في الثقافة الدينيّة اليهوديّة

{{المدراش الأول: موت موسى}}

في كتابنا المختصر، مدخل إلى مشروع الدين المقارن ( دار الأولى2002) ، أشرنا إلى أمثلة حول نصوص في صحيح البخاري مستمدّة حرفيّاً من التراث اليهوديّ ما بعد التوراتيّ. وتوقّفنا عند مدراش موت موسى أو بالعبريّة מדרש פטירת משה. وكانت تلك المرّة الأولى ربّما التي يشار فيها إلى هذا المدراش الهامّ باللغة العربيّة. مع ملاحظة أنّ هذا النصّ والمدراش الذي سنستعرضه باختصار بعده، قانونيان يهوديّاً بالكامل، بعكس نصّ عهد موسى الذي يعتبر أبوكريفا. فما هو مدراش موت موسى هذا؟

مدراش بطيرات موشيه (موت موسى) هو واحد من المدراشيم ( ج. مدراش ) التي تحمل اسم المدراشيم الصغيرة. وفيه نجد وصفاً بتفاصيل دقيقة لآخر أفعال موسى وموته، حيث كان الله والملائكة حاضرين. هنالك نصوص عديدة منقّحة لهذا المدراش، تتراوح تواريخها بين القرنين السابع والحادي عشر للميلاد. نشر موت موسى للمرّة الأولى في القسطنطينيّة عام 1516 ( يمكن أن نجده في مجموعة أدولف يلنيك، بيت ها مدراش، ص ص. 115-129 ). يبدأ النص بتفسير مختصر يقدّمه الحاخام صموئيل نحماني والحاخام تنحوما، وهو أهمّ هاغادي بين الجيل الخامس من الأمورائيم الفلسطينيين، للآية الأولى لمقطع ف-زوت ها بيراكاه [ وهذه هي البركة ]، أي الاصحاح 33 الآية 1 من سفر التثنية، حتى الآية الأخيرة من الإصحاح الأخير، 34؛ ودون أدنى شكّ الإعداد لسمحات توراه، وهو الاحتفال الذي يقام في ذكرى انتهاء القراءة العمومية للتوراة، والبدء بقراءة عمومية جديدة.

النص في سفر التثنية لا يخلو من مشاكل. فقصيدة موسى الموجودة في الإصحاح 33، هي على الأرجح مضافة بين إعلان وفاة النبيّ المفترض ورواية وفاته. هذه القصيدة هي وصيّته، مثلما أنّ القصيدة في سفر التكوين 49 هي وصيّة يعقوب. تذكر الآيات هنا أقوالاً وأمثالاً عن الأسباط لا شكّ أنّها منفصلة تاريخيّاً بعضها عن بعض، كما أنّها تعكس صورة أحوال تاريخيّة يصعب تقديرها، وقد لا تنتمي إلى الحقبة التاريخيّة ذاتها. هذه الأقوال تفترض أنّ الأسباط كانت قد استقرّت في أراضيها التاريخيّة النهائيّة، وأنّ لبعضها تاريخاً طويلاً (رأوبين ودان، مع العلم أنّ شمعون أهمل لأنّه دمج مع يهوذا).

{{مضمون المدراش:}}

كما سبق وقلنا، فالمحتوى الفعليّ لهذا المدراش هو معالجة أغاديّة لما ورد في الآيات المشار إليها من التثنية. يلحق بها تفسير آخر للإصحاح الثالث، الآية 23 وما بعد من السفر ذاته. إضافة إلى حوار مطوّل بين الله وموسى، حيث يقدّم الأخير بأنّه غير راغب بالموت. وفي كتابنا المشار إليه آنفاً، تحدّثنا كيف ضرب موسى ملك الموت على عينه فأتلفها، فلم يعد ملك الموت يظهر لمن يرغب بأخذ نفسه، لأنّ موسى شوّهه. والقصّة بشكل أو بآخر موجودة عند المسلمين. لكنّ كلّ دموع موسى وتوسّلاته تذهب هباء، لأنّ الله أمر كلّ أمراء السماء بإغلاق بوابات الصلاة.

في أواخر أيامه، حتى السابع من شهر آذار العبرانيّ، كان موسى يفسّر التوراة لبني إسرائيل؛ ويوم موته، كما يقول الحاخام هلبو، كتب موسى ثلاث عشرة توراة، إثنتا عشرة واحدة منها للأسباط الإثني عشر، والأفضل كانت لتابوت العهد؛ يقول بعضهم إنّ الملك جبريل نزل وأخذ التوراة من يدي موسى، حاملاً إيّاها من سماء إلى سماء كي يظهر تقوى كاتبها، وأنّ أنفس المقدّسين تقرأ من هذه التوراة أيام الإثنين والخميس من كلّ أسبوع ( نلاحظ هنا هذين اليومين عند المسلمين أيضاً)، إضافة إلى الأعياد. يعقب هذا فصل طويل يبدأ بوصف الحاخام يوسيا للمجد الذي أحاط به موسى يشوع بن نون، والخدمة التي أدّاها في آخر أيام حياته.

