“الإسلام بين الرسالة والتاريخ” لعبد المجيد الشرفي

يستمرّ الإسلام، نصّاً دينياً وأحكاما فقهية وممارسة ملتبسة بين تبرير العنف ورفضه، موضع جدال ومحور دراسات وأبحاث لدى الباحثين والعلماء. يكتسب الأمر أهميته من الدور السياسي الذي تحتله الحركات الإسلامية في الحياة السياسية للمجتمعات العربية والإسلامية، وهو دور يثير الكثير من الإشكالات والتساؤلات عن موقع النص الديني في تبرير العنف الإرهابي لهذه الحركات، مقابل نقاش من مفكّرين إسلاميين يسعون إلى التمييز في الإسلام بين مضمون الرسالة التي أتى بها لهداية البشر وإرشادهم إلى عبادة الله، وهي وجهة تهدف إلى تمييز الروحي والإنساني والأخلاقي في الإسلام، عن الأحكام والاجتهادات التي رافقت الدعوة المحمدية، وكان عليها أن تجيب على جملة مسائل تتصل بالمعاش اليومي وبالقواعد الواجب اتخاذها، وهي اجتهادات ينطبق عليها محدودية الزمان الذي نزلت به والمكان الذي صدرت فيه، مما يعني تجاوز الزمن للكثير منها، ووجوب إخضاع كل اجتهاد إلى مقتضيات الزمن الحاضر.

تشكّل كتابات عبد المجيد الشرفي تراثاً مهمّاً في الفكر الإسلاميّ القديم والحديث، لجهة التمييز بين الإسلام في جوهره الحقيقي وبين التطبيق التاريخي لهذا الدين. يمثل كتابه “الإسلام بين الرسالة والتاريخ” الصادر عن “دار الطليعة” في بيروت، إحدى المساهمات الهامّة في هذا المجال.

يشدّد الشرفي في كلامه على “خصائص الرسالة المحمدية” وعلى الجزم بلاوحدانية الإسلام، سواء كان ذلك في الزمان أو المكان، وقد ترجم ذلك بشعار “الإسلام واحداً ومتعدداً” الذي شكل ميدان دراسات واسعة حول الإسلام. فالإسلام لم ينبع من فراغ في الجزيرة العربية، بل أتى امتدادا طبيعيّا لما عرفته المنطقة من وجود أديان توحيدية تمثّلت في اليهودية والمسيحية، حتى أنّ الدعوة المحمدية قدّمت نفسها بوصفها امتداداً للرسالات التوحيدية السابقة. تحكمت جملة عوامل وتطورات اجتماعية واقتصادية وسياسية في قيام الدعوة وانتشارها، إلاّ أنّ جوهرها الفعليّ ظل قائما على دعوة البشر إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، وتحقيق موقعهم الإنساني على أكمل وجه، والالتزام يقيم أخلاقية وروحية تهدف إلى الارتقاء بهذا الإنسان.

احتلت النظرة إلى الكلام الذي أوحي به إلى الرسول ومسألة اشتماله على اللفظ والمعنى معاً، موقعاً جدالياً لدى المسلمين الذين سعى قسم من علمائهم إلى اعتبار الكلام كلام الله، لكنه في الآن نفسه كلام البشر من حيث انتماؤه “إلى لغة بعينها وصياغتها في ألفاظ وتراكيب يقتضيها معجم تلك اللغة ونحوها”. فالسيوطي سبق له أن أشار إلى أنّ جبريل إنّما نزل بالمعاني، وأنّ الرسول عمد إلى تعليم تلك المعاني والتعبير عنها بلغة العرب، بحيث بدا كلام السيوطي القديم – الحديث أقرب المواقف من المعقولية الحديثة، لأنّه “يحافظ على القرآن في بعده الإلهيّ، وعلى بعده البشري الطبيعي بتاريخيته ونسبيته”. في أيّ حال، شكّلت هذه النقطة محور صراع ديني- سياسيّ منذ العصور الإسلامية الأولى خصوصاً عندما قال المعتزلة “بخلق القرآن”، والتشديد في النصّ الديني على ما توخّاه الأسلوب الذي أتى به الوحي بالتركيز على الرمز والمجاز والإستعارة والإشارة والتلميح وضرب الأمثال.. وهي أمور هدفت إلى تقريب النص من من الفهم والإدراك بما يستوجب العمل بمضمونه.

