تلك الغريزة الصافية عند “العبد ـ الشغيل” وتدميرهم ذاك الإحساس بالبساطة دون ادّعاءات مفرطة: « مَن مِن الأوباش ( Gesindel ) المحدثين الذين هم أكثر كرها عندي؟ إنهم أوباش الاشتراكيين، رُسل المنبوذين “شاندلا” الذين يقوّضون الغريزة والسرور والإحساس بالرضا التي يشعر بها العامل في وجوده المحدود ـ الذين يجعلون منه إنسانا حسودا ويُعلّمونه أخذ الثأر… الظّلم لا يكمن في حقوق لامتساوية، بل في ادّعاء حقوق متساوية 2».

الاشتراكيون حطّموا الشروط التي تجعل من شخص ما في نفس الوقت « فقيرا، مسرورا وعبدا3» ( arm, fröhlich und Sklave ) تلك الحالة البريئة المملوءة غبطة ورضا التي كانت عليها الطبقة المسحوقة قبل أن تَعمد الدعاية الاشتراكية إلى بَثّهم « أماني مجنونة (tollen Hoffnungen)4».

ما الحلّ إذن؟ الحلّ الذي يقترحه نيتشه يَهمّنا نحن العرب لأنّه جاء على حسابنا وعلى حساب أجدادنا الذين ذاقوا منه الأمرّين: الطبقة الشغيلة، إن لم يكن بالمقدور إلجامها وقهرها، يجب عليها أن تغادر أوروبّا، أن تشقّ طريق الهجرة نحو أراضي بكر وتصبح مالكة وسيّدة هناك. يجب على الساسة أن يُشجّعوا تعساء أوروبا لتغيير المكان، والاستعداد للمغامرة، ومجابهة المخاطر وخوض حروب لا تنتهي. هذه الإجراءات ضرورية للتخلّص من شغب “العمّال ـ العبيد” وتهدئة الأوضاع الداخليّة: « فضيلة أوروبّا مع هؤلاء العمّال هي في إرسالهم إلى الخارج؛ وما هو في داخل الوطن أصبح تضايقا خطيرا ونزعة إجراميّة، خارجها سيكون ذا طبيعة متوحّشة وجميلة وسيُسَمّى بطولة5». إنّه الاستعمار بأمّ عينه، ونيتشه يذكره بصريح العبارة ( Colonisten Züge). لا يَخفى على أحد أن هذا الحلّ لم يبق حبرا على ورق بل أصبح برنامجا نافذ المفعول، وقد عملت به أوروبّا وكلّ القوى الإمبريالية للتخفيف من حدّة الصراعات الاجتماعية في الداخل، وتصدير القهر والاستغلال والعبوديّة خارج أراضيها.

{{حلول اجتماعية جذرية:}}

لكنّ نيتشه لم يكتف بهذا الاقتراح، بل ارتأى مجموعة من الحلول الأخرى أكثر جذرية وأشدّ قسوة. من الجانب السياسي الإيديولوجيّ فهو ينضمّ إلى معسكر الليبراليين، داعيا مثلهم للتقليل من تدخّل الدولة: «أقلّ ما يمكن من الدولة (So wenig als möglich Staat)6». ويقول «أنا لا أحتاج إلى الدولة، أنا بمفردي دون ذلك الإلزام العتيق كنتُ سأمنح نفسي تربية أحسن، أكثر ملاءمة لجسدي، مقتصدا طاقة الصراع لتحرّري. وإذا أصبحت الأشياء التي هي حولنا أقلّ ضمانا فهذا أفضل!. أتمنّى العيش في حالة تحفّز وبروح حربية7». هذا الخطاب موجّه بالدرجة الأولى ضدّ الاشتراكيين، يقوله هو نفسه بصريح العبارة « أنا أعلم ماذا يقود إلى دمار هذه الدّول: الدولة العليا للاشتراكيين؛ أنا خصمها، وأكرهها في الدولة الحديثة … الخطابات المملوءة تذمّرا على شقاء الإنسانية لا تستثير في نفسي أيّ تعاطف بل تقودني إلى القول: هذا ينقصكم، أنتم لا تستطيعون العيش كأشخاص، ولا تملكون أيّ غناء، وأيّ لذّة في الهيمنة، تعوّضون بها حرمانكم8».

