التّفكير في همجيّة القرن العشرين

ظهرت الأصول الأولى للهمجيّة التّاريخيّة، كما رأينا، منذ ستّة آلاف سنة في حضن الإمبراطوريات الكبرى في الشّرق الأوسط. وقد استمرّت حتّى اليوم وأوجدت الأشكال المختلفة لهمجيّة الغزو والاستعمار مثل همجيّة تيمورلنك أو جنكيز خان. ولكنّ تلك الغزوات لم تشكّل إمبراطوريات دائمة، في حين سيكون لغزوات أوروبّا الغربيّة تأثيرات بعيدة المدى: فالاستعمار لن ينتهي إلاّ بعد الحرب العالميّة الثّانية، في السّتّينات، وحتّى بعد ذلك التّاريخ بالنّسبة إلى البرتغال.
بداية من نهاية القرن الخامس عشر نشأت همجيّة متّصلة بفكرة الأمّة. فقد أوجدت الأمّة الحديثة بالفعل، بسبب هجاسها في التّطهير أو التّصفية الدّينيّة ومن بعدها العرقيّة، شكلا فريدا من الهمجيّة الّتي لم تكن موجودة في الإمبراطوريّة الرّومانيّة أو في الإمبراطوريات القديمة للشّرق الأوسط أو الشّرق الأقصى. بلا شكّ، يمكن أن تكون الدّيانة التّوحيديّة، الكاثوليكيّة منها بالخصوص، وراء بعض هذا الهذيان التّطهيريّ، بسبب طابعه الإقصائيّ خاصّة، أي رفضه للأديان الأخرى. ولنسجّل أنّ الحرب العالميّة الثّانية ستصل بهذين الشّكلين من الهمجيّة إلى الحدّ الأقصى.

أردت خلال الفصل الثّاني أن أسلّط الضّوء على ظاهرة متناقضة في ظاهرها: فلئن كانت أوروبّا موطن الهيمنة الهمجيّة على العالم، فإنّها كانت كذلك موطن الأفكار التّحريريّة، كأفكار حقوق الإنسان والمواطنة، وذلك بفضل تطوّر الإنسيّة. لقد أخذ ممثّلو الشّعوب المستعمرة والمستعبدة الأفكار التّحريريّة ثانية، وانطلاقا من حقوق الشّعوب وحقوق الإنسان وحقوق الأمم تحقّقت مسارات الانعتاق. وفي الختام لفتت الانتباه إلى أنّ العولمة، وهي ظاهرة ولدت رمزيّا سنة 1492، قد تجلّت من خلال تجارة العبيد السّود والعديد من أشكال الاستعباد الأخرى. ولكنّي أضفت أنّ عولمة ثانية بدأت تشقّ طريقها، في نفس الوقت تقريبا، إنّها عولمة حقوق الإنسانيّة، وحقّ الأمم، والدّيمقراطيّة. وأخيرا، فنحن نعيش اليوم في عولمة متناقضة: ذلك أنّ التّقدّم الرّائع للعولمة التّكنو- اقتصاديّة يخلق عولمة مواطنيّة وإنسانيّة، بيد أنّه يخنقها أيضا.

أصل الآن إلى مسألة بروز الشّموليات، وهي ظاهرة أوروبّيّة حديثة أخرى. أحيانا، يتمّ نقد استخدام هذه العبارة نفسها « شموليّة » لوصف أنظمة مختلفة يمكن أن يكون النّظام السّتالينيّ أو الهتلريّ منها. وأنا أرى أنّه ينبغي أن نتبنّى وجهة نظر مركّبة تظهر الفروق والمقابلات مثلما تبرز المشابهات والمماثلات. كما أنّه لا ينبغي التّسرّع في تبرير شموليّة حمراء من أجل إدانة أقوى لشموليّة سمراء. إنّ نمط التّفكير الّذي يقودني يمنعني من أن يكون تفكيري أحاديّ الجانب ومانويّا، وقد أبيت أن أنسب الكمال إلى أوروبّا وأن أشيطنها، مع إدراكي التّامّ بأنّها قد أنتجت السّرّاء والضّرّاء. وفي ذات النّسق الفكريّ، أرفض أن أميّز بين علم « جيّد » وعلم « سيّء »، الخ. ولا أظنّ أيضا، كما حاولت أن أبيّن سابقا، أنّ هناك عولمة « حسنة » وأخرى « سيّئة ».

لا بدّ لي أوّلا من القول إنّه لم يوجد تفكير في الشّموليّة، مثلما وجد تفكير في الرّأسماليّة (ماركس)، وتفكير في الدّيمقراطيّة (منتسكيو، توكفيل)، وتفكير في الدّيكتاتوريّة. فقد برزت الشّموليّة خارج كلّ توقّع. إنّها ثمرة صيرورة تاريخيّة متأتّية من الحادث الهائل الّذي تمثّل في الحرب العالميّة الأولى. لقد كانت هذه الحرب انطلاقة لهمجيّة قاتلة وفي الوقت نفسه عملا انتحاريّا لأوروبّا.
لنبدأ بحالة الشّيوعيّة السّوفييتيّة، بؤرة الشّموليّة السّتالينيّة. إنّ الماركسيّة في الأصل تفكير ثريّ جدّا ومازال معاصرا جدّا، خصوصا في ما يتعلّق بقضايا العولمة. ولكنّ ضعفه يكمن في عدم تناوله حقّا لمسألة السّياسيّ. فماركس فهم فقط الدّولة باعتبارها أداة للطّبقة المهيمنة، أي باعتبارها بنية في منطق صراع الطّبقات والعلاقات الطّبقيّة. فدرس في العمق الصّراعات الاجتماعيّة ولكنّه لم يهتمّ بما هو سياسيّ بالمعنى الحصريّ للكلمة.

أدّى الفكر الماركسيّ إلى ظهور فرعين صار أحدهما بسرعة الاشتراكيّة الدّيمقراطيّة الألمانيّة، انطلاقا من تشكيل الحزب الاشتراكيّ الدّيمقراطيّ زمن أنجلس. وقد تطوّر هذا الفرع الأوّل في تعارض مع أطروحة الثّورة العنيفة والشّرسة، « المساء العظيم »، حيث تلغي الهبّة البروليتاريّة الرّأسماليّة. وفضّل عليها إستراتيجيّة إصلاحيّة، تدرّجيّة، وضّحها برنشتاين Bernstein. وفي بداية القرن العشرين، حدث انقسام في الحزب الاشتراكيّ الدّيمقراطيّ الرّوسيّ بين توجّه أغلبيّ « بلشفيّ » وتوجّه أقلّيّ « منشفيّ ». وأخذ الحزب البلشفيّ يتشكّل شيئا فشيئا داخل روسيا القيصريّة في ظروف السّرّيّة والقمع البوليسي. وهو تنظيم متمركز، شبه عسكريّ، يهدف إلى السّيطرة الجيّدة على أعضائه، في سبيل تفادي العناصر المندسّة من البوليس القيصريّ، « الأوكهرانا ». فخاصّيات البلشفيّة حينئذ مرتبطة بحدث ظهورها في روسيا القيصريّة. في سنة 1914 كان مايزال حزبا صغيرا جدّا وكان أغلب قادته في المهجر. ومن جهة أخرى، كانت الماركسيّة في تلك الفترة قد فقدت الكثير من جاذبيّتها في أوساط المثقّفين الرّوس، بسبب خاصّيتها المحدودة والضّيّقة الأفق. وكانت لرسالة تولستوي الّتي تمجّد الأخوّة الشّاملة، التّأثير الأكبر في الأنتلّيجانسيا الرّوسيّة الحسّاسة جدّا تجاه التّعقيدات البشريّة.

