الكتابات المنحولة
الكتابات المنحولة Pseudepigrapha ، هي مجموعة من نحو خمس وستين وثيقة لها علاقة بالأسفار المقدسة عند اليهود والمسيحيين، لكنها ليست جزءاً منها، وقد كتبها يهود أو مسيحيون، وكان معظمها من القرون الثلاثة الأولى قبل بداية الحقبة المسيحية والقرنين اللذين جاءا بعد تلك الحقبة. وقد أسميت “كتابات منحولة”، في حالات عديدة لكن ليس كلّ الحالات، لأنّ الشخص الذي تحمل اسمه أو توقيعه ليس هو المؤلّف. وفي زمن يسوع الناصري والحاخام اليهودي هلّيل، كان لدى الشخص المتديّن في اليهوديّة الأولى ( من 250 ق.م. – إلى 200م تقريباً)، مجموعة من الكتابات كانت تعتبر أمثوليّة لكل سمات الحياة. هذه الكتابات كانت الكتاب المقدّس العبراني أو العهد القديم المسيحي. وبحلول القرن الأول للميلاد، كان الاعتقاد بأنّ كلّ الكتابات في هذه المجموعة تعتبر موحاة إلهياً، ومع منتصف القرن الثاني، أغلق على الأسفار التي تعتبر قانونيّة.
كان تأثير العهد القديم قوياً إلى درجة أنّ الكتابات الدينيّة التي كانت معاصرة له كانت على نحو شبه دائم نتاج تفكير وتأمّل في هذه النصوص المقدّسة أو تفسيرا لها؛ وكلّ ما في هذه النصوص من لغات ورموز واستعارات صيغت بطريقة لا تضاهى فعلاً في تاريخ الأفكار. على سبيل المثال، حين يصف مؤلّف عهد يهوذا ( الفصول 3 – 7 ) حروب المكابيين، فهو يشير إليهم بصيغ وأمثولات العهد القديم: يدّعي دان ويهوذا أنّهم من العموريين، ويحاربون ضدّ الكنعانيين. والواقع أنّ العقبة الكبيرة في تحديد تواريخ هذه الكتابات اليهوديّة القديمة إنّما ترجع إلى الميل للحديث عن الحوادث المعاصرة بلغة الكوارث التي مضت؛ على سبيل المثال، تدمير الرومان للقدس عام 70م. يوصف عن طريق نثر وشعر يستعاران من روايات قديمة تصف غزو البابليين للقدس في القرن السادس ق.م. وهكذا فإنّ مؤلف عزرا الرابع ينتحب على غزو روما للقدس بكلمات، تقول: ” هل أفعال أولئك الذين يستوطنون بابل أفضل؟ هل لأجل ذلك سيطرت على صهيون؟ ” ( عزرا الرابع ).
إنّ الوثائق الخمس والستين من كتابات العهد القديم المنحولة، تعزى على الأغلب إلى هذا أو ذاك من آباء العبرانيين. وكما قلنا، كتبها يهود أو مسيحيون خلال القرون الثلاثة التي سبقت الحقبة المسيحية أو أعقبتها. إحدى تلك الكتابات، أحيقار، تسبق تلك الحقبة لكنها مع ذلك تدخل ضمن الكتابات المنحولة بسبب أهميتها في دراسة اليهوديّة القديمة وأصول المسيحيّة. بعض الكتابات ترجع إلى ما بعد عام 200 م. وهي تدخل في النطاق ذاته لأنها تقدّم لنا معلومات قيّمة حول تطوّر التقاليد والدوائر اليهوديّة، بل ربما تحتوي نسخة من وثيقة يهوديّة قديمة ضائعة بشكل أو بآخر، أو تحتفظ لنا بكثير من التقاليد اليهوديّة القديمة. من هنا فإنّ بعض الكتابات في كتابات العهد القديم المنحولة تسبق زمنياً بوضوح دمار القدس عام 70 م.؛ لكنّ بعضها الآخر يرجع حتماً إلى زمن ذلك الحدث المأساوي حتى هزيمة المحارب المسياني شمعون بار كوخبا عام 135؛ نمط ثالث يمكن إرجاعه إلى ما قبل 135 أو 200، حين تم تصنيف المشناه ( التقاليد الشفويّة اليهوديّة )؛ ثمّة كتابات يهوديّة أخرى موجودة فقط في نسخ مسيحية متأخّرة. على المرء أن يكون حريصاً في التمييز، على سبيل المثال، بين سفر مثل اليوبيل، الذي يرجع حتماً إلى القرن الثاني قبل الميلاد، وعمل مثل صعود إشعياء، الذي هو دمج لمجموعة كتابات يهوديّة ومسيحيّة. إن دليلاً لتواريخ كل وثيقة في الكتابات المنحولة، أصلها، وأهميتها لاهوتياً يمكن أن نجده اليوم في الطبعة الجديدة لكتاب جيمس هـ. تشارلزوورث (محرر)، الكتابات المنحولة للعهد القديم، (غاردن سيتي، نيويورك: دوبلدي، 1983)؛ كلّ الشواهد الواردة في هذا النصّ مأخوذة من مجموعة الترجمات هذه.