مسؤولية البؤس على من تقع؟ من المتسبّب في استغلال الطبقة الشغيلة وإهانتها؟ لا أحد، أو ربّما الفقراء أنفسهم هم المسؤولون عن ذلك. نيتشه يتّهم أولئك الذين يثورون ضدّ الجور السائد في النظام الاجتماعي الرأسمالي بأنّهم « تخيّلوا مسؤوليات وتصوّروا إرادات غير موجودة بأيّ حال من الأحوال. مِن غير المشروع التحدّث عن اللاعدل في ظروف تغيب فيها الشروط الأولية للعدل واللاعدل9». وأرى أن هذه ثابتة من ثوابت الفكر السياسي الليبرالي على مدى تاريخه. فعلا، الليبراليون إمّا أنهم لا يعترفون بالمسألة الاجتماعية ويتملّصون منها بإلقاء التهمة على المعوزين أنفسهم وعلى أولئك الذين داسهم رأس المال، أو أنهم يعارضون أيّة محاولة للحكم عليها بمقولات إنسانية كما هو جوهر الخطاب النيتشوي. لكنّ الملفت للنظر أنّ هذا الخطاب نجده تقريبا بحرفيته عند أحد شيوخ الليبرالية المعاصرين، أعني فون هايك. يقول هو أيضا بأنه من التخلّف التحدّث عن عدالة وظلم اجتماعيين أمام واقع مفروض ليس هو «حصيلة إرادة واعية»، ولا ناتج عن اختيار أيّ إنسان وبالتالي غير خاضع لمقولات الفضيلة، العدالة أو أيّ قيمة من القيم الأخلاقية الإنسانية10. المسألة الاجتماعية لا ينبغي أن تُحيل إلى شروط موضوعية وإلى واقع معيّن، بل تحيل عند نيتشه إلى أمور ذاتية، إلى الضغينة، الحقد الذي يكنّه الفاشلون ضدّ الناجحين. تهمة الحقد هذه نجدها عند الليبرالي فون هايك، مستخدما تقريبا نفس عبارات نيتشه. ما يحرّك مطلب العدالة الاجتماعية ليست إلاّ مشاعر وضيعة مثل «احتقار الأشخاص الذين هم أفضل منا، أو ببساطة الحسد11».

نيتشه عمد في فترة لاحقة إلى تحويل وجهة الصراع وإرجاعه إلى عوامل فيزيولوجية، فعلا، حسب رأيه، يجب تحويل النظر من عالم الأخلاق إلى عالم الفيزياء (الفيزيولوجيا)، أي المرادف للطبيعة والمظهر الخارجي، وليس إلى عوامل داخلية: « يلزمنا أن نكون فيزيائيين لنكون بهذا المعنى مبتكرين ـ بينما كانت كلّ تقديرات القيم وكلّ المثل ترتكز، حتى الآن، على الجهل حتى بالفيزياء، أو كانت في تناقض معها. ولْتَحيى الفيزياء! وَلْتحيى تلك التي ترغمنا على اللجوء إليها ـ نزاهتها12». ليس الجسد والمظهر الخارجي فحسب، بل إنّ نظام التغذية هو أيضا محدّد في بروز العبقرية: «الجهل في المجال الفيزيولوجي13»، أي بعبارة نيتشه، “المثالية اللعينة”، هو الذي كان القدر المشؤوم في حياته. «إن هذه الأشياء الصغيرة من غذاء وأمكنة ومناخ واستجمام؛ أي مجمل دقائق الولع بالذات لهي في كل الأحوال أهمّ من كلّ ما ظلّ إلى حدّ الآن يؤخذ على أنّه مهمّ. من هنا بالذات ينبغي أن يبدأ المرء بإعادة التعلّم. إذ أنّ كل الأشياء التي ظلّت البشرية تثمّنها إلى حدّ الآن ليست حتى بالأمور الواقعية، بل خيالات ومجرّد أوهام وبعبارة أكثر شدّة أكاذيب طالعة من عمق الغرائز السيّئة لطبائع مريضة ومضرّة بالمعنى العميق للكلمة14». النظام الغذائيّ يخترق الفرد لكي يؤثّر حتى في التاريخ الكونيّ، فهو يفسّر لنا مثلا انتشار البوذية الذي « يُعزى بقدر كبير إلى إفراط الهندوس في استهلاك الأرز والاقتصار عليه تقريبا، وإلى الخمول التام الذي ينجم عنه15». القانون العامّ بالنسبة إلى نيتشه هو هذا «حيث يشرع اشمئزاز عميق من الوجود في الاتضاح تبدو للعيان الآثار البعدية للخطأ الجسيم في التغذية16». ليس هذا فقط، هناك عامل آخر لا ينبغي الاستهانة به وهو عامل الوراثة، والذي عرّج عليه نوعا ما في “مولد التراجيديا (47)” ثم زاد التركيز عليه حينما اطلع على أعمال غالتون الإنجليزي ولمبروز الإيطالي.

