الأقلّيات والمواطنة في العالم العربيّ (28)
يهدد قانون ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين الصادر في أواخر عام 2006 في الجزائر بسجن أيّ شخص يروّج لمعتقدات غير الإسلام، ويلزم الأقلّيات الدينية بممارسة شعائرها في أماكن محددة ترخّص لها السلطة مسبّقا. تحاول السلطات إخفاء أتباع عيسى كأنّ وجودهم يلوّث المحيط الإسلاميّ الذي ينعم به البلد. فهل هم الذين يخرّبون الجزائر منذ 1991؟ هل هم المسؤولون عن مقتل أكثر من 200000 جزائري مسلم؟
لم تكتف السلطات بإصدار القوانين بل استعانت بخبراء الإيمان العرب، فجاؤوا إلى الجزائر ليعلّموا الجزائريين الوشاية ويرشدونهم إلى أقرب طريق توصل إلى الجنة :”يجب على كلّ جزائريّ إذا كان يعرف أحدا تنصّر أو شخصا يدعو إلى التنصير أن يبلغ السلطات في الحال”، هكذا يطلب الداعية المصري صفوت حجازي من الجزائريين على صفحات جرائدهم ممارسة الوشاية الشرعية. أترك القارئ يستنتج وحده كيف ينظر الشيخ إلى مواطنيه الأقباط ! ولم يقف عند هذا الحدّ من الإسفاف بل راح يؤلّب الجزائريين على المسيحيين، ذاكرا على هامش ملتقى الفكر الإسلامي المنعقد هناك أنّ 580 موقعا مزوّرا للفتوى يديره مسيحيون ينتحلون الإسلام لتقديم فتاوى مُضلّة للمسلمين.
حتى الصحافة الجزائرية المعرّبة التي تدّعي الاستقلالية طلّقت التحرّي الموضوعيّ وراحت تطرح الموضوع على أنّه “مؤامرة تبشيرية” تحاك ضدّ الوطن. لم نقرأ على صفحاتها غير ترديد الشائعات التحريضية، ومحاولة ربط ماكر بين المسيحية ومنطقة القبائل. ونعلم جيدا كيف ينتقل محترفو القومية من التمييز الدينيّ إلى التمييز العنصريّ. لا يعدو ما يكتبه “الصحافيون” مجرّد وصم للّذي غيّر دينه “مقابل حفنة دولارات أو أوروات”. فكأنّ كلّ جزائريّ ولد في عرف هؤلاء الكتبة مسلما محكوم عليه أن يموت كذلك. فحتّى ذاك العنف الطائفيّ المشتعل بين المالكية والإباضية في منطقة ميزاب الجنوبية تفسّره جريدة “الشروق” بتدخّل اليهود وتتحدّث عن زياراتهم للمنطقة قبل بداية ما أصبح معروفا إعلاميا بــ”أحداث بريان”، وهو في حقيقة الأمر نزاع مذهبيّ قديم ظلّ مستورا، ليس له من حلّ سوى الاعتراف بالمذهب الإباضيّ اعترافا رسميا من قبل الدولة الجزائرية كيلا تصبح دولة مذهبية.
يكتب قارئ مستفسرا عن مصير مواطنه النصراني “شخص نصرانيّ وهو جزائريّ يدعو إلى التوحيد بين المسلمين والنصارى لأنه يعتبر أنّ كلا منهم على حقّ؟”، فكيف يجيب المفتي الشيخ أبو عبد السلام المشرف على قسم فتاوى بجريدة ‘الخبر’ الجزائرية؟؛ “إنّ الدين عند الله الإسلام”، “ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين”، ويضيف: “كلّ من لا يدخل الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم وقد سمع ببعثة محمد وما جاء به فهو من أهل النار”. (الخبر09/07/2008).
ما هي الدوافع التي أجّجت فجأة هذا التنديد بالأنشطة الدينية غير المرخّصة كما تسمّيها السلطات في الجزائر؟ لقد تمّ غلق 12 كنيسة بروتستانتية في زمن قياسي. فضلا عن المداهمات والمحاكمات الكثيرة التي كان ضحيتها من اتُّهموا بالتنصير والدعوة لغير الإسلام. ماذا لو منع المسيحيون النشاطات الإسلامية في بلدانهم معاملة للمسلمين بالمثل؟ ستقوم القيامة ويشير الكلّ بالبنان إلى الغرب الحاقد الذي لا يحترم حرية العقيدة ويناصب الإسلام العداء..! ماذا لو يمارس المسلمون شعائرهم في بلدان المسيح تحت إجراءات أمنية مشدّدة كما يحتفل المسيحيون بعيدهم في جزائر الإسلام المتسامح؟ (انظر تحقيق السيد سعيد خطيبي على الأوان تحت عنوان’أحزان عيد الميلاد”، المنشور يوم01 يناير2008).
