“الغنّاية” التونسيّة

“الغنّاية” في بعض لهجات تونس تعني المُغنّية التي كانت ناشطة في كلّ القرى التونسية، يذيع صيتها وتُشتهر بجمالها وأناقتها وصوتها العذب، وروحها الخفيفة، وجدّتي من بينهنّ.

لم تعد الحاجة إليها ملحّة فللأفراح وللأعراس في تونس فلسفة أخرى ومغنّيات أخريات يملأن البيوت العربيّة كما ملأن شاشاته التلفزيونية، أقصد المغنّيات الشهيرات اللواتي لا يغبن على أحد واللواتي لا يفرحنني شخصيّا. أمّا من تبقى من “الغنّايات” فهنّ مشدوهات أمام الشاشات لا ينبسن بـ “نون” بناء على أن “النون” من أكثر الحروف غنّة على حدّ قول الخليل، أما “خنّة” الشهيرات محييات أعراس العرب قاطبة على ما أعتقد بواسطة وسائل الأفراح الجديدة فجلّ أغانيهن لا تحمل في فحواها ولو من بعيد معاني تخصّ العرس أو الفرح.

الظاهر أن “الغنايات” القديمات في عدة مناطق من تونس والصّامتات الآن وفيّات لمادّة (غ-ن-ن) في لسان العرب أكثر من غيرهنّ، فغنائهن يرتكز على حرف “النون” وذلك بتكراره عديد المرّات في الكلمة الواحدة، على سبيل المثال أغنية أعراس تغنيها المرأة عندما ترى موكب العريس القادم من بعيد، مطلعها: “الفزعة طلّت الحنّة والعود مخلّط” (الجماعة هلت حاملة معها الحنّاء و”العود” الذي هو عبارة عن بذور القرنفل ذات الرائحة الطيّبة).

في غناء هذا المطلع تعمد “الغنّاية” في غنائها وهي تحيط شفتيها بيديها-لإحداث شيئا من الصّدى- إلى تسريب نون الغنّة ليصبح تقريبا:
“الفنزعة طلت والحناء والعنود مخلّنط”. ذلك لأن الغنّة صوت له رنين “النون” أو “الميم” على مستوى الخيشوم. (مادة غ-ن-ن في لسان العرب).

صوت نسويّ يعبق بالفرحة وبالبساطة والعمق، فرح حقيقيّ يحمل طقوس وعادات تلك القرى والمدن، شبيهات “الغنايات” في الشمال التونسي “الحنّانات” في ساحل البلاد وهن نساء مختصّات في وضع الحنّاء للعروس إلا أنهن لا يتردّدن لحظة واحدة على الغناء في حضرتها لليال طوال أغنيات مليئة بحكايات السّاحل البحريّة المرفّهة.

“غناياتنا” يردّدن في أغانيهنّ التضاريس المحيطة بهنّ، والعادات التي يحفظن تفاصيلها، والأفراح التي يملكن ناصية مراحلها. مثّلن لحقب طويلة متوسّط الدائرة النسويّة في دور الأعراس، يُنصت لترنّمهن وحكاياتهنّ. مبدعات يصل الأمر بهنّ إلى تأليف أغنية فرح لكل دار وهي أغنية تذكر اسم العروس وتصفها على شاكلة النسيب في القصيدة العربيّة القديمة، دون نسيان ذواتهنّ التي تتسرّب في الأغنية بصفة هادئة ومحتشمة.

يقال للغناية حين يريدونها أن تغني “هزي بالصوت” ولعلّ ذلك يذكّرنا بكتاب الأغاني للأصفهاني، إذ تصبح عبارة “صوت” تعني”أغنية” أو جزءا منها. صوتها الطبيعيّ المتخلّص من كلّ التحسينات المنطلق مباشرة من الحنجرة إلى الفضاء يعطي للفرحة صبغتها العفويّة، غناء على السجيّة من العمق الشعبيّ ينتج فرحا عميقا وعلى السجيّة لا يشوبه تصنّع. من تلك الأغنيات ما اخترق حدود القرية الصغيرة ليلتحق بالإرث الفلكلوريّ للبلاد، وهي أغان لا تزال صامدة في تقافز تلك “الأشياء” الجديدة الصّاخبة التي لا يهنأ لها حرف ولا معنى ممّ يعطي للفرحة معنى من معاني الجنون الجسديّ لا الرّوحي إن صحّت العبارة. لأنه وأنت تقارن بين ساحتي عرس بالأولى “غناية” وصاحباتها المردّدات، وبالثانية الأغاني الصاخبة التي لا تخفى على الجميع، ترى في الأولى فرحا هادئا وعميقا، يتمّ عبر عملية تقبل رصينة تلوّنها الذكريات ناهيك عن القواسم المشتركة التي تعطي لكل فرد في تلك الساحة قيمته وتغذّي خصوصيته. أما في الثانية فلا تسل، تعرّق وصخب وعصاب وسطحيّة مريرة مقارنة بمستوى مفهوم العرس العائدة جذوره إلى أولى لحظات تكوّن الحضارة والعمارة وقيمته الوجوديّة والاجتماعيّة. “غنّاياتنا” قادرات على تفجير الأشياء البسيطة والمعتادة والذهاب بها إلى أبعد، ففي أغنية شهيرة في الشمال الغربيّ التونسيّ، تلتجئ “الغناية” إلى مخاطبة “الخلالة” وهي آلة تستخدم في دق الصّوف وبذلك هي تحدث إيقاعا منظّما ورتيبا، ربّما من ذاك الملل بالذات تنسج النساجة أغنيتها قائلة:
“خلالة رنّي/ البلاد بعيدة/ والوحش قتلني”. دون نسيان النون المحشورة بين الحروف من أجل الغنّة والتطويل وربّما لإضفاء بعض الغموض على الخطاب الفاضح في أجواء تقليديّة لا تسمح للمرأة للتعبير على نفسها، لم لا؟.