لا بدّ لنا أن نؤكّد أنّ مصطلح “كتابات منحولة” مستخدم بسبب العادة، والتقليد، والقبول العالمي العريض به. لكنّ هذا المصطلح لا يشير أبداً إلى ما هو من أصل يوناني: “كتابات وكتابات هامشيّة”. لم يعد الباحثون يستخدمون المصطلح بمعناه الإيتمولوجي، مع أنّ كثيراً من الوثائق تعزى على نحو غير صحيح إلى أشخاص مثل اخنوخ، إبراهيم، موسى، سليمان، إيليا، وعزرا (وأحياناً، على الأرجح، من قبل كتبة أكثر تأخراً ).
يمكن ترتيب الوثائق في الكتابات المنحولة وفق أجناس خمسة محدّدة بشكل غير دقيق:
الجنس الأوّل: الأدب الرؤيوي والأعمال ذات الصلة:
تتضمن هذه الفئة تسع عشرة وثيقة؛ هي:
أبوكاليبس أخنوخ الإثيوبيّة ( ترجمنا النص إلى العربيّة ).
أبوكاليبس أخنوخ السلافيّة ( ترجمنا النص إلى العربيّة ).
أبوكاليبس أخنوخ العبرانيّة.
نصوص سيبلين المنزّلة.
رسالة سام.
أبوكريفون حزقيال.
أبوكاليبس صفنيا.
عزرا الرابع.
أبوكاليبس عزرا اليونانيّة.
رؤيا عزرا.
مسائل عزرا.
وحي عزرا.
أبوكاليبس سدراخ.
أبوكاليبس باروخ السريانيّة.
أبوكاليبس باروخ اليونانيّة.
أبوكاليبس إبراهيم.
أبوكاليبس آدم.
أبوكاليبس إيليا.
أبوكاليبس دانيال.
إنّ من أعطى هذه العناوين للوثائق المحفوظة اليوم، على نحو شبه دائم، ضمن مخطوطات من زمن متأخّر، هو إمّا المؤلف أو ناسخ جاء بعده، مع ذلك فإنّ كسرات من هذه المخطوطات من الكتابات المنحولة تمّ اكتشافها ضمن الأدب القمراني (مخطوطات البحر الميت). أصل التسمية أبوكاليبس كلمة يونانية معناها ” الوحي” أو “الكشف “. وهكذا، فهذه الوثائق تحتوي وحياً حول ما يحدث في السماء فوق الأرض أو ما سيحدث في المستقبل القريب. مكاشفات مثل هذه توضّح عادة تصويرياً برؤى وسماعيّات، بل غالباً ما يكون هنالك رحلات في الكون الرحيب يقوم بها أخنوخ أو غيره من المقدّسين في مناطق مخفيّة لا تصل إليها يد كوننا.