الحل الأوّل الذي اقترحه نيتشه لمعالجة القضية الاجتماعية، وتخليص الرأسماليين من غضب البروليتاريا هو الهجرة والاستعمار. لكنّ هذا الحلّ غير كاف، يجب اكتماله بالتصفية الجسدية، بالتطهير الاجتماعيّ. أوروبا العجوز تشكو من اكتظاظ سكّانيّ، يجب الحدّ من الإنجاب وتقنين الزواج. هموم الليبرالي مالتوس، كما يقول لوسوردو، تجد لها صدى في زرادشت: «أنت شابّ وترغب لنفسك في زواج وبنين: لكني أسألك هل أنت بالإنسان الذي يحقّ له أن يرغب لنفسه في ولد؟17». ليس كلّ الناس لديهم الحقّ في الزواج والإنجاب «لا بدّ أن تكون أنت ذاتك تامّ البناء، مستقيم البنيان جسدا وروحا». على هذه الشروط، أي شروط الصحة الجسدية يُعقد الزواج، أما إذا خلت منه فهو زواج «الفائضين عن اللزوم». والفائضون عن اللزوم لا ينبغي أن يعيشوا. يجب منع تناسل المعوقين، الفاشلين وذوي العاهات، والعمل على انتقاء الأفضل. المثال النموذجي لمجتمع معافى وساهر على تحسين النسل هم اليونانيون الذين وصلوا إلى حدّ تشجيع « اللواط لمنع التكاثر السكاني18».

أطروحة منع الفاشلين والمرضى من التناسل أو القضاء على كل من هو غير صالح للإنتاج مطابقة لأطروحة الفاشية، والنازية ومن ممارسات هذه الأنظمة على أرض الواقع، يكفي مطالعة أدبيات الفاشية في الثلاثينات من القرن المنصرم حتى نصطدم بهذه الحقيقة المرّة. ضد العزوبية، ضدّ عدم التوازن الناتج من تكاثر الرعاع الولودين، يجب ثني عزوبية العناصر المعافاة في المجتمع عن طرق فرض ضرائب مشطة «وتمديد الخدمة العسكرية، إضافة إلى منح كل التشجيعات اللازمة لأرباب العوائل الذين لهم أولاد كثر (خصوصا إن كانوا ذكورا)». ولأجل منع العناصر المشوّهة من التكاثر يمكن التفكير بإدخال « بروتوكول طبي (ein ärztliches Protokoll)، سابق لأيّ زواج وممضى من طرف هيئة جماعية، حيث الخطيبان والطبيب يجب عليهم الإجابة عن أسئلة معيّنة19».