كانت الثّورة البرجوازيّة هي هدف البلاشفة. إذ كانوا، وفي مقدّمتهم لينين، مقتنعين فعلا بأنّ الثّورة البورجوازيّة سابقة على الثّورة الاشتراكيّة. فلا بدّ للرّأسماليّة والبرجوازيّة والبروليتاريا أن تتطوّر حتّى تتمكّن هذه الأخيرة القويّة عددا وفاعليّة من الإطاحة بالمجتمع البرجوازيّ. وخلال الحرب، كانت الهزائم الرّوسيّة العديدة قد أدّت إلى ثورة ديمقراطيّة، أفضت إلى الإطاحة بالقيصريّة وإلى صعود الاشتراكيّ الدّيمقراطيّ كيرنسكي إلى دفّة الحكم. وقد اتّضح أنّه عاجز عن قيادة الحرب وعن مفاوضات السّلام. وضاعف فشله في إحباط الجيش وأدّى إلى قيام مظاهرة عمّاليّة في بيتروغراد- سان ببيترسبورغ سابقا ولينينغراد لاحقا- والتحق البلاشفة بالحركة وفرضوا ببراعة فائقة الأمر التّالي: « الأرض للفلاّحين »، وهو ما ألهب حماس الموجيك (أي المزارعين الرّوس [المترجم])، و« كلّ السّلطة للسّوفياتات »، أي لمجالس العمّال الّتي كانت قد تشكّلت في مصانع بيتروغراد.

آنذاك، وقع فجأة حدث ذو أهمّيّة قصوى: إنّها أطروحات أفريل للينين. أكّد فيها أنّه لا بدّ أخيرا من اختصار الثّورة البرجوازيّة في روسيا. وأنّه يمكن لثورة في روسيا، باعتبارها الحلقة الأضعف في العالم الإمبرياليّ والرّأسماليّ، أن تطلق الثّورة الاجتماعيّة في البلدان الصّناعيّة الكبرى مثل أنجلترا وألمانيا وفرنسا. وقد وجد لينين صعوبة كبيرة في إقناع رفاقه البلاشفة بمشروعيّة هذه الأطروحة، ولكنّه نجح في ذلك. وعندها، أعدّ لانقلاب أكتوبر. فاقتحم السّوفيات المدعومون بجنود متمرّدين القصور ومؤسّسات السّلطة في بيتروغراد. ولم تكن هذه الثّورة يتزعّمها البلاشفة فحسب، بل كذلك الفوضويون والاشتراكيون الثّوريون الّذين كانوا يقاسمونهم الرّؤية. بعد ذلك، تمّت الدّعوة إلى انتخابات الجمعيّة التّأسيسيّة الّتي كانت أوّل جمعيّة ديمقراطيّة في روسيا. وعندما وجد البلاشفة أنفسهم أقلّيّة، حلّ لينين فورا تلك الجمعيّة.
حاولت الجيوش البيضاء أن تستعيد بيتروغراد، فاندلعت حينئذ حرب أهليّة. وسيقع التّدخّل الأجنبيّ منذ نهاية الحرب العالميّة الأولى. في تلك الظّروف، بدأ بصفة مبكّرة مسار من التّشدّد الأقصى. فتمّ إقصاء الفوضويين وكذلك الاشتراكيين الثّوريين، وتحوّل الحزب البلشفيّ إلى حزب وحيد يدير روسيا الّتي تحوّلت إلى اتّحاد سوفييتيّ. ولكنّ الوضع الاقتصاديّ كان كارثيّا، وكانت المجاعة تهدّد الجميع في كلّ مكان. فقرّر لينين وضع السّياسة الاقتصاديّة الجديدة NEP . وتتمثّل في منح القليل من الحرّيّة إلى صغار الفلاّحين والمقاولين والتّجّار. وهو ما ساعد على بداية إعادة بناء اقتصاديّ. ولكنّ ستالين سيلغي السّياسة الاقتصاديّة الجديدة سنة 1930.

خلال السّنين الممتدّة بين 1920 و1924، أي بعد الانتصار على الجيوش البيضاء وتراجع التّدخّل الأجنبيّ، لم يتشكّل في الإتّحاد السّوفييتيّ مجتمع ذو نمط جديد، أي مجتمع قائم على العلاقات الأخويّة. لم يتمّ تأسيس سلطة بروليتاريّة حقيقيّة، بل إنّ ما حصل بسرعة كبيرة هو أنّ الحزب لم يكتف فقط بالسّيطرة على الطّبقة العاملة، بل أقصاها. وتحت قناع ديكتاتوريّة البروليتاريا كانت تمارس ديكتاتوريّة على البروليتاريا. فسنة 1921، ثار بحّارة قلعة الـﭭرونشدات Kronstadt، وكانوا يطالبون بتنفيذ برنامج شعبيّ بحقّ، برنامج اشتراكيّ وديمقراطيّ. ولكنّ تروتسكي، قائد الجيش الأحمر آنذاك، قتّلهم بلا رحمة.

إنّ فشل الثّورة الرّوسيّة هو بالأساس فشل ثقافيّ، لأنّه لم تكن هناك حينئذ ثقافة اشتراكيّة. ولم تكن توجد بالمثل ثورة عالميّة. وهذا النّقص سمح للسّتالينيّة بالنّجاح. فالسّتالينيّة تخلّت كلّيّا عن المنظور الثّوريّ العالميّ، و لم تعد تسعى إلاّ لبناء الاشتراكيّة في بلد واحد، عن طريق التّطوير الصّناعيّ. إنّ فشل الفكرة الاشتراكيّة الأخويّة الإنسانيّة هذا، يماثل تقريبا الفشل الرّوحيّ للمسيحيّة الّتي، بتعصّبها، شوّهت رسالة المسيح الأصليّة. فقد قال المسيح لأتباعه بأنّه سيعود إليهم وهم أحياء. وقد ظلّ أتباعه وذرّيته طوال ما يربو على القرن على قناعة بأنّ القيامة كانت قريبة، وبأنّ المساء الكبير سيأتي. وحين صار من الواضح أنّه لن يكون هناك مساء كبير، قاموا بتأسيس كنيسة تراتبيّة منظّمة و« شموليّة » بالقوّة بمعنى ما. وهكذا، فقد أدّى فشل رسالة المسيح الافتدائيّة إلى انتصار الكنيسة الكاثوليكيّة. وبالمثل، يمكننا القول إنّ فشل الاشتراكيّة الثّقافيّ في الإتّحاد السّوفييتيّ قد أدّى إلى وضع الاشتراكيّة المطبّقة في الواقع والى التّطوّر المذهل لقوّتها، تحت سيطرة ستالين.