وبعد، فإنّ سبب هذه الروايات لاهوتي أكثر منه كوزمولوجياً؛ والاهتمام لا ينصبّ على العالم البعيد أو العصر المستقبلي، بمثل ما هو على تضخيم هذه المكاشفات من أجل خيارات تتمّ في عالمنا الحالي، الأرضيّ. من هنا، فإنّ عنصراً أخلاقياً نجده متضمناً هنا غالباً، وأحياناً نجده صريحاً، كما في سفر أخنوخ الإثيوبي، 1:101: ” اختبروا السماء، يا أبناء السماء، وكلّ أعمال العلي؛ واخشوا فعل الشرّ بحضوره “. وعلى سبيل المثال، نجد في سفر أخنوخ السلافي، 39-66، نوعاً من التأكيد على الأهميّة الأخلاقيّة للفكر الأبوكاليبتي، حيث يعود أخنوخ إلى الأرض ويأمر أولاده بفعل الخير، وفي عهود الآباء الإثني عشر، نجد أبناء يعقوب الإثني عشر يوصي كلّ أبناءه ويحثّهم. كذلك فإنّ واحداً على الأقل من الكتابات الأبوكاليبتيّة يرثي حالة العالم الحاضرة ليس دون تشاؤم؛ لاحظ، على سبيل المثال، عزرا الرابع، 7: 48 – 49:
” يا آدم، ماذا فعلت؟ فرغم انه أنت الذي أخطأت، السقوط لم يكن مناطاً بك وحدك، بل هو سقوطنا نحن أيضاً، الذين انحدرنا من صلبك. فأيّ خير يرتجى لنا، إذا كان العصر الأبدي قد وعدنا به، لكننا نقوم بأفعال تعود علينا بالموت؟ ”
” وسيحدث بعد أن يُنهي كل شيء والذي يكون في العالم، ويجلس بسلام أبدي على عرش الملكوت، عندئذ سوف يحلّ الفرح وتظهر الراحة. وعندئذ سوف تتنزل الصحة نديّة، وسوف يفنى المرض، وسوف يرحل الرعب والدينونة والمراثي عن البشر، وسوف تطوّق السعادة الأرض “.
قد تكون سمات وتواريخ الأعمال الأبوكاليبتية التي أوردت للتوّ مصدرة بإحكام. أخنوخ الأول، وهو أبوكاليبس هامّة متخمة بالمعلومات الإلهيّة حول العالم والتاريخ، ليس غير توليفة يهوديّة؛ إنه تركيبة متراكمة يمتدّ توليفها تاريخياً من القرن الثالث ق.م. إلى القرن الأوّل الميلادي (ربما النصف الأول ). أخنوخ السلافي هو أيضاً أبوكاليبس شهيرة تخترقها التبصّرات بشأن كوننا وبشريتنا، وهو موجود اليوم فقط بالسلافيّة، لكنه على الأرجح مخزن لتقاليد عديدة؛ وربما ترجع أجزاء من النص تاريخيّاً إلى القرن الأوّل أو القرن الثاني.
نصوص سيبلين المنزّلة، التي تتنبّأ بآلام المستقبل وكوارثه، وتضمّ على حدّ سواء كتابات يهوديّة قديمة وأخرى مسيحيّة متأخرة، وترجع تاريخياً من القرن الثاني ق.م. إلى القرن السابع الميلادي. ويبدو أنها عملت كنوع من البروباغندا السياسيّة. رسالة سام توضّح ملامح سنة وفق دائرة البروج ( بيت الزودياك ) التي تبدأ فيها السنة؛ ورغم صعوبة تحديد تاريخ دقيق لها، يظهر أنّ الوثيقة إنما ترجع إلى نهاية القرن الأوّل ق.م. أبوكريفون حزقيال مفقودة، باستثناء شواهد ومقتطفات في كتابات الأب الكنسي إبيفانيوس من القرن الرابع الميلادي والتلمود البابلي على حدّ سواء. يعود تاريخ الوثيقة اليهوديّة الأصليّة إلى زمن بداية الحقبة المسيحيّة تقريباً. أبوكاليبس صفنيا لا توجد في الحفظ إلا أجزاء منها؛ وربما أن العمل اليهودي الأصلي يصف رحلة صفنيا إلى الجنة والنار وقد كتب مع بداية الحقبة المسيحيّة تقريباً.
