ابن خَلدون: في علميَّة التَّاريخ
“إنَّ فنَّ التَّاريخ من الفنون الَّتي تتداولها الأمم والأجيال، وتشدّ إليه الرّكائب والرِّحال… إذ هو في ظاهره لا يزيد عن إخبار عن الأيَّام والدُّول ، والسّابق من القرون الأُوّل… وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيّات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يُعدّ في علومها وخليق..وإنَّ فُحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيَّام وجمعوها، وسطّروها في صفحات الدَّفاتر، وخلطها المُتطفّلون بدسائس من الباطل…وزخارف من الرّوايات المُضعفة لفّقوها ووضعوها، واقتفى تلك الآثار الكثير ممّن بعدهم وأتّبعوها وأدّوها إلينا كما سمعوها، ولم يُلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال… فالتَّحقيق قليل، والغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل والتَّقليد عريق في الآدميّين وسليل…
إنَّ الأخبار إذا اعتُمد فيها على مجرَّد النَّقل … فربَّما لم يُؤمَن فيها من العثور مزلّة القدم والحِيَد عن جادَّة الصّدق، وكثيرا ما وقع للمؤرّخين والمفسّرين وأيمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرّد النَّقل غثّا وسمينا..”
المصدر: ابن خلدون . المقدمة، دار الكتاب اللّبناني، مكتبة المدرسة، ،ص 4-3…13-12.