لأوّل مرّة، يقوم نظام شموليّ. فما دلالة ذلك؟ يعني هذا أوّلا أنّ جميع عناصر المجتمع المدنيّ، السّياسيّ منها والاقتصاديّ والثّقافيّ والبيداغوجيّ يضاف إليها الشّرطة والجيش والشّباب، هي خاضعة لسيطرة الحزب وإدارته. يصبح هذا الأخير مركزا كلّيّ المعرفة وكلّيّ السّلطة في الآن نفسه. فالحزب وقادته يفترض أنّهم يمتلكون المعرفة المطلقة بقوانين المجتمع والتّاريخ، وهي معرفة خاصّة بالماركسيّة- اللّينينيّة. الشّموليّة حينئذ ليست رقابة الدّولة المفرطة، بل هي إقامة حزب له سلطة ضخمة ويسيطر على الدّولة. فلم تعد الدّولة سوى أداة بين أيدي الحزب الّذي يتحكّم في كلّ شيء. ويمكن تعريف الشّموليّة بأنّها تنظيم كلّيّ انطلاقا من حزب واحد. فمثلما يقوم نظام ثيّوقراطي على فرعون- عارف بكلّ شيء وقدير على كلّ شيء- كذلك تنهض الشّموليّة على نظام يفترض فيه أن يكون القادة على علم بكلّ شيء، وأن تكون لهم معرفة حقيقيّة وثاقبة. على هذه المعرفة الّتي تثبت نفسها باعتبارها مطلقة، تقوم سلطة مطلقة.

من المهمّ أن نؤكّد أنّه لا وجود هنا لحتميّة تاريخيّة. فلم يكن على ثورة أكتوبر بالضّرورة أن تؤدّي إلى شموليّة ستالينيّة، ولم يكن يوجد في الماركسيّة نفسها أيّ منطق يوجب بالضّرورة أن تفضي إلى الهمجيّة الشّموليّة. فالشّموليّة لم تكن متوقّعة، بل إنّها لم تكن حتّى مطلوبة عن دراية وعن قصد، كما يظنّ ذلك أولئك الّذين يختزلون التّاريخ دائما في سلسلة من المؤامرات. توجد في الماركسيّة بعض العناصر الّتي تسمح بالانحراف الشّموليّ، بينما توجد عناصر أخرى تفضي إلى دروب أخرى. ولم يكن هذا الانحراف من جهة أخرى قد نظّر له حتّى لينين. بل إنّه على العكس من ذلك، قد أعلن في كتابه « الدّولة والثّورة » أنّ ما ستفضي إليه الثّورة هو انحطاط الدّولة وإزالتها. في الحقيقة، أقيم الإتّحاد السّوفييتيّ عقب سلسلة من الاضطرابات التّاريخيّة. وسوف يستمرّ، من بعض النّواحي، بسبب تخلّف البيروقراطيّة القيصريّة الّتي كان هو وريثها وبسبب الحصار الرّأسماليّ الّذي سوف يقوّي من نزعاته التّضييقيّة.

كان موسّوليني في البداية اشتراكيّا. إذ أسّس سنة 1919 « حزم القتال »، ولم يكن بعد حزبا، بل كان، في أوقات الاضطرابات القصوى، تجمّعا لرابطات قدامى المحاربين والنّقابيين. كان العنصر القوميّ حادّا، وقد أثارته الخيبات المتأتّية من المعاهدة الّتي اعتبرتها إيطاليا بعد الحرب ظالمة. معاهدة كان نتيجتها الشّعور بإهانة حقيقيّة بما أنّ إيطاليا كانت في صفّ المنتصرين. وصل موسّوليني إلى السّلطة سنة 1922. فعقب المسيرة نحو روما، اضطرّ الملك فيكتور- أيمانيّال الثّالث إلى أن يسلّمه مقاليد الحكم. واستمرّت المؤسّسة البرلمانيّة في عملها حتّى سنة 1925، ولكن بعد أن اغتال الفاشيون ماتّيوتّي، قامت القوانين الفاشستيّة بتنظيم الدّيمقراطيّة على قاعدة الحزب الواحد. ومع ذلك، لم تكتمل هذه الشّموليّة، فقد ظلّ بداخله قطاع يضمّ الملكيّة، وكانت هناك تسوية مع الكنيسة، كما استمرّت الرّأسماليّة في عملها. والجدير بالملاحظة خصوصا هو المقوّم القوميّ. فالفاشيّة الإيطاليّة هي فاشيّة- قوميّة، وهي مثل النّازيّة الألمانيّة قوميّة- اشتراكيّة. نشأت بالتّأكيد انطلاقا من الظّروف الاقتصاديّة الكارثيّة لما بعد الحرب، ولكن أيضا وخصوصا من المشاعر القوميّة المحبطة، والمثارة.

تطوّع هتلر، وهو نمساويّ، في الجيش البافاريّ خلال الحرب العالميّة الأولى. وانضمّ سنة 1925 إلى حزب صغير، هو حزب العمّال القوميّ الاشتراكيّ الألمانيّ، حيث الإيديولوجيا الاشتراكيّة على صلة وثيقة جدّا هنا أيضا بالايديولوجيا القوميّة. سنة 1924، وعلى إثر محاولة انقلاب فاشلة في ميونيخ، بنى هتلر في السّجن مذهبه في « كفاحي: Mein Kampf». يتضمّن هذا النّصّ فعلا جوانب عنصريّة في جوهرها، ولا ساميّة، وكذلك فكرة أنّ ألمانيا لا بدّ لها من أن توسّع من مجالها الحيويّ، Lebensraum. ويثور على واقع أنّ ألمانيا كانت محرومة من المستعمرات في إفريقيا أو غيرها. حينئذ، ستكون أوروبّا الشّرقيّة مجال ألمانيا الحيويّ. وبما أنّ النّظريّة العنصريّة تؤكّد على تفوّق الآريين الألمان وعلى دونيّة السّلاف، فإنّ أوكرانيا هي الّتي كان عليها نوعا ما أن تهب نفسها للاحتلال الألمانيّ. ظلّ حزب العمّال القوميّ الاشتراكيّ قليل الأهمّيّة حتّى انتخابات 1930، الّتي على إثرها التحق 130 نائبا نازيّا بالبرلمان. فكيف نفسّر ذلك؟