سفر عزرا الرابع هو عمل يهودي كتب بعد دمار الهيكل عام 70 م؛ قام شخص مسيحيّ متأخر على السفر بتغيير نغمته المتشائمة، عبر إضافة فصلين إلى بداية السفر وفصلين آخرين إلى نهايته. أبوكاليبس عزرا اليونانيّة هي مدوّنات لرؤى للجنة والنار والأعور الدجّال؛ بصيغتها التي بين يدينا، تبدو هذه الأبوكاليبس مسيحيّة، وهي على الأرجح من زمن متأخر (ربما القرن التاسع الميلادي)، وهي مزيج من مصادر يهوديّة ومسيحيّة. رؤيا عزرا عمل مسيحي لكن من الواضح أنها تدور في فلك الكتابات حول عزرا مثل عزرا الرابع وأبوكاليبس عزرا اليونانيّة؛ أما تاريخها فيمكن وضعه بين القرنين الرابع والسابع. مسائل عزرا عمل مسيحي، ومثل رؤيا عزرا يمكن وضعه في نطاق دائرة الأعمال التي تدور حول عزرا؛ أما تاريخه فلم يبتّ به بعد. وحي عزرا متضمّن في دائرة الأعمال حول عزرا؛ وإلى حدّ ما مثل رسالة سام، فهو يصف طبيعة السنة وفقاً لليوم الذي تبدأ به. إنها مسيحية وتحديد تاريخ لها صعب، لكنها تسبق حتماً القرن التاسع، تاريخ المخطوطة التي بين يدينا. أبوكاليبس سدراخ بشكلها الحالي، هي عمل مسيحي ربما من القرن الخامس للميلاد. لكن من الواضح أنها تحتفظ لنا بمواد من القرون الأولى للحقبة المسيحيّة.
أبوكاليبس باروخ السريانيّة ( باروخ الثاني )، هي عمل يهودي أكثر تفاؤليّة بكثير من عزرا الرابع وربما يكون ردة فعل متأخرة عليه. فهو يرجع إلى العام 100 ميلادي. باروخ الثالث هو إما عمل مسيحي استخدم تقاليد يهوديّة أو عمل يهوديّ تمّ تحريره على يد أحد المسيحيين. والاحتمالية الثانية تبدو الأكثر ترجيحاً. الكتابة اليهودية يمكن إرجاع تاريخها إلى القرن الأوّل أو الثاني الميلاديين.
لا توجد أبوكاليبس إبراهيم اليوم إلا بنسخة سلافيّة؛ والجوهر اليهودي القديم يرجعه معظم الباحثين إلى ما بين العامين 70 و 150. أبوكاليبس آدم، بصيغته الحاليّة، عمل غنوصي، لكنه ليس غنوصيّاً مسيحيّاً، ويبرهن بعض العلماء أو يقترحون، أنه مأخوذ عن تقاليد أو مصادر يهوديّة ترجع إلى القرن الميلادي الأوّل. أبوكاليبس إيليا عمل مركّب مستمدّ من موادّ يهوديّة ومسيحيّة، وربّما كتب بين العامين الميلاديين، 150 و275؛ والواضح أنّ الموادّ اليهوديّة أكثر قدماً حتى من أقدم تاريخ للعمل المركّب. أمّا أبوكاليبس دانيال، فهي تتضمّن، بحسب بعض الباحثين، أقساماً تعود ربّما إلى القرن الرابع الميلادي؛ لكنّ الواضح أنّ العمل الذي بين أيدينا يرجع تاريخه إلى بداية القرن التاسع لكنه يحتوي نصوصاً يهوديّة ترجع ربّما إلى قرون قبل ذلك.
{{ الجنس الثاني: العهود:}}
النوع الثاني من كتابات العهد القديم المنحولة هو “العهود” (غالباً ما تحتوي أقساماً أبوكاليبتية)؛ وهذه المجموعة تتضمّن الوثائق التالية:
عهود الآباء الإثني عشر.