الملاحظ أن هذه “النون” تتكثف أكثر كلّما كانت الأغنية النسويّة مطنبة في الشكوى العاطفيّة أو كلما اقتربت من إباحية ما، في أغنية من جنوب تونس هذه المرّة معروفة ومتبادلة، تذكر فيها الجمل قائلة:
الجمل يهدّر/ يا خالقي يا مولاي/ هاي يا يُمّه الجمل يهدّر/ هيّا نركبو الاثنان والا حدّر.
تطلب المرأة هنا من حبيبها أن يشاركها ركوب الجمل، لذلك لا نستطيع إحصاء “النون” المنزرعة بين كلّ حرفين تقريبا في حالة الغناء، هل هو تردّد في القول من فرط الحياء من جهة الذي يبلغ ذروته في الجنوب التونسيّ ومن فرط العاطفة الجياشة التي تلمّ بها هنا، كما تفعل امرأة بين نارين؟.

يُزيّن الصوت الطليق بزغرودة مردّدة لحرف “الرّاء”، الحرف الأكثر وضوحا في خروجه وسهولة وقوّة كما يؤكّد على ذلك “سبويه” في “الكتاب” ضمن باب الرّاء. ليضيف :”والرّاء إذا تكلّمت بها خرجت كأنها مضاعفة”. فما الزغرودة سواء راءات مضاعفة تنطلق إذا ما وصلت الأغنية أوج قوّتها وقوّة تفاعل المستمع معها. الزغرودة صرخة المرأة المزيّنة والغامضة التي تطلقها للتعبير علنا على الفرح، ارتكازا على بعض “الصواتم” المخبولة، شبيهة التي يطلقها الهنديّ الأحمر في أفراحه وحروبه. فما الزغرودة في تونس سوى راءات متتالية تنتهي عند انتهاء النفَس بياء مدّ أو بـ”شين” في بعض المناطق الأخرى.
الغنّاية التونسيّة في قرى “الكاف” أو “سليانة” في الشمال الغربيّ وهي متزيّنة ببعض الكحل في العين وبوشمين صغيرين على الخدين وملاءة زاهية اللون “تهزّ بصوتها” في إحدى الدور لتكون برعما يتجمّع حوله أناس يحسنون الفرح والتقبّل.
الرّجال القابعون بعد مسافة ينشدّون من أول الليل إلى آخره لأصوات النسوة المغنيات/الغنّايات دون أن تكون الحاجة ماسّة لحضور أجسادهنّ، إنه الصوت لا غير بمعانيه وتقلباته وما ينطوي عليه من كلام بطل السهرات لليال عديدة، أيّ قوة خارقة كانت “لغناياتنا” وأيّ ثقافة حتى يملكن الألباب كل ذاك الوقت دون تدخل تقنيّ وغيره. الغنّاية المتعدّدة المواهب حتى أنها هي من تدفّئ الليالي الباردة بحكاياتها العجيبة في الشتاء، كنت لا أفارق جدّتي رغم التلفاز وهي تكرّر لي الحكاية ألف مرّة، فلها قدرة على شدّي وأنا أحفظ الحكاية عن ظهر قلب.

نسمع الآن في تونس أغاني الجدات “الغنايات” مشوهة ومفرغة من عمقها إلا ما ندر، إذ لم يقدر مكررها الفنّان الذي على الشاشة أو على الموجة سوى على توقيعها إيقاعا صاخبا تحت شعار عصرنتها أو تهذيبها بلا رؤية وبلا عمق. ودون الانتباه إلى معاني ذاك الكلام الذي مثّل ملاذ المرأة لسنين ووسيلة تعبيرها النقيّة يتمّ الرقص عليها خبط عشواء حتى وإن كانت الأغنية تصف ألم غنّايتنا الصامتة الآن إلا نادرا هنا وهناك من أصقاع أرياف تونس التي لا تزال تحافظ على بعض من ذاك الفرح البسيط، العميق والحقيقيّ.

{{صلاح بن عياد: شـاعر تونسي}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This