مسكويه : الفيلسوف والنبيَ

ولد مسكويه ( احمد بن محمد بن يعقوب ) في الري وتوفي في أصفهان، وعاش بين القرنين العاشر و الحادي عشر الميلاديين، كتب باللغتين العربية والفارسية و اشتغل بالفلسفة والطب والكيمياء والتاريخ وعرف خاصة بطروحاته الأخلاقية، تقلد الوزارة كما عمل مشرفا على خزانة الكتب لدي أحد أبرز وزراء عصره و هو ابن العميد، تأثر بأفلاطون وأرسطو والرازي والفارابي، ونهل من منابع معرفية مختلفة؛ عربية وفارسية ويونانية ورومانية .

عاصر أبا حيان التوحيدي والخوارزمي وابن سينا، وعرف بسرعة البديهة، فقد أراد ابن سينا يوما إهانته أمام جمع من طلابه بأن رمى له جوزة وتحدّاه أن يحسب مساحتها، فما كان منه إلا أن دفع إليه رسالته في الأخلاق مشيرا إلى حاجته لتهذيب أخلاقه قائلا: إنّك أحوج إلى تهذيب أخلاقك منّي إلى استخراج مساحة الجوزة!

كان مسكويه غزير الإنتاج ومن مؤلفاته الأساسية: تجارب الأمم، وتهذيب الأخلاق وطهارة الأعراق، والفوز الأصغر، وقد خصّص جانبا مهمّا من كتابه الأخير لبحث مسألة النبوّة، التي فرّعها إلى عشرة فصول تناول فيها مراتب الموجودات والاتصال فيما بينها، وتناظر الإنسان مع العالم من حيث المكوّنات، والارتباط الوثيق بين قواه، وكيفية ارتقاء حواسّه الخمس في سلّم الإدراك، وماهية الوحي وكيفية حصوله، وطبيعة العقل والمنام والفرق بين النبيّ والكاهن، والاختلاف بين النبيّ المرسل والنبيّ غير المرسل، وأصناف الوحي والفرق بين النبيّ والمتنبّي.

ومردّ هذا التفريع طريقة منهجية ألزم نفسه بها، تقوم على الانتقال ممّا هو جزئي إلى ما هو كلّيّ، ممّا هو متعدّد إلى ما هو واحد، ممّا هو خسيس إلى ما هو شريف، فإدراك النبوّة يتطلّب ذكر مراتب الموجودات وتبيّن الحكمة السارية فيها، وربط حلقاتها ببعضها البعض، وتبيّن التناسب فيما بينها. وهذا التدقيق المنهجيّ يكشف عن انصهار آرائه بخصوص النبوّة ضمن المقاربة الفلسفية، لذلك نراه يستحضر في ثنايا حديثه كتب الفلاسفة.

إنّ كلّ موجود يشغل وفق مسكويه الموقع الخاصّ به، لا عبثا وعرضا، وإنّما عن استحقاق وجدارة، ويستدعي هنا مفهوم العدل لكي يبيّن أنّ ذلك يتمّ على نحو موضوعيّ، وهو بالتالي متناسب مع العقل.

ويمثّل العالم برأيه وحدة مترابطة الأجزاء، فهو يقبل القسمة من جهة، كما يقبل من جهة أخرى التركيب وبالتالي التآلف والانسجام، إنّه ينقسم على سبيل المثال إلى ما فوق فلك القمر وما تحت ذلك الفلك، غير أنّ هذين القسمين متّصلان ببعضهما البعض ضمن وحدة لا تنفصم عراها، فلدى مسكويه تسود نظرة كوسمولوجية ترتكز على مفاهيم التناسق والنظام والانسجام والوحدة.

وتعود بداية تشكّل العالم برأيه إلى نشأة العناصر الأربعة: الماء والهواء والنار والتراب، التي امتزجت فيما بينها فأعطت النباتات التي توجد النخلة في أعلى مراتبها، وبعدها مباشرة يأتي عالم الحيوان الذي خضع بدوره إلى تطوّر متعدّد الحلقات، حيث نجد في أعلى السلّم القردة وهي الأقرب من حيث المرتبة إلى الإنسان. ولا يفوّت مسكويه الفرصة هنا دون تأصيل أفكاره هذه ضمن المرجعية الفلسفية اليونانية فيذكر كتاب أرسطو “السماع الطبيعي”.

ولا يتوقّف التزامه بترتيب الموجودات عند هذا الحدّ، إذ نراه يرتب الأفراد تفاضليا أيضا وصولا إلى مرتبة الإنسان الألمعيّ، المتّصف بقوّة الحدس واستقامة النظر، وسلامة التفكّر وصدق الرويّة، والقدرة على معرفة ما سيحصل في المستقبل. وهذا الفرد الألمعيّ في أعلى المراتب، وهو يشغل موقعه بعد الملائكة مباشرة، وبإمكانه الاتّصال بالروح القدس وبالتالي تلقّي الوحي.