الأزمة الاقتصاديّة العالميّة الكبرى الّتي بدأت سنة 1929 بوول ستريت بالولايات المتّحدة تفجّرت في ألمانيا بقوّة هائلة. كانت ألمانيا في ذلك الوقت البلد الأكثر تصنيعا في أوروبّا، فتسبّبت تلك الأزمة الّتي طالت جميع قطاعات المجتمع في بطالة قسم كبير من الطّبقة العاملة. والى ظروف البطالة والأزمة الاقتصاديّة تلك، يضاف الإحساس بالمهانة القوميّة. فقد حرمت معاهدة فرساي ألمانيا من قسم مهمّ من بروسيا الشّرقيّة الّذي سلّم لبولونيا، وهو ما أوجد ممرّ دانتزيڨ. ولكنّ ما أظهرته تلك المعاهدة بالخصوص هو ضعف ديمقراطيّة وايمر Weimer. لم يسمح تفرّق الدّيمقراطيين لهتلر بالحصول على الأغلبيّة المطلقة في البرلمان، فذلك لم يحصل أبدا، بل بمضاعفة قوّته وتمثيليته. وعندما ترشّح لرئاسة الجمهوريّة فشل، وكان هندنبورغ هو من فاز بها. عندئذ، تفاوض هتلر مع أحزاب اليمين ليشكّلوا أغلبيّة. ونجحت المناورة، إذ كلّفه رئيس الجمهوريّة بمنصب رئاسة الحكومة. حصل كلّ هذا في إطار من الشّقاق الكارثيّ. فالحزب الشّيوعيّ آنذاك كان عدوّه الأوّل هي الاشتراكيّة الدّيمقراطيّة، فاعتقد الشّيوعيون أنّه لو يصل هتلر إلى الحكم، فسوف يسمح لهم عجزه عن حلّ المشاكل الاجتماعيّة والاقتصاديّة بالوصول إلى السّلطة. في هذه الظّروف، وفي إطار قانونيّ، نصّب هتلر رئيسا لحكومة الرّايخ من قبل الماريشال هندنبورغ، في 30 جانفي من سنة 1933.
وسرعان ما أصدر مرسوما بحلّ الحزبين الشّيوعيّ والاشتراكيّ، ومنذ سنة 1933 تأسّس الـﭭـاستابو( أي البوليس السّرّيّ للدّولة: المترجم ). وتقرّر بناء معتقلات للمعارضين، وفي سنة 1933، أي بعد قليل من تولّيه السّلطة، أعلن الحزب النّازيّ حزبا وحيدا في البلاد. كانت س س و س أ، وهي جماعات مسلّحة، توفّر له من قبل قوّة مهابة. وهو ما مكّنه من القيام بتصفية عنيفة لمعارضيه السّياسيين، وأيضا من إعلان التّدابير الأولى المعادية لليهود ومن تنفيذ عمليات التّعذيب الأولى. وهكذا، غادر عدد من اليهود ألمانيا. فلم يبدأ هتلر بعد في قطع الطّريق أمام هروبهم، لأنّ المطلوب حينها هو عزلهم وتهميشهم.

كانت المعارضة لهتلر شديدة عندما ارتقى إلى الحكم في ألمانيا الدّيمقراطيّة تلك زمن وايمر، ولكن على خلاف توقّعات السّياسيين، فإنّ النّجاح الاقتصاديّ سيحقّق له شعبيّة كبيرة. فحتّى قبل انفجار صناعة الأسلحة، نجح الدّكتور شاخت، وزير هتلر للاقتصاد من 1934 حتّى 1937، بإيرادات اقتصاديّة عاديّة في إعادة الآلة الصّناعيّة إلى السّكّة والقضاء على البطالة. إنّنا كثيرا ما ننسى هذا العامل المتمثّل في النّجاح الاقتصاديّ، فقد كان ورقة مهمّة للهتلريّة. وما استمرار عجلة الاقتصاد الألمانيّ في الدّوران حتّى النّهاية، حتّى خلال التّقلّبات العسكريّة الأسوأ ورغم عمليّات القصف الهائلة الّتي كان يقوم بها الأحلاف، إلاّ دليل على مدى الأهمّية الكبرى الّتي كانت للعامل الصّناعيّ. وصول النّازيّة كان راجعا أيضا إلى سلسلة من النّجاحات على المستوى السّياسيّ. فإعادة عسكرة الرّوهر Ruhr كانت مرحلة حاسمة، حتّى أنّ الفرنسيين لم يحرّكوا ساكنا عندما أعاد الجيش الألمانيّ احتلالها. مثال آخر على ذلك هو ضمّ النّمسا وأنشلوس. أمّا ما يتعلّق بضمّ سودتس Sudètes، هذه الكتل الجبليّة الّتي كانت تمثّل حصونا لتشيكوسلوفاكيا وتسكنها أغلبيّة ألمانيّة، فكانت ضربة كبيرة تعبّر عن جسارة هتلر وصلافته. فقد نجح في الحصول من الفرنسيين والأنجليز، عن طريق اتّفاقات ميونيخ الّتي كانت خرقا فاضحا لالتزامات فرنسا وأنجلترا تجاه تشيكوسلوفاكيا، على إلحاق سودتس بألمانيا. وفي الحال، اجتاحت القوات المسلّحة Wehrmacht تشيكوسلوفاكيا وألحقت 30000 كلم2 من أراضيها.

في بلاد مثل فرنسا، ذات التّقاليد اليساريّة السّلميّة العريقة والمتأثّرة بتجربة الحرب العالميّة الأولى، فإنّ العامل المحدّد هي الإرادة السّلميّة. وإزاء تلك الغزوات الهتلريّة، انقسم معسكر السّلام بصفة هائلة: فبالنّسبة إلى البعض كان هتلر يطبّق حقّ الشّعوب في تقرير مصيرها، بينما اعتبر الآخرون أنّ تلك العسكرة وذاك النّهم للضّمّ يثيران القلق إلى أقصى درجة.

النّازيّة هي نتاج كارثيّ للهمجيّة الأوروبّيّة، وصادرة في الأمّة الأكثر ثقافة في أوروبّا. إذن، فالشّعراء الكبار مثل ﭭـوته، والموسيقيون العظام مثل بيتهوفن، والتّقاليد الدّيمقراطيّة الّتي كانت موجودة قبل الحرب العالميّة الأولى بوقت طويل، لا يكفون وحدهم لاحتواء الهمجيّة. هذه الحقيقة كثيرا ما أثارت العقول، ولكن لا يجدر بنا الوقوف كثيرا عندها. على الأقلّ ليس إلى حدّ نسيان أنّ السّتالينيّة والفاشيّة والنّازيّة، وإن نشأت حقيقة من الحضارة، بما فيها من منتجاتها المبتكرة، فهي لا تظهر إلاّ من شروط تاريخيّة محدّدة. إنّها أساسا نتائج الحرب العالميّة الأولى. فلو كانت الظّروف أخرى مع قليل من المصادفات السّعيدة ربّما، لكان من الممكن أنّ نفس المنابع الحضاريّة تستطيع تجنّب الشّموليّة. لو لم تكن الحرب العالميّة الأولى لما وجدت الشّيوعيّة ولا الفاشيّة ولا النّازيّة. ولولا أزمة 1929 لما حقّقت النّازيّة نجاحات سياسيّة سنة 1933. إنّهما الحرب والأزمة اللّتان حملتا هتلر إلى السّلطة. فالنّازيّة إذن هي نتاج متأخّر للحرب العالميّة الثّانية، مثلما أنّ الشّيوعيّة هي نتاج فوريّ. وهما معا، كانا منتجين متعاونين للحرب العالميَة الثّانية. حين رأى ستالين في الواقع أنّ الغربيين كانوا يرضخون لهتلر في ميونيخ، صار في الأخير يخشى أن يتّفقوا على إطلاق يديه، فاستبق هو الأحداث ووقّع الميثاق الألمانيّ- السّوفييتيّ مع هتلر بواسطة ريبّنتروب. وبمقتضى هذا الميثاق، ستهجم ألمانيا على بولونيا، ولكنّه يتضمّن أيضا عددا معيّنا من الشّروط منها احتلال الإتّحاد السّوفييتي لقسم من بولونيا وسيطرته على بلدان البلطيق ليتوانيا واستونيا ولاتونيا. وبفضل هذا الاتفاق، صارت يدا هتلر مطلقتين في الشّرق وبإمكانه أن يطلق حربه الخاطفة على بولونيا. وبعد ذلك، كانت الحملة على فرنسا والتّدمير الكلّيّ للجيش الفرنسيّ. إنّ التّحالف بين الشّموليتين هو الّذي أشعل فعلا الحرب العالميّة الثّانية.