عهد أيوب
عهود الآباء الثلاثة
عهد إبراهيم
عهد إسحق
عهد يعقوب
عهد موسى ( ترجمناه إلى العربيّة)
عهد سليمان
عهد آدم
تقدّم حكايا العهد القديم الإطار القصصيّ لهذه ” العهود “. ومع أنه لا يوجد جنس عينيّ يتحكّم بالكتّاب، هنالك بناء أو صيغة مشتركة لمعظم هذه الكتابات. فالأب في العهد القديم، على سرير موته، يدعو أبناءه وأتباعه ليكونوا حوله حتى يلقي إليهم بآخر كلمات وصاياه وتعاليمه. هذه العهود تتضمن تعاليم أخلاقيّة وغالباً ما تجعل منها رؤى المستقبل أشكالاً دراميّة. وبمعنى معيّن، هذا الصنف من الكتابة متأثّر بعهد يعقوب لأولاده.
عهود الآباء الإثني عشر، بشكله الحالي، هو عمل مسيحيّ يرجع على الأرجح إلى النصف الثاني من القرن الميلادي الثاني. لكنّ معظم الباحثين مقتنعون، بفضل استعادة عهود لاوي ويهوذا ونفتالي ( من عهود الآباء الإثني عشر )، من ضمن مخطوطات قمران ( وهذه ترجع بوضوح إلى عام 70 للميلاد )، بأنّ العمل توليفة يهوديّة أصلاً ترجع إلى القرن الثاني أو الأوّل قبل الميلاد. هذه الوثيقة ذات الأهمية المفرطة هي خزّان أخلاقيّات يهوديّ، لكن هنالك أيضاً أقسام أبوكاليبتيّة وإيمان ذو أهميّة خاصة بوجود مسيح ( موجود أيضاً في الأدب القمراني )؛ ” وسيقوم لكم من سبط يهوذا [ وسبط ] لاوي خلاص الربّ ” ( عهد دانيال 10:5 ).
عهد أيوب هو عمل يهودي يحض على تجسيد التحمل والصبر تماماً كما كان أيوب؛ وقد كتب مع بداية الحقبة المسيحيّة. عهود الآباء الثلاثة (أو عهود إبراهيم وإسحق ويعقوب) هي ثلاثة أعمال مترابطة أصلاً، مع نصين مسيحيين، هما عهدا إسحق ويعقوب الناشئان على التوالي من عهد إبراهيم، الذي هو في الأصل عمل يهودي يرجع على الأرجح إلى عام 100 م. تقريباً. عهد موسى، الذي يفهم منه ظاهريّاً أنه نصيحة وداعيّة ليشوع، هو عمل يهودي وصل إلى شكله الحاضر بعد بداية الحقبة المسيحيّة مباشرة؛ وهو محفوظ جزئيّاً على رق باللاتينيّة.
عهد سليمان هو قصة فولكلوريّة حول كيفية بناء سليمان للهيكل باستخدام السحر والشياطين لكنه خرج من عطف الله بسبب حبّه لامرأة وثنيّة شومانيّة. وبوضعه الذي بين أيدينا، يرجح أن تاريخه يعود إلى القرن الميلادي الثالث تقريباً. لكن من الممكن، كما يقول بعض الباحثين، أنّ كتابات يهوديّة أساسيّة، ترجع إلى القرن الأوّل، ومن الواضح أنّ أجزاء من العهد تمثّل أفكاراً فلسطينيّة يهوديّة من القرن الأوّل. عهد آدم هو عمل مركّب يحكي عن ساعات النهار، النبوءة، التسلسل لهرمي الكهنوتي ( للسلطات السماويّة )؛ وقد وصل إلى شكله المسيحي الحالي قبل نهاية القرن الثالث الميلادي. لكن المقاطع اليهوديّة ترجع على ما يبدو إلى ما قبل ذلك بقرن على أقل تقدير.