وإذا لم ينفع هذا الإجراء يجب المرور إلى التالي وهو سجن المشوّهين والفقراء، لكنّ هذا غير كاف وربّما لا يحلّ المشكلة، يجب استحداث حلّ آخر: الأحسن هو إخصاء العرق (ihn kastrieren) ومنع الضعفاء والمشوّهين (المرضى، المجانين، المجرمين) هكذا كلّيا من الإنجاب20. لكنّ الحلّ الذي يُنهي القضية بالكامل ومن الجذور هو التصفية الجسدية المنظمة لهؤلاء المشوّهين وتخليص المجتمع من عبئهم. التطهير الاجتماعي إذن هو ضرورة ملحّة إن لم تنفع التدابير الوقائية السابقة. زرادشت يحذر من أنّ الفضلات قد عمّت وسَقْطُ البشرية في تكاثر مهول: « مليئة هي الأرض بالفائضين عن اللزوم، والحياة قد دخلها الفساد بسبب هذا الفائض من الفائضين». ما الحلّ إذن؟ الحلّ النهائي هو «استدراجهم إلى الارتحال عن هذه الحياة!21»، يعني قتلهم، قطع دابرهم مثلما يجب قطع دابر الشحاذين على بكرة أبيهم: «الشحّاذون يجب أن نقطع دابرهم كلّيا (Bettler aber sollte man ganz abschaffen!)22»، ليس هم وحدهم بل القيام بإبادة جماعية لمن يسمّون بالزائدين عن اللزوم، للضعفاء والمشوّهين، وتطهير المجتمع منهم. هكذا تكلّم زرادشت.

إنّه برنامج تطهير اجتماعيّ رهيب، يقشعرّ منه البدن. ومع ذلك فلا ذكر لهذه العبارات الخطيرة في أيّ من أعمال لوفيث، دولوز، فوكو، فاتيمو وصولا إلى أعمال المفكّرين العرب المحدثين. لا تغلب إلاّ روح المنافحة اليائسة، بل المتهوّرة. جاميتّا (Giammetta) أحد المختصين الإيطاليين بنيتشه، الذي كتب شرحا مطوّلا ومفصّلا على زرادشت، وحينما اعترضته هذه الفقرة بعنوان ” دعاة الموت”، كما الفقرات الأخرى المحرجة، راوغ وقلّل من شأنها. قال: هذه الفقرة تبدو جارحة للمعوزين إذا لم توضع في إطارها الخاصّ ولم يُدرَك المقصد الحقيقيّ لنيتشه، أي إذا لم يُشَر بالتدقيق إلى ما يريد نيتشه ضربه بخطابه هذا. ليس في ذهن نيتشه هنا إلاّ النفاق والمغالطات لأولئك الذين يعيشون رغد العيش ولكنهم، بسبب ضيق نظرهم وبُخلهم، لا يَكفّون عن التحدّث بسوء عن الحياة23. حسنا لكن ماذا نقول عن عبارات من قبيل “الأرض مليئة بأناس يجب حثّهم على الموت”، “الأرض ملأى بالفائضين عن اللزوم…”؟ الشارح اعترف بأنّها كلمات مرعبة وتثير القشعريرة (sono terribili e danno i brividi) لأنّها تذكّر بالقُسَاة الذين قالوها واستغلّوها لأغراضهم السياسية الإجرامية، ومع ذلك، وهذا شيء مذهل حقّا، يضيف الشارح بأنّ تلك الكلمات « تَعلق بالذهن وبالروح كشيء له في ذاته حقيقة لا يمكن نكرانها، والتي هي شجاعة، وليس إجراما البوح بها24».