لنتناول الآن المسألة الشّهيرة المتمثّلة في التّقويم المتبادل للشّموليتين الهتلريّة والسّتالينيّة. يمكننا أن نلاحظ منذ البدء فرقا بديهيّا بينهما في الأسس الإيديولوجيّة لهذين النّظامين. فالإيديولوجيا الشّيوعيّة هي أممية كونيّة وتنادي بالمساواة. أمّا الإيديولوجيا النّازيّة فهي عنصريّة. إنّ أوراق النّازيّة قد أسقطت أرضا منذ « كفاحي »، في حين أنّ الإيديولوجيا الأخويّة للشّيوعيّة، المبيّنة في الإنجيل الّذي هو البيان الشّيوعيّ لماركس، قد وارت طويلا جرائم الشّموليّة السّوفييتيّة. حتّى أنّ الملايين من البشر كانوا يظنّون أنّ السّوفييت أحرار وسعداء. هناك نقطة أخرى للمقارنة تتعلّق بالقوميّة، وهنا أيضا سيرغب الكثيرون في اعتبار أنّ هذه النّقطة تظهر فرقا في الهمجيّة، فهي تبدو أقلّ في النّظام السّوفييتيّ. صحيح أنّ القوميّة هي منبت النّازيّة، بينما الأمميّة هي أساس الثّورة السّوفييتيّة. في القوميّة النّازيّة، يلعب العداء لليهوديّة دورا جوهريّا. وقد كان بمثابة الملاط لذاك الشّعور القوميّ، وفقا لمنطق كبش الفداء الّذي تحدّث عنه رينيه جيرار. بيد أنّ الأمميّة لم تكن غائبة في النّازيّة. ففي نهاية الحرب، كان هناك توجّه أوروبّيّ للـ س.س: فبعضهم كان نورفيجيّا، وبعضهم فرنسيّا، الخ. كانوا يتقاسمون أسطورة أوروبّا القوميّة- الاشتراكيّة، ولكن دائما على أساس عنصريّة الإقصاء، حيث سيتمّ إبعاد جميع العناصر المتنافرة.

بما أنّ الشّموليّة السّوفييتيّة لا وجود في منشئها لأساس قوميّ، فإنّ نصيب العداء لليهوديّة كان منعدما فيها في البداية. فقد كان في داخل الحزب البلشفيّ عدد مهمّ من اليهود، بدءا بتروتسكي. من جهة أخرى، فإنّ التّحرير، مع الفظاعة الّتي سيتمّ الكشف عنها باكتشاف معسكرات الإبادة، سيمنع مظاهر الرّفض الّتي بدأت في الظّهور. ولكن شيئا فشيئا، سيقع تهميش اليهود في صلب الكومنترن (بل إنّ ستالين كان ينوي نفيهم إلى سيبيريا على إثر المكيدة المزعومة لأصحاب « البدلات البيضاء »)، وأثناء الحرب الباردة، لم يعد العداء لليهوديّة، والتّنديد بـ « المواطنة العالميّة اليهوديّة » من الأمور الّتي تخفى. وهكذا نرى، على الأقلّ على مستوى همجيّة التّعصّب وإقصاء الآخر، أنّ النّظامين، رغم الاختلاف الشّديد بينهما في الطّموحات، ينتهيان إلى التّلاقي. أمّا فيما يخصّ الهمجيّة الاستئصاليّة، فسأتحدّث عنها لاحقا، مع أنّه بوسعي القول منذ الآن أنّ الأمور هنا أيضا قابلة للمقارنة.

ينبغي الآن طرح مسألة العنصريّة النّازيّة ومحاولة فهمها. إنّ الجمع بين القوميّة والعنصريّة ليس بالتّأكيد بدعة نازيّة. ففي القوميات المتهيّجة والفظّة توجد أصول عنصريّة. حتّى في أسبانيا المستعادة، نجد، كما حاولت تبيينه، موضوع نقاوة الدّم. بيد أنّه لكي يكون بإمكاننا الحديث عن عنصريّة، لا بدّ من أن يظهر تصوّر عرقيّ مشرّع له، ومسوّغ من الأنتروبولوجيا العلميّة. لكنّ الحاصل هو أنّ العلم الأنتروبولوجيّ، دون أن يكون نازيّا، قد أصرّ طويلا على أنّ الأجناس تختلف نوعيّا، مؤكّدا بذلك على سموّ بعضها على البعض الآخر. وأتذكّر أنّه في كتب الجغرافيا الموجزة زمن طفولتي، كان الجنس الأبيض يعرّف بخصاله السّامية، في حين أنّ « السّود » كانوا يقدّمون باعتبارهم كسالى وبليدين، أمّا « الصّفر »، فهم ماهرون وماكرون. وفي تغنّي كيبلنغ Kipling بالرّجل الأبيض استحضار لهذه العنصريّة الكامنة.

ثمّة نوع من الأنتروبولوجيا كتلك الّتي مثّلها جورج فاشي لابوج Georges Vacher Lapouge ( 1854- 1936 ) توسّع في مبحث تفوّق « الجنس الآري » وذلك منذ القرن التّاسع عشر. ونعلم أنّ ﭭوبينو Gobineau كان قد أيّد بدوره ذلك التّفوّق وأنّه قد أثّر بواسطة فاﭭنار Wagner في هتلر. كما أنّ تشمبرلاين Chamberlain الّذي ألّف سنة 1899 كتاب « حقائق القرن التّاسع عشر » زعم أنّه قد فسّر علميّا التّفوّق العرقيّ للآريين. وقد بنى نظريّة لعنصريّة لم تكن بعد قائمة على التّراتبيّة بشكل منهجيّ. وهو مع ذلك من أدخل مقياس نقاوة الدّم في التّعريف بالجنس الآري، معتبرا اليهوديّ ذا دم مختلط، وبالتّالي أدنى من النّاحية البيولوجيّة. وشيئا فشيئا، اتّخذت الأمور منحى خطيرا جدّا، بأن قفزت اللاّساميّة (العرقيّة) على معاداة اليهوديّة (الدّينيّة). صحيح أنّ معاداة اليهوديّة كانت عنيفة وهمجيّة، ودفعت إلى ارتكاب مذابح وإعدامات بلا انقطاع، ولكن بما أنّها كانت تضع البعد الدّينيّ في المقام الأوّل، فإنّ اليهود الّذين تنصّروا عن اقتناع كانوا بمأمن من ذلك. أمّا معاداة السّاميّة، فهي موقف رافض لليهوديّ باعتباره ينتمي إلى عرق آخر.