لا يكفّ رئيس المجلس الإسلامي الأعلى عن إدانة ما يسمّيه النشاطات التنصيرية السرية، ذاهبا حتى إلى القول إنّها تسيء إلى الإسلام دين الدولة، وتطعن في القرآن والسنّة. فكأنّ عميد كلية الفلسفة بجامعة الجزائر سابقا لا يعرف بأنّ الإسلام ذاته جاء، ليس للطعن في الديانات الأخرى بل للقضاء عليها نهائيا ولا زال! كم كنت على حقّ عندما قاطعت دروس هذا الفقيه حينما كان يمثّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّل دور أستاذ الفلسفة في جامعة الجزائر.
يتبجّح الدكتور مشنان عضو مجلس الإفتاء بحرية العقيدة، لكنّه ينفيها مباشرة حينما يدقّ باب التفاصيل؛ فيتحدّث عن الذين اعتنقوا الدّين المسيحيّ كأنّهم مرضى “ينبغي أن يعاملهم المجتمع على أساس أنهم تعثّروا وسقطوا في مسيرة الحياة وينبغي على من حولهم أن يعينوهم على أن يقفوا مرة ثانية وأن يعودوا إلى مجتمعهم ودين أبائهم وأجدادهم والغرض من ذلك هو ما نرجو لهم من سعادة الدنيا والآخرة وتبقى لهم الحرية كأفراد ويتحملون مسؤولية تصرفاتهم”. مسؤولية، يشرحها الشيخ النذير التلمساني دون حياء في الدين :”إنّ معاقبة المرتدّين ستكون كافية لردع من تسوّل له نفسه الارتداد عن الإسلام نحو ديانة أخرى(آفاق يوم 2009.04.2). ألا يذكرنا كلام الفقيه بمقولة ماو تسي تونغ الإرهابية :” عاقب واحدا تؤدّب مائة”؟
أن تكون غير مسلم، فأنت في عرف الدكتور مشنان وأصدقائه ومريديه لا تنتمي إلى المجتمع الجزائريّ ولا يمكن أن تنعم خارج الإسلام لا بسعادة الدنيا ولا بسعادة الآخرة! بل يحذّرك الدكتور ويحمّلك مسؤولية تصرّفاتك الحرّة المستقلّة. لئن ولدت جزائريا بالصدفة فإنّك مسلم رغم أنفك. فكأنّ السيد مشنان لم يبرح بعد مرحلة ربّ واحد وحزب واحد ومحطّة قطار واحدة كما كان يضيف صديقي المتفكّه في جامعة الجزائر. يقول نائب رئيس جمعية علماء المسلمين إنّ القرآن توعّد الذي يخرج عن دينه بالعذاب الأليم، أمّا في السنّة فقد ورد أنّ من بدّل دينه يُستتاب أوّلا ثمّ يقتل إذا أصر على البقاء في دينه الجديد، يشرح من كان متنكّرا في ثوب أكاديميّ، أستاذي (أيضا)في وحدة المنطق في جامعة الجزائر. أحمد اليوم ربّه على أنّني لم أصب بعدوى لامنطقه.(جريدة صوت الأحرار06/08/2008).
كأننا لم ندخل بعد عصر حرية العقيدة، ما زال القوم يلوّحون بسيف الردّة لأنّهم يؤمنون بالذمية وما جاورها من سفاهة وإن أظهروا بعض تقيّة. لماذا يصمت هؤلاء الذين مسّتهم النعرة الدينية من صحافيين ورؤساء جمعيات إسلامية أصولية وأئمة جوامع وفقهاء سلطان.. عن الوضع المحزن الذي وصلت إليه مقابر المسيحيين واليهود في الجزائر؟ كان الفيلسوف ألبير كامو يقول عن مقابر عنابة*أنّها تعطي شهيّة للموت، لكن من يرى اليوم حال المقابر غير الإسلامية المزري، يفقد شهية الحياة في الجزائر.