أمّا الفرنسي بيار هوبير ـ سوفرين، في كتابه “زرادشت نيتشه” فإنه لم يعرّج على هذه النقطة بتاتا وإنّما اكتفى بالتنبيه إلى أنّ الفهم الصحيح لإرادة القوّة عند نيتشه هو “أن يريد المرء نفسه أعظم” وليست إرادة القوّة هي إرادة امتلاك إلاّ بصورة غير مباشرة. ثمّ لرفع أيّ التباس، فهو يعارض أيّ محاولة تقريب لفلسفة إرادة القوّة من الفاشية والنازية، لأنّ « نيتشه مبرّأ بالكامل من أيّ ذنب على هذا الصعيد»، ومع ذلك « فهو لا يزال يعاني السمعة السيّئة التي أُلصقت به في هذا الشأن25». ما السبب في ذلك يا ترى؟ ولِمَ ألصقت به هذه التهمة دون غيره؟ هذه المماحكة السيئة، كما يسمّيها سوفرين، يمكن ختمها نهائيا حسب زعمه بإيراد السطور المحدّدة التي كتبها توماس مان: «إنّ الفاشية، هذا الفخّ المنصوب للجماهير، وأسوأ شكل من أشكال الديماغوجية وإذلال الثقافة أنتجه التاريخ، غريبة بعمق عن روح ذلك الذي كان كلّ شيء يدور بالنسبة إليه حول السؤال “أيّ شيء هو نبيل؟”26». انتهى كلام توماس مانّ. سوفرين يضيف: « أكثر من ذلك تبدو الفاشية بالضبط كأحد وجوه الإنسان الأخير الذي يخشى نيتشه مجيئه». ثم يعود لمانّ كي يختم المسألة نهائيا لصالح نيتشه: « ليس نيتشه هو الذي صنع الفاشية، بل الفاشية هي التي صنعت نيتشه … إنّ نيتشه الغريب بشكل جوهريّ عن السياسة والبريء روحيا، حَدَس في فلسفة القوة لديه، مثل جهاز تسجيل وإرسال شديد الحساسية، بصعود الإمبريالية، وأعلن للغرب، على غرار إبرة هزازة، مجيء الحقبة الفاشية27». إذا تركنا جانبا التشبيه الإلكتروني لمانّ، فإنّه خاطئ ومضلّل للغاية القول بأنّ نيتشه كان في غربة عن السياسة، بل إنّ أقوال مان متناقضة. فعلا، كيف يمكن لشخص أن يكون جهاز تسجيل ذا حساسية عالية متنبّئا بصعود الإمبريالية ومتحسّسا مجيء النازية وهو غريب بشكل جوهريّ عن السياسة؟

أعود إلى نصائح نيتشه وكيفية معالجته للقضية الاجتماعية: من بين الحلول المقترحة، كما رأينا أعلاه، منع تكاثر الزائدين عن اللزوم، والقضاء على كلّ من هو غير قادر على التأقلم مع العالم المحيط. هناك حلّ آخر، حلّ استباقيّ، يتمثّل في القضاء على كلّ من لم يولد في الوقت المناسب، أو من به عاهة تجعله منافيا للمجرى الطبيعيّ للحياة: « الكثير من الناس يموت في وقت متأخّر، والبعض يموت قبل الأوان. والحكمة القائلة “لتمت في الوقت المناسب” مازالت تبدو غريبة. لتمت في الوقت المناسب هكذا يعلّم زرادشت». السؤال هو: «كيف يمكن لمن لم يعش في الوقت المناسب أن يموت في الوقت المناسب؟». جواب نيتشه ـ زرادشت: «ليته لم يولد أصلا! هكذا أنصح الفائضين عن اللزوم … الكثير من الفائضين عن اللزوم يعيشون ويتشبّثون بأغصانهم أطول مما ينبغي. فليكن إعصار يهبّ عليها وينفض عن الشجرة كلّ هذه الثمار المتعفّنة التي ينخرها الدود! ليأت الداعون إلى الموت السريع! وسيكونون الإعصار واليد التي ترجّ لي شجرة الحياة غير أنّني لا أسمع من حولي سوى من يَعِظون بالموت البطيء والصبر على كلّ ما هو دنيويّ. تعظون بالصبر على الدنيويّ؟ بل إنّ هذا الدنيويّ هو الذي يُظهر أكثر مما ينبغي من الصبر تجاهكم، أيتها الأشداق الناطقة بالتجديف!28».

أليست هذه بالقسوة في أبشع معانيها؟ أليست الشناعة بعينها التي تتكلّم هنا؟ كلا، يردّ زرادشت «ما يكون في طور السقوط، على المرء أن يساعده بدفعه! … والذي لا تُعلّمونه الطيران، لِتُعلّموه إذن ـ كيف يهوي بأكثر سرعة29». (هذه القولة الأخيرة كان يردّدها الوزير النازي غوبلس (Goebbels)، الذي يتباهى بمطالعته نيتشه حتى وقت متأخر من الليل).