معاداة السّاميّة تحارب ما تفترض أنّه انحراف جذريّ وعرقيّ في اليهود. فهذا العرق الفاسد حامل لفيروس يهدّد الماهيات القوميّة بالدّمار الكلّيّ. هكذا نرى كيف أنّ معاداة السّاميّة قد كانت بمثابة الوسيلة الهذيانيّة الّتي ستنقذ الماهيات القوميّة من خطر الانحلال والفساد. ضمن هذا المسار، من الأكيد أنّ الأفكار العنصريّة قد لعبت الدّور الهامّ الّذي أشرت إليه سابقا، ولكن لا يجب أن ننسى وزن العوامل التّاريخيّة والاقتصاديّة ومناخ الكارثة الإنسانيّة الّتي تسبّبت فيها الحرب العالميّة الأولى. سيكون الأمر سهلا جدّا لو أنّ الهمجيّة موجودة في الأفكار فقط.
نعلم جيّدا بأنّه قد كان هناك عداء فرنسيّ للسّاميّة انطلق بصفة خاصّة بمناسبة قضيّة دريفيس .Dreyfus وفي كتابه « فرنسا اليهوديّة »، يصوّر إدوارد دريمونDrumont Edouard اليهود على أنّهم عنصر شرّ تسلّل إلى المجتمع بأسره ووضعه في خطر. إنّ تلك القضيّة لم توقظ فقط الرّوائح الكريهة للهمجيّة، بل أيقظت أيضا تقليدا جمهوريّا وإنسانيّا عريقا سيسمح كفاحه المستميت بإثبات براءة دريفيس. وهكذا انتصرت فرنسا الدريفيسيّة على فرنسا المعادية للدّريفيسيّة. ولن يتحقّق الثّأر المعادي للدريفيسيّة إلاّ أثناء حكومة فيشي. إذن، فقد شهدت معاداة السّاميّة توقّفا أو بالأحرى نزاعا في فرنسا الجمهوريّة، على الرّغم من أنّ المعادين للسّاميّة لم يكفّوا عن هياجهم، وركّزوا جهودهم على اليهوديّ المتحرّر، المعترف به مواطنا، والمندمج مع المجتمع. فهو الأخطر في نظرهم لأنّه يبدو في الظّاهر مثل الآخرين ولكنّه ليس كذلك، إذ لديه « غرابة تثير القلق ». فكلّما كان اليهود شبيهين بالآخرين صاروا خطرا حاملا لكلّ ما من شأنه أن يتسبّب في تفكّك أمّة ما، فهم يهود- بلاشفة، وهم يهود- رأسماليون، وهم يهود- ماسونيون، الخ.

إزاء الهجمات المعادية للسّاميّة، وفي محاولة لتجاهلها أو مقاومتها، طوّر اليهود ثلاثة أنماط على الأقلّ من ردود الأفعال. أوّلها تجلّى عند أولئك الّذين كانوا يشعرون بأنّهم قد اندمجوا في المجتمع، ووجدوا أنفسهم داخل مقولة المواطن، ويساهمون في الوجود القوميّ مثل اليهود الألزاسيين أو الميديين من منطقة ميدي. لقد كانوا يعتبرون أنفسهم فرنسيين، بما أنّ فرنسا قد اعترفت بهم على هذا النّحو. ففرنسا لم تكن فقط وطن الـﭭوبينيين واللاّبوجيين والدّريمونيين، بل أيضا، وخصوصا، فرنسا الاندماج الّتي تدافع عن حقوق الإنسان والمواطن وانتصرت على مضطهدي دريفيس. رغم ذلك، كانوا يعيشون تمزّقا يجعلهم يشعرون بطريقة لاواعية في غالب الأحيان بالطّابع الضّيّق جدّا للإطار الوطنيّ. من هنا جاء النّمط الثّاني من ردود الأفعال: فالبعض طوّر بوعي نوعا من الماورا- قوميّة. فقد كانوا يشعرون بأنّ ما يحرّكهم هي إرادة تجاوز الأمّة. فهم من ناحية كانوا مقتنعين بأنّه ستوجد على الدّوام، في أيّ إطار قوميّ مهما كان، نزعات معادية لليهود ترفض وجودهم، ولميلهم الكونيّ من ناحية ثانية. إذ ستبدو لهم الأمميّة بمثابة الحلّ لتجنّب أخطار القوميّة. وستقوم الاشتراكيّة بتغذية الحلم بمجتمع آخر، وبعالم آخر. كان هذا الحلم حلم دون كيشوت، الّذي تخيّله المرّانيّ سرفانتيس. كانوا إذن بين قطبين: قطب الاندماج القوميّ من جهة، وقطب الأمميّة من جهة أخرى. غير أنّ ردّ فعل ثالثا أخذ يكبر ببطء حول القطب الصّهيونيّ. فالصّهيونيّة يعود أصلها جزئيّا إلى قضيّة دريفيس. فقد حضر صحافيّ مجريّ شابّ يدعى تيّودور هرتزل مراسم الحطّ من رتبة النّقيب دريفيس. اندهش ونقم على مناخ الكراهية المعادية للسّاميّة واستخلص من ذلك أنّه على اليهود أن يكفّوا عن البحث عن الاندماج وأن يوجدوا لأنفسهم دولتهم القوميّة الخاصّة بهم. وهكذا، سينشئ الصّهاينة بسرعة مستوطنات في فلسطين. وسوف تتوسّع هذه الحركة متخطّية المراحل نحو إنشاء دولة إسرائيل.

في الأثناء، ستحدث عمليّات الإبادة في ألمانيا خلال الحرب العالميّة الثّانية. والمفارقة هي أنّ الكثير من اليهود الألمان كانوا يحقّقون هويّتهم بقوّة في الأمّة الألمانيّة. فأثناء زيارة لي إلى حيفا في إسرائيل، تمكّنت من الالتقاء بمهاجرين من اليهود الألمان في مستوطنة كبيرة. ويبدو أنّ الكثير منهم قد بكى عند الإعلان عن هزيمة ألمانيا في ستالينغراد.