{{ الجنس الثالث: توسعات في العهد القديم وأساطير أخرى!}}
النوع الثالث من وثائق كتابات العهد القديم المنحولة تتضمن الوثائق التالية:
رسالة أريستياس
اليوبيل
استشهاد إشعياء وصعوده
يوسف وأسنات
حياة آدم وحواء
فيلون المنحول
حياة الأنبياء
سلّم يعقوب
باروخ الرابع
جان وجمبر
تاريخ الريكابيين
إلداد وميداد
تاريخ يوسف
هذه الوثائق تعتبر برهاناً خاصاً على القوة الخلاقة للعهد القديم؛ وباستثناء واحد فقط، فهي توسعات وتزيينات لقصص وروايات العهد القديم.
رسالة أريستياس – الاستثناء الذي ذكرناه للتوّ – هي نص دفاعي عن العهد القديم أولاً لكن أيضاً عن الهيكل؛ وتاريخها يرجع إلى القرن الثاني للميلاد. سفر اليوبيل هو نص محافظ يحتفل بأولوية الشريعة والسبت، فيوجه النقد إلى الروزنامه القمريّة، ويمجّد الفرديّة اليهوديّة. إنه إعادة كتابة للتكوين عبر الخروج. ويزعم أنه موحى به إلى موسى عبر ملاك الحضور الإلهي. وقد كتب خلال القرن الثاني للميلاد، ربما ليس قبل عام 105 بزمن طويل. شهادة إشعياء وصعوده ( الفصول 1 إلى 5 ) هو نص يهودي ألّف حتماً قبل نهاية القرن الأول بزمن طويل، وربما حوالي العام 100 ق.م. رؤيا إشعياء ( الفصول 6 إلى 11 ) هو نص مسيحي تم دمجه مع ” الشهادة “، ويرجع إلى ما قبل القرن الثالث للميلاد. ولاحقاً أضيف إلى ” الشهادة ” عمل مسيحي ثالث، (الفصول 3: 13 – 4: 22 )، الذي يرجع إلى نهاية القرن الميلادي الأول على الأرجح. جمع الأقسام الثلاثة تم قبل القرن الرابع.
يوسف وأسنات، وهو قصة رومانسية حول يوسف وابنة فوطيفار، هو توسيع للقصة المتعلقة بهما الواردة في التكوين، والذي يرى أبرز الباحثين اليوم أن تاريخ النص يرجع إلى عام 100 للميلاد تقريباً. كذلك هي حال حياة آدم وحواء، الذي هو توسيع لقصتهما في التكوين، ويرجع إلى القرن الأول الميلادي، ربما النصف الأول منه. فيكون المنحول هو توسع في التكوين عبر صموئيل الثاني، مع إضافات أسطورية، كتبت إما بين عامي 70 ميلادي و135، أو كتبت مباشرة قبل عام 70 للميلاد. في السفر مرثاة تذكاريّة تنسب إلى سيلا بنت يفتاح ( قارن: سفر القضاة )، تتضمن السطور التالية:
أتمنى أن تمضي كلماتي إلى السماء
وتكتب دموعي في قبة السماء!
بأن والداً لم يرفض الابنة
التي أقسم أن يقدمها قرباناً،…
حياة الأنبياء، الخالي من الإضافات المسيحيّة، هو خزان فولكلور يتناول حياة ثلاثة وعشرين نبيّاً وموتهم؛ الرواية تُغنى بالفولكلور والأساطير، كثير منها شائع دون شك في القدس وحولها. وقد كتب هذا النص في القرن الأول للميلاد أو قبله مباشرة. سلم يعقوب، الذي نجده محفوظاً في الـ Explanatory Palaia، هو عمل من القرون الوسطى، ويمثل نوعاً من التوسّع في حلم يعقوب في بيت إيل ( سفر التكوين 28: 10 وما بعد ). يرى بعض الباحثين أن خلف بعض فصول السفر وثيقة يهوديّة قديمة، ترجع على الأرجح إلى نهاية القرن الميلادي الأول؛ كذلك يمكن أن نجد في السفر نصاً بطابع مسيحي، كان ذات يوم عملاً مستقلاً، لكنه الآن جزء من الكتابات المنحولة إياها. سفر باروخ الرابع، وهو نوع من التوسّع في إرميا، كتب بعد عام 100 للميلاد مباشرة؛ إنه نص يهودي حرره أحد المسيحيين. جان وجمبر، هو قصّة حول السحرة الفراعنة الذين عارضوا موسى ( سفر الخروج؛ ثيموثي الثانية )، مستمد من أساطير متنوعة، قديمة للغاية. ككتاب، العمل مسيحي في صيغته المحرر الحاضرة، لكنه يرجع حتماً إلى نصوص يهوديّة تقليدية قبل القرن الميلادي الأول.