ويفسّر بلوغ تلك المرتبة بترقّي الحواسّ إلى القوّة المشتركة التي تجمع بينها ومنها إلى ما فوقها، معتبرا العقل قوّة من قوى النفس، فبه تتمّ الروية، وهذا ما يمثّل خاصّية إنسانية. واللافت أنّه يربط العقل بالدماغ لا بالقلب، مناقضا بذلك ما درج عليه معاصروه، من ذلك ما سيقوله الغزالي عن الحقيقة باعتبارها نورا يقذفه الله في الصدر.

لقد بوّأ العقل مرتبة رفيعة بل اعتبره في أعلى مرتبة، فلا ملكة تعلو عليه فكلّ الملكات الأخرى في خدمته و هي محتاجة إليه، حتى أنّه يشبّهه بالملك المطاع بالطبع، ومن يتجاسر على رفض الخضوع لأمره سرعان ما يستسلم له عند أوّل مواجهة، فالعقل كما قال عنه أستاذه أبو بكر الرازي ” قائد وليس مقودا، زمام وليس مزموما “.

والصورة التي يرسمها مسكويه للعقل تشبه تماما صورة الله في المجال الدينيّ، وصورة الملك في المجال السياسي. ففي مجال الدين يوجد الله في كلّ مكان، وهو يرى الناس بينما لا يرونه، فإذا استمعوا إلى أوامره خضعوا له. وفي المجال السياسي يرقب الملك رعيته، يراها ولا تراه، فإذا ارتكب بعض أفرادها المخالفات وظهر لهم، استكانوا إليه وخضعوا إلى سلطته وهابوه. وفي مجال الطبيعة تخضع الحيوانات إلى الإنسان بحكم الغريزة، فينقاد القطيع إلى الراعي، رغم أنّ الدوابّ التي يرعاها تفوقه مجتمعة قوّة وبطشا وعددا، فالكثرة هنا تتبع الوحدة والغريزة تتبع العقل وكذلك الأمر بالنسبة إلى علاقة الحسّ والخيال بالعقل.

وبقدر ترقّي الإنسان في التفكّر والتعقل والتدبر والرويّة يبلغ أعلى المراتب، فتنكشف له الحقائق الموضوعية الأبدية المنزّهة عن الكون والفساد المتسامية على الزمان، والمتصفة بالتالي بالثبات والتي لا يلحقها التغيّر، فالحقائق جواهر بسيطة، وهذا منتهى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان. وعند حصوله يمكنه تقبل الوحي كما ذكرنا، وإذا كان السياق هنا يشير إلى النبيّ فإنّ مسكويه لا يستثني الفيلسوف من بلوغ ذلك فهو يساوي بين النبي والفيلسوف في هذه المرتبة الشريفة، فالفلاسفة والأنبياء في مرتبة واحدة وإدراك الحقيقة أمر مشترك بينهما، والاختلاف الوحيد هو في طريقة بلوغها، فالفيلسوف ينطلق من الأسفل إلى الأعلى والنبيّ على عكسه ينطلق من الأعلى إلى الأسفل. وهذا يعني أنّ المعرفة تتمّ بطريقين، طريقة الارتقاء وهي الخاصّة بالفيلسوف، حيث يبسط العقل هنا ما هو هيولاني ويضع ما هو حسّيّ جانبا، فيدرك الحقائق في ثباتها ووحدتها وموضوعيتها وجوهرانيتها، أمّا طريقة الهبوط فهي الخاصّة بالنبيّ الذي يدرك عن طريق الوحي الحقائق فيتدرّج بها نزولا، ولا مفرّ هنا من أن يلبسها لباس الحسّ حتى تقبلها مخيّلة الجمهور، وغير خاف هنا تأثير الفارابي الذي له السبق في هذا القول.

ويؤكد مسكويه اختلاف درجات الأنبياء؛ فمنهم من يدرك الحقائق بجلاء ومنهم من يدركها بقدر من الغموض وكأنّ بينهم وبينها حجابا، كما تختلف درجاتهم أيضا في التنبّؤ بأحداث المستقبل، والمدى الذي تمتدّ إليه تلك التنبّؤات، فربّما بلغ مئات السنين وربّما كان أقلّ من ذلك بكثير.

وسواء تعلّق الأمر بتبليغ نبوءاتهم بخصوص المستقبل، أو نقل الحقائق التي توصّلوا إليها إلى الجمهور، فإنّهم يحتاجون في الحالتين إلى الترميز وضرب الأمثال، وبالتالي إلى الصور الحسية، بالنظر إلى قصور أفهام الناس واختلاف درجاتهم المعرفية، وهذا ما سيفصّل ابن رشد القول فيه لاحقا من خلال التفريق بين الطرق الخطابية والجدلية والبرهانية، فالنبيّ يخاطب الطبقات المعرفية المختلفة، ولكلّ طبقة وسيلة الإقناع المتناسبة معها، وللتمثيل لذلك يقول مسكويه أنّ محمدا خاطب عليّا بن أبي طالب بغير ما خاطب به أبا هريرة، كما خاطب الجمهور بطريقة أخرى، وخاطب أجلاف العرب بغير ما خاطب به ذوي الحلم منهم، ولمزيد الإبانة عن هذه المسألة يقول إنّ نسبة الطعام التي تقدّم إلى المولود يجب أن تتناسب مع عمره حتى لا تلحق ببدنه الضرر، وكذلك نسبة جرعة الدواء المقدّمة إلى المريض، وإلا فإنّها تسبّب هلاكه، ومن باب أولى وأحرى مراعاة ذلك في مخاطبة أصناف الناس.