لكنّ الأمر المثير والجارح أنّ بعد شحنة القسوة هذه، وبعد النصح بتطهير المجتمع من المرضى والقاصرين والفقراء، يأتينا أتباع نيتشه ومؤوّلوه المحدثون، لكي يعلمونا بأنّ زرادشت هو أعظم كتاب فلسفيّ على الإطلاق، وبأنه يحتوي عصارة الفكر الغربي على مدى تاريخه، وأشياء من هذا القبيل. أحد النيتشويين الإيطاليين كتب ما يلي: « كلّ زرادشت هو نشيد للعظمة وفي نفس الوقت أيضا تمظهرها في العالم، “تاريخها المثاليّ الخالد” المنقوش على مسارها الأرضي المتعثّر وتمثيل الشهادة التي تحوم على من يسير وحيدا في نهجها». ليس هذا فقط بل إنّ زرادشت، وبالتحديد في علاقاته بالكتب المقدّسة « موقعه بحذاء وضدّ الأناجيل المسيحية التي، على العكس من ذلك، تمثل بشارة وتمظهرا للإلهي النازل إلى الأرض». وإن لم يُصَب القارئ بالدوار فهذه معلومة أخرى بخصوص جوهر كتاب زرادشت: « إن التوازي بين زرادشت والمسيح، على أساس تشابهات واختلافات لكلامهما وأفعالهما في ظروف مماثلة، هو أحيانا مبهر30».

لكن في حقيقة الأمر هذا شبح زرادشت، وبالتالي شبح نيتشه أيضا، لأننا إذا ما عدنا بكلّ جدية إلى نيتشه الحقيقيّ، فسنرى أشياء مخالفة جدّا لهذا الوصف الزاهر المتحمّس، أشياء مرعبة وكارثية حقّا: العالم الحديث بكلّ التحولات التي طرأت عليه والتحرّكات الاجتماعية الجديدة المنذرة بالانهيار، أصبح عالما خطيرا لا يُطاق. إنّه وادي دموع، يشعر فيه المرء بعدم القدرة على تقبّل وجوده اليوميّ بما يحمله من بؤس وشقاء. ما الحلّ إذن؟ يجب الخروج من هذه الورطة، يجب نفي الحياة بالكامل: الانتحار. فعلا، ألم تكن هذه هي الحالة السائدة في العصور القديمة؟ والأمر، حسب نيتشه، يجب أن يكون كذلك في العهد الحديث: لكن حينما تينع الظروف لتحقيق هذا الهدف (استدراج الضعفاء بجميع أصنافهم إلى الانتحار) تبزغ دائما قوّة من الأسفل لكي تعرقل بلوغه. إنّهم العبيد والإيديولوجيا الثاوية وراءهم (المسيحية، الاشتراكية)، أولئك الذين هم أكثر مناقضة للحياة، ويُمسِكون أرواحهم في منتصف الطريق «لا يمكن إدانة المسيحية بما فيه الكفاية لأجل تحقيرها، عن طريق فكرة خلود النفس، من حركة عدمية تطهيرية من هذا القبيل، حركة ربّما كانت سائرة حثيثا، حقرت منها بفكرة خلود شخصيّ ـ فرديّ، ـ وبالجملة بإلهائه عن الفعل العدمي (der That des Nihilismus)، يعني الانتحار (Selbstmord) … الذي عوّضته بالانتحار البطيء31». نيتشه يحنق على المسيحية لا لأنّها أشعلت فتيل الحروب أو لأنها دمّرت العقلانية اليونانية، أو اضطهدت العلماء، لا أبدا. المسيحية لعبت دورا مخرّبا فقط لأنّها «عوضا عن أن تشجّع على الموت وعلى الانعدام الذاتي (Selbstvernichtung) فهي ترفق بكلّ الفاشلين والمرضى وتتركهم يتكاثرون32». المهمّة المستقبلية التي تنتظر الحضارة المبشّر بها هي تجاوز هذا الحاجز الدينيّ والتخلص من الموانع الأخلاقية التي تشجب الانتحار، الذي من المفروض أن يكون المآل الأخير للفاشلين والتعساء. ومن هنا ينبغي تبنّي الديانة البوذية، أو تكييفها مع متطلّبات الظروف الحالية كي يغدو الانتحار مشروعا ومبرَّرا: « هذا هو الشكل الأوروبيّ للبوذية: الفعل السلبيّ (das Nein-thun) بعد أن فقد كل الوجود من معناه33».