بعد هذا الوصف لانتهاء حياة موسى، يطلق صوت سماوي (بات قول) تحذيراً مع تأكيد متزايد على الساعات، بل الثواني، التي بقيت له. هذا التعداد للساعات والصيغة التقليديّة للبات قول יצתה בת קול ضروريّ لتحديد اعتماديّة إضافات في التثنية راباه ( الإصحاح 11 ) والتحرير الثاني على النسخة الأصليّة.

منذ بدايات المدراش نجد ذكراً للملاكين جبريل وزانغازيل، ” كاتب كلّ أبناء السماء “؛ لكن في الساعات الأخيرة من حياة موسى، نجد أنّ سامائيل (راجع نصوصنا حول بار يوحاي)، رئيس الشياطين، هو الأوضح فعالية حيث يراقب خروج النفس، في حين ينتحب ميخائيل وينوح. في النهاية يؤمر سامائيل بإحضار نفس موسى، لكنه يفرّ خائفاً أمام نظراته. يظهر من جديد وهو يحمل سيفاً مسلولاً أمام موسى، لكن عليه أن ينحني أمام الشيم ها-مفورا (اسم آخر ليهوه من زمن التنايم)، المنقوشة على عصا قائد بني إسرائيل. لكنّ اللحظة الأخيرة تقترب، ويظهر الله ذاته لتسلّم نفس موسى. يرافق الله ثلاثة ملائكة أبرار لتحضير مكان راحة نفس موسى، الذي تؤخذ نفسه أخيراً عبر قبلة الموت.

{{المدراش الثاني: تاريخ موسى}}

تاريخ موسى أو بالعبريّة كلمات أيام موسى דברי הימים של משה هو أيضاً واحد من المدراشيم الصغيرة. في هذا المدراش، المكتوب باللغة العبريّة النقيّة، والذي يبدو في العديد من أقسامه إنّما يمدّنا بمجرّد إشارات إلى آيات من التوراة مقلّداً بذلك على نحو دقيق أسلوب الكتابة التوراتيّة، نجد تأريخاً لحياة موسى المزيّنة بأساطير كثيرة.

تبدو هذه الأساطير قديمة جدّاً، لأننا نجد أساطير مشابهة أو الأساطير ذاتها عند يوسيفوس (عاديات، 2، 9، §§ 2 وما بعد)؛ مثل قصص نبوءات أحد الحكماء للملك حول ولادة طفل سيقضي يوماً على سلطان المصريين (في المدراش يحلّ الحلم محلّ النبوءة؛ قارن هنا أيضاً الترغوم الأورشليمي لسفر الخروج 15:1 ). وبناء على هذه النبوءة يأمر الملك برمي كلّ ذكور الإسرائيليين في النهر؛ قصّة التاج الذي يضعه الملك على رأس موسى، فيرميه موسى على الأرض ( في المدراش يقال إنّ موسى هو الذي أخذ التاج من على رأس الملك)؛ قصّة موسى الذي يقود بني إسرائيل في حربهم ضدّ الأثيوبيين، واستخدامه لطائر أبي منجل في محاربة الأفاعي التي جعلت الطريق عليه خطرة، ووقوع ابنة الملك في حبّه (يقول المدراش إنّ موسى يدخل معسكر الملك الأثيوبي قيقنوس קיקנוס ، الذي يتزوّج في أعقاب موته أرملته، ويتغلّب على أخطار الأفاعي، ويأخذ المدينة التي ضرب حولها الحصار زمناً طويلاً ).

بحسب آ. يلنيك ( بيت ها مدراش، 2، ص 8)، فإنّ حياة موسى تمّ تناولها أصلاً بالتفصيل في تاريخ استخدم مصادر أكثر قدماً. وقد دُمج هذا العمل في مجموعة معروفة من الأساطير بعنوان سفرها يشار ومن هذا أخذ اليلقوط خلاصات تتوافق مع السفر ها يشار ولا تمثّل تاريخ موسى. في زمن لاحق تمّ تحرير أقصر لنسخة أقدم من التاريخ، وهذا التحرير هو الموجود بين يدينا اليوم.

يرجّح شتراك وشتمبرغر ( 1991 ) أنّ تاريخ العمل هو إمّا القرن العاشر أو الحادي عشر للميلاد. وقد نشر في القسطنطينيّة عام 1516، وفي البندقيّة عام 1564، وفي غيرهما من المدن؛ ثمّ أعاد يلنيك طبع العمل في البيت ها مدراش. أخذ مؤلّف المدراش وافوشا مقاطع من هذا التاريخ، كما كان أحد مصادر الشيموت راباه؛ كذلك استشهد به في الأروك ابن عزرا (الذي يرفضه على أساس أنه منحول) على خروج 22:2، وكذلك يستشهد به صموئيل بن مئير في سفر الأعداد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This