حتى الأرقام تمّ التلاعب بها بغية إخفاء التعدّد الدينيّ والفلسفيّ في الجزائر، ففي الوقت الذي تقدّر كثير من التقارير المستقلّة عدد المسيحيين في الجزائر بحوالي المائة ألف، تؤكد وزارة الشؤون الدينية أن عددهم لا يتجاوز الأحد عشر ألف نسمة ! أمّا عدد اليهود الجزائريين فهو تابو التابوات. وعن البهائيين لا نعرف الشيء الكثير لأنهم يمارسون شعائرهم الدينية في سرية مطلقة خوفا من أغلبية تعتبر البهائية بدعة وكفر بواحا. لو سألنا وزير الإسلام في الجزائر ( وليس وزير الشؤون الدينية كما يسمّى خطأ) عن عدد الملحدين أو اللاأدريين في الجزائر لاعتبر السؤال مغرضا ومستفزّا. من أين له أن يفهم أو يتصوّر احتمال وإمكانية أن يكون المرء جزائريا خالصا وعربيا قحّا أو أمازيغيا وملحدا أو لاأدريا أيضا؟ ينفي وزير الإسلام السيد غلام الله وجود أيّ نوع من التضييق الديني في الجزائر، بينما يشير تقرير اللجنة الاستشارية لحقوق الإنسان الذي قدّمه السيد فاروق قسنطيني إلى رئيس الجمهورية أخيرا إلى تجاوزات تتعلق بالمساس بحرية المعتقد. (الجزائر نيوز يوم03.07.2009).
نقرأ ونسمع هنا وهناك عن خطر وصول الإسلاميين إلى الحكم في هذا البلد العربي أو ذاك، وتلك مصيبة فظيعة حقّا. لكن هل ينبغي لتجنّب تلك الفظاعة المحتملة أن نطبّق برنامج الأصوليين ونخرّب بيوتنا بأيدينا بدلهم؟ ألا يدخل افتعال قضية التنصير في هذا الباب؟ أليس كلّ الأمر مزايدات وإ”ظهار حرص على الإسلام في محاولة ردّ على الأصوليين الذين يرفعون لواء الدفاع عن الدين وقيمه واتهام الدولة ورجالها بالتقصير في حماية دين الله؟ أليست المسألة مجرّد محاولة افتكاك من أيدي الإسلاميين الملطّخة بالدماء وَرقتهم الرابحة بل رأسمالهم السياسي كله؟ ألا يعطل دخول الجزائر في العصر ذلك التنافس الغبيّ بين الإسلاميين والسلطات من أجل اختطاف الأغلبية الدينية لتحويلها إلى أغلبية سياسية ثمّ إلى طغيان أكثريّ؟
يقول مثل جزائري بالعامية “هرب من الحبس طاح في بابو”، ذاك هو حال من يهرب من سجن الإسلام إلى سجن المسيحية في رأيي. ولكن على الدولة أن تحترم حرّيته كما تحترم حرّية المسيحيّ الذي اختار سجن الإسلام. كان الروائيّ الجزائري كاتب ياسين على حقّ حينما لم ير في ما يسمّى الديانات التوحيدية أيّ خير:” لعبت دورا مشؤوما، يقول، هي مصدر شقاء البشرية وعامل اغترابها العميق.”
(Kateb Yacine, Le poète comme un boxeur, Entretiens 1958-1989, Seuil 1994) ما ينبغي أن يحارب جملة وتفصيلا هو إرغام الآخرين على دخول المعتقل الديني، ومن السذاجة النظر إلى كلّ ما هو كائن على أنه طبيعي أبديّ. كي تكون الدولة مدنية عليها أن تضمن حرية التفكير والاعتقاد، ولا يتأتّى لها ذلك إن لم تنتهج حيادا ميتافيزيقيا صارما. ما جدوى الثرثرة عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في دولة يقول دستورها في مادته الثانية إنّ دين الدولة هو الإسلام؟ أليست فرية كبرى مقولة “حرية العقيدة” في دولة يقول دينها الرسميّ إنّ من يختار غير الإسلام عقيدة فلن يقبل منه ويحشر في الآخرة مع الخاسرين؟ لا خير في الواحدية الدينية فهي كالواحدية السياسية. بكلمات متسائلة: هل يؤمن بالتعدّد السياسيّ من لا يؤمن بالتعدّد الفلسفيّ والدينيّ؟ أليس تعدّد الآلهة شكلا من أشكال الديمقراطية والتوحيد ديكتاتورية؟
* ثالث أكبر مدن الجزائر، هي المدينة التي تدور فيها أحداث رائعة حيدر حيدر” وليمة لأعشاب البحر” التي حاربها اللاهوت الأزهري. .