لكنّ الإسلام، كسائر الأديان والمعتقدات، خضع بموجب التطور والحاجة إلى الشرح والتأويل والتشريع في الوقت نفسه، وإلى تحوّلات في النظر والممارسة، وذلك عندما تحوّل إلى مؤسسة نقلت النص النظريّ إلى حيز التطبيق، مما فرض تكيّف النص وخضوعه إلى مقتضيات الخصوصيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ناهيك بالسياسية، في كلّ مكان دخل اليه الإسلام. هنا تجلّت مقولة الإسلام المتعدّد وفق المكان الذي استوطنه هذا الدين. في مسار مأسسة الإسلام على امتداد التاريخ منذ وفاة الرسول وصولاً إلى الزمن الحاضر، أُدخلت نظريات ومفاهيم باتت تميّز المسلمين عن سائر البشر، مطلقة صفات الشرك والكفر على كلّ من لا يتبع الإسلام. وفي التاريخ، جرى “تحويل مختلف أشكال العبادة إلى طقوس موحّدة لا مجال فيها للاجتهاد الشخصي أو للخروج عن عدد من الأركان الثابتة”، ممّا أدّى إلى طغيان الشكل والمظاهر على جوهر الدين و”روح العبادة وحرارة العاطفة”. وفي سياق التاريخ ومأسسة الدين، تحوّل الإسلام الى مؤسسة قائمة على مجموعة من العقائد الملزمة التي يمتنع على الفرد التشكيك بها أو إنكارها، بحيث باتت عقائد متحجرة مع الزمن، في ظل اجتهادات تشدّد على كون القرآن يحوي الأحكام الواجب تطبيقها حرفياً بصرف النظر عن زمان صدورها ومكان انطلاقتها.

عند قراءة الإسلام في التاريخ، يحتلّ الفقهاء موقعاً مركزياً في الإنتاج الفكري- الديني، فهم نصبوا أنفسهم ناطقين باسم الله، واعتبروا ما يصدر عنهم موازياً لما صدر في النص المقدس، بل فرضوا التعاطي مع نصوصهم بوصفها ذات طابع قدسي، بكل ما يعنيه ذلك من إلزام للمسلم بالخضوع لها، وفرض نوع من “الإرهاب الفكري” على المخالف لها. تدل الشواهد التاريخية على أنّ هؤلاء الفقهاء كانوا يحرصون على تغليب الشكلي في الدين، المتصل بظاهر العبادات والمعاملات، على حساب الدور الأساس المنوط بهم والمتعلق بالهداية وزرع الوازع الديني والأخلاقي والإنساني في البشر. يضاف إلى ذلك مسألة هامّة، لا تزال تلقي بثقلها في الزمن الراهن، وهي المتعلقة بموقع الفقهاء في إنتاج أحكام تراعي المصالح السياسية والاقتصادية للحاكم أو الفئة المتسلطة على وجه الإجمال. هكذا نشأ حلف بين الفقهاء والسلطة السياسية على امتداد التاريخ الإسلامي، كانت الغلبة فيه دوما للسلطة السياسية التي وظفت المؤسسة الفقهية في خدمتها، مع إعطاء حيز لهذه المؤسسة في فرض أحكام على البشر بما يعزز سلطة هؤلاء الفقهاء. إنّ أكثر النتائج خطورة في هذا المجال تجلى في تلك الدعوات التي كان الفقهاء يطلقونها من أجل طاعة الحاكم مهما كان جائراً، وبصرف النظر عن الوسيلة التي وصل بها إلى الحكم، استنادا الى التحذير من الفتنة بين المسلمين إذا ما جرى اختلال في هذا المجال.

إنّ المقارنة بين الرسالة والتاريخ في الإسلام تكتسب كل أهمّيتها في الزمن الحالي، وذلك نظرا للخلط الكبير بين جوهر الدعوة الديني والروحي والإنساني التي تجعل الإنسان المسلم ملتزماً قيماً أخلاقية ترتفع بإنسانيته، وبين حصر الدين في أحكام ومعاملات وقضايا تعود في جوهرها إلى حاجات الإنسان، ولا تقع في صميم الدين، لكنها تحتل اليوم الموقع الرئيسي في تقديم الفقهاء للدين الإسلامي، فتجعل منه دينا يرفض حقوق الإنسان والمساواة بين المواطنين وخصوصاً بين المرأة والرجل، وأكثر من ذلك تصوير هذا الإسلام مشجعاً للعنف والإرهاب، استناداً إلى آيات صدرت خلال نشر الدعوة الإسلامية والحروب التي انخرط فيها المسلمون لنشر دينهم الجديد. وهي آيات تقادمها الزمن ولم تعد صالحة للتطبيق في العصر الراهن. في هذا المجال يحتل كتاب عبد المجيد الشرفي موقعه في التمييز الحاد والقاطع بين الإسلام رسالة هادية للبشر، وبين تطبيقاته التي جرى بموجبها إخضاع الدين للسياسة واستنساب التفسيرات والأحكام بما لا يتلاءم مع جوهر الدعوة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This