إنّ الحاجة إلى النبيّ بحسب مسكويه أخلاقية صرفة، فالناس ينقادون لتعاليم الأديان بفعل الإيمان، ومن شأن القداسة التي يضفونها على آلهتهم وأنبيائهم أن تجعل احترامهم لهذه القيمة الأخلاقية أو تلك شبه طقس من الطقوس التعبّدية، وطالما كان بهم قصور عن إدراك الأسس العقلية التي تقوم عليها القيم فمن الصالح العامّ احترامهم لها من موقع القداسة، وإلا فإنّ الشرور سوف تفتك بهم، بمعنى أنّ تلك الحاجة ذات طابع عمليّ، فالاجتماع البشريّ يتطلّب جملة من المعايير والضوابط، وكائنا ما كان سبيل الأخذ بها فإنّها تتنزّل ضمن ضرورات المعيش الإنسانيّ، لأجل هذا يستعمل هنا عبارة “المصلحة العامّة” قائلا “تكون النبوّة أكثر ما تظهر من الزمان الطويل لشخص واحد، فربّما عرض في بعض الأزمنة أن يوحى إلى اثنين أو ثلاثة، وربّما اجتمعوا في مدينة واحدة وربّما تفرّقوا في عدّة مدن بحسب ما تقتضيه المصلحة العامّة “مسكويه، الفوز الأصغر، تحقيق صالح عضيمة، تونس، الدار العربية للكتاب، 1987، ص ص 136 ـ 137.

يفرّق مسكويه بين النبيّ والكاهن، فالكهانة تنتشر بالأخصّ عند ظهور النبوّة أو قبلها بقليل. وسبب ذلك فلكيٌّ بحْتٌ، فعندما تنتظم الأفلاك وفق هيئة محدّدة تشير إلى أحداث عظيمة قادمة، يكون لذلك تأثير في العالم الأرضيّ فيظهر النبيّ كما يظهر الكاهن، والفرق بينهما أنّ النبيّ يمتلك قدرة كاملة وتامّة على التنبّؤ بينما يمتلك الكاهن قدرة ناقصة. واللافت هنا محاولته تفسير النبوّة والكهانة بأسباب موضوعية مستبعدا الاصطفاء في دلالته الميتافيزيقية.

ويدفع نقصُ القدرة على التنبؤ الكاهنَ إلى محاولة تجاوز ذلك بضروب الادّعاء المختلفة، مثل سجع الكلام وطرق الحصى، وقد يوافقه الحظّ فيصدق كلامه وقد تكذّبه الوقائع، يقول “وربّما يكذب الكاهن من تلقاء نفسه، أو بالتعمّد، خوفا من أن تبور سوقه وتكسد بضاعته” المصدر السابق، ص 138، والمهمّ هنا تلك النظرة العقلية للكهانة، التي ما أحوجنا إليها اليوم حيث ينتشر المشعوذون والعرّافون والمنجّمون كالفطر…

كما يفرّق بين النبيّ والمتنبّي، ملاحظا أنّ الفلاسفة وهم أولئك الذين يصفهم بـ “أهل الحكمة والنظر الصحيح” المصدر السابق، ص 143 على بيّنة من الاختلاف بين هذين الصنفين من البشر، بينما عوامّ الناس في خلط بينهما، بل إنّ بعض من يدّعي أنّه من الخاصّة لا يختلف عن العوامّ في ذلك، وهو ربّما يشير بهذا إلى المتكلّمين والمتصوّفة، الذين يغدقون على “شيوخهم” صفات النبوّة الكاذبة.

وإذا كانت غاية النبيّ أخلاقية كما بينّا، فإنّ ما يطلبه المتنبّي هو المال والجاه والسلطان، رغم تصنّعه الزهد والتقشّف والعفّة، فهو يستعمل الشعوذة لاستغلال “عقول أهل الغفل” المصدر السابق، ص 143، وربّما استعمل المتنبّي ما جاء به الأنبياء فردّد السّور والآيات التي حفظها عن ظهر قلب، وربّما نظم من لدنه كلاما خطابيا مقفّى، والوسيلة هنا لا أهمّية لها إلا من حيث كونها توصله إلى الغايات التي يطلبها، وبهذا يرسم لنا مسكويه لوحة معبّرة لا تصدق فقط على متنبّيي زمانه وإنما أيضا على متنبّيي زماننا وما أكثرهم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This