نيتشه لا يكفّ عن إدانة الأخلاق، وخصوصا الأخلاق القديمة، والسبب دائما هو واحد: حماية الفاشلين، العطف على الضعفاء، أو بلغته الجديدة، حمايتهم من العدمية: «الأخلاق تحمي الفاشلين من العدمية [الجذرية وفي ذاتها] بإعطائها كلّ واحد قيمة لامتناهية، قيمة ميتافيزيقية […] فلنفترض بأن الاعتقاد في هذه الأخلاق ذهب إلى الجحيم، الفاشلون لن يبقى لديهم عزاء ويذهبون إلى الجحيم. الذهاب إلى الجحيم يتقدم كحُكم بالإعدام الذاتي […] أعراض هذا التدمير الذاتي للفاشلين: التشريح الذاتي، التسمّم، الإدمان على شرب الكحول، الرومنطيقية، وخصوصا غريزة تقوية شوكة أعدائه الشرسين (كما لو أنه يربّي جلاديه)، إرادة التدمير كإرادة غريزة أعمق، غريزة التحطيم الذاتي، إرادة الإنعدام34».

هذه هي روح العدمية التي نادى بها نيتشه، عدمية حقيقية فيزيائية وليست العدمية التي تحدّث عنها هايدغر ويواصل أتباعه التحدّث عنها. لا دخل هنا للميتافيزيقا أو الأنطولوجيا أو تجاوز مركزية الذات وغيرها من استيهامات المؤوّلين المحدثين. العدمية هي هنا الانعدام الفيزيائي الذي لا يمكن لنيتشه إلاّ أن يباركه لأنّه يُوفّر على المجتمع أتعاب الاعتناء بتلك الكائنات التي من الأحسن لها أن لم تولد، وإذا ولدت أن تُسارع إلى الموت.

{{الهوامش}}

[1] ف. نيتشه، الدولة اليونانية ـ خمس مقدمات لخمسة كتب لم تُكتب بعد، ضمن الأعمال الكاملة، ج. 1، ص، 765 ـ 766.

[2] ف. نيتشه، عدوّ المسيح، الأعمال الكاملة، ج. 6، ص، 244.

[3] ف. نيتشه، الأعمال الكاملة 3، ص، 183.

[4] ن. م، ص، 184.

[5] ن. م، ن. ص.

[6] F. NIETZSCHE, Nachlaß 1880 – 1882, Bd, 9, p. 249.

[7] Ibidem.

[8] Ibidem.

[9] F. NIETZSCHE, Nachlaß 1887 – 1889, Bd, 13, p. 73-74. „ Die Revolte des „Leidenden“ gegen Gott, Gesellschaft, Natur, Vorfahren, Erziehung imaginirt Verantwortlichkeiten und Willensformen, die es gar nicht giebt. Man soll nicht von einem Unterrecht reden in Fällen, wo gar keine Vorbedingungen für Recht und Unrecht das sind“

[10] F. AUGUST von HAYEK, Law, Legislation and Liberty, 1982, trad. It, Legge, Legislazione e libertà, EST, Milano 2000, p. 304.

انظر د. لوسوردو، هيجل، ماركس والتراث الليبرالي، روما 1988.

D. LOSURDO, Hegel, Marx e la tradizione liberale, Editori Riuniti, Roma 1988, p. 177.

[11] فون هايك، مبادئ السياسة، الترجمة الإيطالية، ذكره لوسوردو، م. س، ن. ص.

[12] العلم المرح، 335.

[13] هذا هو الإنسان، “لماذا أنا على هذا القدر من الذكاء”، 2.