والآن، كيف نفسّر أو نحاول أن نفسّر الانطلاق الأخير للهمجيّة، همجيّة الإبادة بأتمّ معنى الكلمة؟ انطلاقا من سنة 1935، سنة إصدار القوانين اللاّساميّة الأولى، كان الأمر مقصورا على سلب اليهود وإنكار مواطنتهم ومنعهم من الزّواج بـ”الآريين”. سنة 1941، اكتملت الهيمنة النّازيّة على أوروبّا. فوقعت سلسلة من المذابح المحلّيّة الّتي ارتكبها ال س س تارة والجيش تارة أخرى. بموازاة ذلك، أنشأ النّازيون المعازل les ghettos مثل معازل فرصوفيا أو كراكوفيا. فمازالت الإرادة النّازيّة عازمة على طرد جميع اليهود خارج أوروبّا. وكانت فكرة ترحيلهم المكثّف نحو مدغشقر مطروحة. لذلك وقعت أبحاث في هذه الجزيرة للتّثبّت من أنّ الأراضي لم تكن تنطوي في باطنها على العديد من الخيرات. إنّ مشروع التّهجير الكثيف هذا يذكّرنا بذلك الّذي تعرّض له الموريسكيون في القرن السّابع عشر. غير أنّ المنعرج الّذي سيفضي إلى الحلّ النّهائيّ الاجتثاثي يقع بين أواخر سنة 1941 وبداية سنة 1942. ففي سبتمبر 1941، لم يستطع الجيش الألمانيّ الّذي أعاقه قدوم الشّتاء مبكّرا وقاسيا جدّا الدّخول إلى موسكو. في الأثناء، قام ستالين وكان قد أعلمه جاسوسه ريشار سورج بأنّ اليابانيين لن يهاجموا سيبيريا بإعادة قوّاته العسكريّة من الشّرق الأقصى. وسلّم قيادة جبهة موسكو إلى يوكوف Joukov النّاجح جدّا. وفي 6 ديسمبر 1941 بدأ الهجوم السّوفييتيّ المضادّ الّذي سيستمرّ من جانفي حتّى أفريل وسيدفع بالجنود الألمان إلى مسافة 350 كلم في اتّجاه الغرب. كان ذلك أوّل تقهقر عسكريّ يتعرّض له هتلر. في 7 ديسمبر، هاجم اليابانيون بيرل هاربر ودخلت الولايات المتّحدة الحرب. وللمرّة الأولى أدرك هتلر أنّ الهزيمة محتملة. لهذا، يكون تأويلا معقولا افتراض أنّه كان يريد تجنّب أن تصبح الهزيمة النّازيّة انتصارا لليهود. فقرّر تصفيتهم. تمّ وضع الحلّ النّهائيّ في 20 جانفي 1942. ومنذ ربيع 1942، بدأ التّهجير والتّقتيل المكثّفين لليهود. صحيح أنّ وصف أوشويتزAuschwitz كان كامنا في “كفاحي” وأنّ عنصريّة النّازيّة شديدة الهيجان كانت تنطوي بداخلها على الاجتثاث. غير أنّه كان ينبغي انتظار ذروة الحرب العالميّة الأولى وشبح الهزيمة ليتمّ تنفيذها في الواقع وبطريقة منهجيّة.
علينا ألاّ ننسى أنّ الكراهية العنصريّة والرّغبة الاجتثاثيّة لدى النّازيين لا تنحصر في اليهود فقط. فلئن تمّ القضاء على اليهود بتعلّة الفساد وعدم نقاوة الدّم، فإنّ الغجر والرّوم سيقتلون باعتبارهم “حثالة” لا بدّ من القضاء عليها، وسيقتل المتخلّفون عقليّا بدعوى أنّهم غير جديرين بالانتماء إلى العرق الآري. أمّا السّلاف، فحتّى وإن لم يحكم عليهم صراحة بالإبادة، فقدرهم على أيّة حال أن يكونوا مستعمَرين ومستَغلّين.

نحن نعلم أنّ عمليّة إبادة اليهود هذه، والمصير الّذي وِضع لهم خصوصا في أوشويتز، قد تمّ السّكوت عليه أو تجاهله تقريبا في فرنسا ما بعد الحرب. وهناك سببان ممكنان لذلك. أوّلهما أنّ عدد المبعدين السّياسيين في فرنسا كان 86000 وعدد المنفيين اليهود فيها كان 75000. في حين أنّ نسبة المهجّرين اليهود في البلدان الأخرى كانت ما بين 60% و70%، وهو ما يمثّل نسبة مئوية أكبر بكثير. وفي بلغاريا نجد أنّ عدد اليهود في نهاية الحرب أكثر منه في نهايتها. فلماذا لم يتأثّر كثيرا هذا البلد ومعه فرنسا وحدهما بما حدث في غيرهما؟ ففي بلغاريا وبسبب الضّغط الّذي مارسته الأنتلّيجنسيا البرلمانيّة رفض الملك السّماح لهتلر بتهجير يهود بلده. أمّا في فرنسا فإنّ القناعات الجمهوريّة والإنسانيّة جعلت الكثير من المواطنين يخفون يهودا عندهم كما أنّ المقاومة وفّرت لهم هويّات مزيّفة. وأغلب اليهود المبعدين من فرنسا لم يعودوا اليها. وعندما تأسّست الجامعة الوطنيّة للمنفيين العائدين الوطنيين FNDIRP قامت بإعادة ضمّ المبعدين والمعتقلين والمقاومين فيها. ولم يدرج اليهود المعتبرون « وطنيين » ضمن الجامعة على أساس أنّهم يهود.
في أيّامنا هذه، ينمو الاعتراف بإبادة اليهود في موازاة مع التّأكيد الذّاتيّ لهويّة يهوديّة تجد هي نفسها الدّعم من وجود إسرائيل. بشكل مطّرد، يستخدم ذكر الشّهيد اليهوديّ المكابد في أوشويتز لحماية إسرائيل بطريقة ما من أولئك الّذين يعتبرونها مضطهدة للفلسطينيين. فأثناء الاحتفال بذكرى تحرير أوشويتز يوم 27 جانفي 2005 عاينّا نوعا من العرض المضخّم لصورة الشّهيد اليهوديّ، متناسين الغجر والسّلاف والمقاومين. وقد لفت الانتباه إلى هذا العرض المضخّم كلّ من آنّات فيفيوركا وسيمون وايل. فقد ذكّرت الأولى في كتابها « أوشويتز بعد ستّين سنة » بتركيبة المعتقل: معتقلون سياسيون، مجرمون، مثليون جنسيون، شهود يهوذا Jéhovah، أسرى حرب سوفييت، يهود. كما أنّها ذكرت الصّعوبات الّتي تواجه تمرير صفة « جريمة ضدّ الغجر ».
بالمقابل، كان تأثير تلك الاحتفاليّة المركّزة حصرا على الشّهيد اليهوديّ أن طالب السّود سواء في مارتينيك أو في إفريقيا السّوداء بالاعتراف بالهمجيّة المتمثّلة في العبوديّة. أمّا فيما يتعلّق بالجزائر، فقد اعترفنا بصفة متأخّرة بمجزرة سطيف. لقد اقترف الطّرفان أثناء حرب الجزائر مجازر، ولكنّ فرنسا تحديدا هي الّتي كانت تخضع الجزائر لوصاية الاحتلال. من هنا تطالب الجزائر بدورها فرنسا بالاعتراف.
باستطاعتنا القول إذن إنّ ما يطفو على سطح وعينا، من خلال تذكّر ضحايا النّازيّة وكذلك من خلال تذكّر عبوديّة السّكّان الأفارقة المبعدين وتذكّر الاضطهاد الاستعماريّ، هي همجيّة أوروبّا الغربيّة الّتي تجلّت في الاستعباد وفي إخضاع الشّعوب المحتلّة. ليست النّازيّة إلاّ أعلى مراحل الهمجيّة الغربيّة، النّازيّة الّتي كانت تقاتل الأعراق الّتي تعتبرها دنيا وفاسدة وغير خالصة: السّلاف باعتبارهم أدنين، والغجر غير خالصين، واليهود في الآن نفسه غير خالصين وأدنين ومنحرفين. ولكن، لا ينبغي لنا أن نفصل الشّهداء اليهود عن سائر شهداء الهمجيّة.