تاريخ الريكابيين، وهو توسع أسطوري لبعض ما جاء في إرميا. إنه عمل مسيحي، بشكله الحالي، من زمن قبل القرن السادس للميلاد على الأقل، لكن لدينا من الأسباب ما يجعلنا نعتقد أن بعض الأجزاء فيه يحتفظ لنا بنصوص يهوديّة أكثر قدماً. قد تكون النصوص الأساسيّة جاءت من كتابات يهوديّة قبل العام 100 للميلاد. إلداد وميداد ضائع، باستثناء نص يستشهد به سفر راعي هرماس؛ وإذا كان نصّاً يهوديّاً منحولاً، فهو قديم جداً ويمكن اعتباره توسعاً في أحد أجزاء سفر العدد. ( الإصحاح 11: 26-29 ). تاريخ يوسف، هو أسطورة تم تطويرها بالاعتماد على القصة الأساس في التكوين. من الصعب وضع تاريخ للنص، لكنه في الأصل يمكن أن يكون قديماً ويهوديّاً. وهو قطعاً يسبق ما بين أيدينا من برديات ترجع إلى القرن السادس.
{{الجنس الرابع: أدب الحكمة والفلسفة!}}
وهذا النوع من الكتابات المنحولة على العهد القديم يتضمن التالي:
أحيقار
المكابيّون الثالث
المكابيّون الرابع
فوقليدس النحول
جمل المجنون السرياني
تحفظ لنا هذه الكتابات بعضاً من تبصّرات لحكمة قديمة، ليس فقط ضمن نطاق اليهوديّة القديمة بل أيضاً في الثقافات المحيطة. ونحن نواجه هنا حقائق كونيّة أساسيّة للغاية من أجل سلوك مستنير ومسفسط في كل أوجه العيش، دينية كانت أم علمانيّة. وكان اليهود اعتادوا استعارة الحقائق الفلسفيّة من الثقافات الأخرى، لكن غالباً ما كانوا يعيدون كتابتها من منظور توراتي، وإن كان ذلك ليس بالأمر الدائم.
أحيقار، وهو توليفة آشوريّة من نهاية القرن السابع أو القرن السادس ق.م.، تسبق زمنياً المرحلة التي تغطيها الكتابات المنحولة للعهد القديم. وهذا النص مدرج ضمن الكتابات المنحولة حول العهد القديم بسبب أهميته القصوى من أجل فهم نمطية التفكير عند اليهوديّة القديمة، كما أن مؤلّف طوبيا يستشهد به ( 1: 21-22 )، ولا يمكن أن نجده في أية مجموعة أدبيّة قديمة أخرى. المكابيّون الثالث، وهو رواية هزليّة أولاً حول التدخل الإلهي الذي أنقذ اليهود من اضطهاد بطليموس الرابع فيلوباتور، كتب قرب بداية الحقبة المسيحيّة، وربما في العقود الأولى من القرن الأول قبل الميلاد. أما سفر المكابيين الرابع، وهو نص ناقد لاذع فلسفياً، متأثر بالرواقيّة والبلاغة اليونانيّة، فقد تم تأليفه ربما في زمن في القرن الذي سبق دمار الهيكل عام 70 للميلاد. فوقليدس المنحول، وهو حكم يهوديّة تعزا لشاعر من أيونيا اليونانيّة، عاش في القرن السادس ق.م.، وقد ألف على الأرجح بين العامين 50 ق.م.، و100 للميلاد. جمل المجنون السرياني هو مجموعة أقوال حكميّة قديمة ألفها على الأرجح يهودي في القرن الثالث للميلاد تقريباً. العمل يلفت النظر أحياناً لشبهه بأحيقار والجامعة.