[14] هذا هو الإنسان، “لماذا أنا على هذا القدر من الذكاء”، 10.

[15] العلم المرح، 134.

[16] ن. م.

[17] هكذا تكلم زرادشت، “عن الزواج والولد”.

[18] الشذرات، الأعمال الكاملة، ج. 9، ص، 514.

[19] F. NIETZSCHE, Nachlaß 1887 – 1889, Bd. XIII, p. 495. „Vortheile aller Art für Väter, welche reichlich Knaben in die Welt setzen: unter Umständen eine Mehrheit von Stimmen ein ärtzliches Protokoll, jeder Ehe vorangehend und von Gemeinde-Vorständen unterzeichnet: worin mehrere bestimme Fragen seintens der Vorlobten und der Ärtze beantworten sein müssen“

[20] F. NIETZSCHE, Nachlaß 1885-1887, Bd. XII, p. 479. Bd, XIII, pp. 401-402.

[21] هكذا تكلم زرادشت، “عن دعاة الموت”.

[22] ف. نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، “أهل الشفقة”

[23] S. GIAMMETTA, Commento allo Zarathustra, Bruno Mondadori, 1996, p. 31.

[24] S. GIAMMETTA, Commento, ibidem.

[25] بيار هوبير سوفرين، زرادشت نيتشه، ترجمة أسامة الحاج، مجد، بيروت ـ لبنان 2002، ص، 78.

[26] ن. م، ص، 78 ـ 79.

[27] توماس مان، دراسات حول غوته، ونيتشه، ويوسف وإخوته، ترجمة ب. جاكوتييه، لوزان، ميرمود، 1949، ص، 114. أورده، سوفرين، م. س، ص، 79.

[28] هكذا تكلم زرادشت، “عن الموت اختيارا”.

[29] هكذا تكلم زرادشت، “عن الألواح القديمة والألواح الجديدة”، 20.

[30] س. جاميتا، نيتشه: الشاعر، الأخلاقي، الفيلسوف. محاولة في “هكذا تكلم زرادشت”، ميلانو 1991.

S. GIAMMETTA, Nietzsche. Il poeta, il moralista, il filosofo. Saggio su “Così parlò Zarathustra”, Garzanti, Milano 1991, p. 51.

[31] F. NIETZSCHE, Nachlaß 1887- 1889, in Werke, Bd. 13, p. 22. „Man kann das Christenthum nicht genug verurteilen, weil es den Werth einer solchen reinigenden großen Nihilismus-Bewegung, wie sie vielleicht in Gange war, durch den Gedanken der unsterblichen Privat-Person entwerthet hat: insgleichen durch die Hoffnung auf Auferstehung: kurz, immer durch ein Abhalten von der That des Nihilismus, dem Selbstmord … Es substituierte den langsamen Selbstmord“

[32] Ibidem. „ wie die des Christenthums: deutlicher, der Kirche: welche, statt zum Tode und zur Selbstvernichtung zu ermuthigen, alles mißrathene und Kranke schützt und sich selbst fortpflanzen macht“

[33] F. NIETZSCHE, Nachlaß 1885-1887, Bd. 12, p. 216. „Dies ist die europäische Form des Budhismus, das Nein-thun, nachdem alles Dasein seinen „Sinn“ verloren hat“

[34] Ibid, p. 215. „Die Moral behütete die Schlechweggekommen vor Nihilismus, indem sie Jedem einen unendlich Werth, einen metaphysichen Werth beimaß und in eine Ordnung einreithe, die mit der der weltlichen Macht und Rangordnung nicht stimmt: sie lehrte Ergebung, Demuth usw. Gesetzt, daß der Glaube an diese Moral zu Grunde geht, so würde die Schlechtweggekommen ihren Trost nicht mehr haben – und zu Grund gehen. Das zu-Grund-Gehen präsentirt sich als ein – Sich-zu-Grund-richten, als ein instinktives Auslesen dessen, was zerstören muß. Symptome dieser Selbstzerstörung der Schlechweggekommen: die selbstvivisektion, die Vergiftung…. “

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This