في النّهاية، أودّ أن ألحّ على فكرة أنّه من الضّروريّ أن نتجنّب الانغلاق في فكر أحاديّ القطب، أي في فكر يطغى عليه قطب اهتمام وحيد على حساب الأقطاب الأخرى. فان ركّزنا اهتمامنا كثيرا على أوشويتز فقط نكون قد جازفنا بالتّهوين عن مكر ممّا حدث للكولاك وبالسّكوت على همجيّات أخر. على أنّنا حتّى لو اكتفينا بالعامل الكمّيّ فانّ عدد القتلى الّذين تسبّب فيهم النّظام المتمركز السّوفييتيّ كان أكثر بكثير. فالكولاك دامت فترة أطول من فترة الإبادة النّازيّة الّتي بدأت سنة 1942 وانتهت في بداية سنة 1945. زد على ذلك أنّ هذه الأخيرة قد انتهت في مذبحة قطفت بطريقة تراجيديّة خلال أيّام معدودة أرواح النّاجين. فحمّى التّيفوس والسّير الطّويل المنهك تحت قيادة الـ س.س هربا من تقدّم الحلفاء كانا قاتلين بشكل شنيع. وعندما وصل الحلفاء إلى أبواب داخو Dachau رأوا أكداسا من الجثث. فخيّل لهم أنّ فظاعة النّازيّة كانت محدودة في تأثير هذا التّكديس للأجسام. وسبب ذلك في الحقيقة هو أنّ آلة الإبادة والتّصفية كانت قد توقّفت عن العمل. فالأفران لم تعد تشتغل والجثث تكدّست. غير أنّ الفظاعة رغم ذلك لا تتعلّق فقط بتكديس الجثث بقدر ما تتعلّق بكيفيّة اشتغال آلة الموت المتقنة تلك. لا ينبغي لصورة ما مهما كانت بليغة وشنيعة أن تخفي عنّا الحقيقة. ولكنّ هذا أحيانا ما يحدث. فالإبادة الجماعيّة لليهود تبدو لنا أكثر فظاعة من التّصفية الكثيفة في الكولاك، الّتي ليست لدينا عنها صور وتمّ إخفاؤها لمدّة طويلة. أشير إلى كلّ هذا لأقول إنّ النّزوع إلى إنكار الكولاك مقابل ذكر أوشويتز أو العكس بطبيعة الحال لا معنى له بكلّ تأكيد. لنكن حذرين إذن من الهمجيّة الذّهنيّة الّتي في سبيل أن تلطّف من جرائم السّتالينيّة بوعي أو دون وعي تجعل من الهتلريّة الفظاعة الأعلى والمطلقة.

ما يجب أن تفضي إليه التّجارب المأساويّة للقرن العشرين هي مطالبة إنسانيّة جديدة: فليتمّ الاعتراف بالهمجيّة بما هي هي دون تبسيط أو تزوير من أيّ نوع. ليس المهمّ هو النّدم بل هو الاعتراف. ولا بدّ لهذا الاعتراف أن يمرّ عن طريق المعرفة والوعي. يجب أن نعرف ما وقع فعلا، ويجب أن نعي بتعقّد هذه المأساة العظيمة. ولا بدّ أن لهذا الاعتراف أن يشمل جميع الضّحايا من يهود وغجر ومثليين جنسيين وأرمن والمحتلّين في الجزائر أو في مدغشقر. أنّها ضروريّة إذا أردنا أن نتجاوز الوحشيّة الأوروبّيّة.
لا بدّ أن نكون قادرين على التّفكير في الهمجيّة الأوروبّيّة في سبيل تجاوزها، ذلك أنّ الأسوأ مازال ممكنا. ففي قلب صحراء الهمجيّة المتوعّدة نحن الآن في حماية نسبيّة لواحة. بيد أنّنا ندرك أيضا أنّنا نعيش في ظروف تاريخيّة سياسيّة اجتماعيّة تجعل من الأسوأ مرتقبا، وبالخصوص خلال الفترات العصيبة.
إنّ البربريّة تهدّدنا، حتّى خلف الاستراتيجيات نفسها الّتي نحسب أنّها تواجهها. وأفضل مثال على ذلك هي هيروشيما. لقد تحدّثت طويلا عن أوشويتز وعن الكولاك، ولكن يجب ألاّ ننسى هيروشيما. إنّ الفكرة الّتي أدّت إلى هذه الهمجيّة الجديدة هو المنطق الظّاهريّ الّذي يضع على كفّتي الميزان مائتي ألف قتيل تسبّبت فيهم القنبلة من جهة ومليونين بمن فيهما خمسمائة ألف من فرق التّدخّل من جهة أخرى كان يمكن أن تذهب أرواحها ثمنا لاستمرار الحرب بالوسائل الكلاسيكيّة- هذا لو حسبنا على الأقلّ انطلاقا من تعميم الخسائر المتكبّدة عند الاستيلاء على أوكيناوا فحسب. بجدر بنا القول أوّلا إنّ هذه الأرقام قد وقع تضخيمها عمدا، كما لا يجب علينا خصوصا أن نخشى إبراز عامل حاسم لعب دورا في اتّخاذ قرار اللّجوء إلى القنبلة الذّرّيّة. ففي عقل الرّئيس ترومان والعديد من الأمريكيين لم يكن اليابانيون سوى جرذان، أنصاف بشر، كائنات دنيا. إضافة إلى ذلك، لدينا ها هنا عمل حربيّ يتضمّن مقوّما إضافيّا من مقوّمات الهمجيّة: انّه التّقدّم العلميّ الباهر الموضوع لخدمة مشروع تصفية تقنيّ علميّ لقسم من البشريّة. إنّي أكرّرها، الأسوأ مازال ممكنا.
اذن، ما يجب علينا أن نتجنّبه بأيّ ثمن فيما يتعلّق بأوروبّا هو الإحساس بالرّضا لأنّه إحساس خاطئ دائما. لابدّ لعمل الذّاكرة أن يحمل إلينا وسواس الهمجيّة: الاستعباد، تجارة السّود، الاستعمار، العنصريّة، الشّموليّتان النّازيّة والسّوفييتيّة. هذا الوسواس، حين يندمج ضمن فكرة أوروبّا، يجعلنا ندمج الهمجيّة في الوعي الأوروبّيّ. انّه شرط لا غنى عنه إذا أردنا أن نتغلّب على الأخطار الجديدة للهمجيّة. ولكن، بما أنّ الإحساس بالرّضا هو أيضا إحساس خاطئ، فما نحتاجه هو وعي مزدوج. ضمن الوعي بالهمجيّة لابدّ أن يندمج الوعي بأنّ أوروبّا تصنع من خلال النّزعة الإنسانيّة والتّوجّه الكونيّ والصّعود المطّرد لوعي كونيّ مضادّات همجيّتها الخاصّة بها. ذاك هو الشّرط الثّاني لقهر المخاطر الحاضرة دائما المتمثّلة في همجيّات جديدة وأسوأ.
لا شيء غير قابل للانتكاس ولابدّ للشّروط الدّيمقراطيّة الإنسانيّة أن تتجدّد باستمرار، وإلاّ فإنّها تنحلّ. تحتاج الدّيمقراطيّة على الدّوام إلى أن تعيد خلق نفسها. إنّ التّفكير في البربريّة هو إسهام في إعادة إحياء البشريّة. هو إذن مقاومة لها.

Penser la barbarie du XXe siècle ، هو الفصل الثّالث والأخير من كتاب Culture et barbarie européennes لأدغار موران. وقد سبق أن نشرنا الفصل الأوّل منه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This