{{الجنس الخامس والأخير: الصلوات، المزامير والغرائب}}
الصنف الخامس والأخير من الكتابات المنحولة للعهد القديم تتضمن النصوص التالية:
مزامير إضافيّة لداوود.
صلاة مناسه
مزامير سليمان
صلوات الكنيس الهلينيّة
صلاة يوسف.
صلاة يعقوب.
عجائب سليمان.
بعض من هذه التوليفات الشعريّة متأثّر بفكر مزامير داوود وأسلوبها، في حين أن التوليفات الأخرى تظهر أكثر تطويرات لأسلوب شعري كان مميزاً للتراتيل اليهوديّة الأولى.
تحتوي مزامير إضافيّة لداوود خمسة مزامير أخرى لداوود وبعض أشعار سداسيّة؛ وهذه من القرن الثاني ق.م. إلى القرن الأول الميلادي. أحياناً تكون الإشارة إلى داوود واضحة؛ لاحظ، على سبيل المثال، 151 آ:
كنت الأصغر حجماً بين أخوتي
والأصغر سنّاً بين أبناء أبي؛
وجعلني راعيا لقطعانه،
وحاكماً على أولاده.
أن صلاة مناسه، التي هي متضمنة غالباً في الأبوكريفا، هي صلاة جميلة وغفرانيّة نفاذة، ألفها أحد اليهود عند بداية الحقبة المسيحيّة. مزامير سليمان تحتفظ لنا بثمانية عشر مزموراً كتبها يهودي تقيّ في القدس أو قربها خلال النصف الثاني من القرن الأول ق.م. صلوات الكنيس الهلينيّة، كما يدل الاسم، هو صلاة يهوديّة يصعب تحديد تاريخها. على الأرجح أنها ألفت خلال القرنين الثاني والثالث الميلاديين، إن لم يكن قبل ذلك. صلاة يوسف، التي بين أيدينا، هي العمل الأكثر نمطيّة بين كل الأعمال التي جمعت تحت عنوان ” توسيعات في العهد القديم “؛ ولا يوجد محفوظ منها غير أجزاء، لكن لدينا أسبابنا في أن نرجع تاريخها إلى الحقبة بين العامين 70 للميلاد و135 للميلاد أيضاً. صلاة يعقوب مفقود أيضاً، باستثناء ستة وعشرين سطراً محفوظة في كسرة من بردي. وهو صلاة يهوديّة صعب تأريخها، لكن لابد أنها تسبق زمنيّاً البردية التي بين أيدينا الآن والتي ترجع إلى القرن الرابع للميلاد. عجائب سليمان، وهو مجموعة مسيحيّة من اثنتين وأربعين فقرة متأثرة للغاية بأدب اليهوديّة الأولى، خاصة مخطوطات قمران، وقد تم تأليفها حوالي العام 100 للميلاد وشبهها بإنجيل يوحنا ملفت للنظر.
تتضمن الطبعة الجديدة من الكتابات المنحولة حول العهد القديم ملحقاً يحتوي ثلاثة عشر عملاً يهوديّاً محفوظة أساساً أو فقط ضمن شواهد عند أوسابيوس الأسقف والمؤرخ الكنسي من القرن الرابع. هذا الرجل وجد تلك النصوص على الدوام في عمل ضائع اليوم ألفه ألكسندر بوليهستور، الذي عاش في القرن الأول ق.م. بعض المقاطع ساحرة. على سبيل المثال، يقول أرسطوبولوس، وهو فيلسوف يهودي شهير متأثر بأفكار فيثاغورث وأفلاطون والرواقيين، إن فيثاغورث وسقراط وأفلاطون سمعوا الصوت الإلهي. أرطابانوس، وهو مؤرخ يهودي عاش في القرن الثاني ق.م.، قال بما هو أكثر من ذلك، إذ اقترح أن كل عظمة الثقافة المصريّة، بما في ذلك الوثنيّة وتعددية الآلهة، كان يجب أن تعزى إلى إبراهيم ويوسف وموسى.
