في الثقافة الدينيّة اليهوديّة
من غير الموضوعي أن لا نصف التراث الثقافيّ- الدينيّ اليهوديّ بأنّه أحد أعظم ما أنتجت المخيّلة البشريّة على مرّ العصور. بل يمكن لهذا التراث، إذا ما أردنا الحديث بجديّة الحياديّ، أن ينافس في غناه وتنوّعه وقدمه بعضاً من رموز التحضريّة العالميّة، كثقافة اليونان في الغرب والحضارة الهندوسيّة العظيمة في الشرق. مع أنّ الاختلافات بين الحضارات الثلاث غير عصيّة على التلمّس. فما أهميّة التراث الثقافيّ- الدينيّ اليهوديّ من منظور بحثيّ؟
قبل أن نتوقّف باختصار حول أهميّة هذا التراث، لا بدّ أن نشير باختصار أيضاً إلى العوائق التي تحول بين المسلم عموماً والعربي المسلم على نحو خاصّ وبين مقاربة هذا التراث دون شروط مسبقة:
1 – من بحوثنا التي استمرّت نحواً من ربع قرن، بدا لنا أنّ العدائيّة المجانيّة التي يظهرها نبيّ المسلمين لليهود غير خافية على أحد، لا في القرآن الكريم ولا في ممارسات النبيّ أو أقواله. لقد حاول نبيّ المسلمين كسب ودّ اليهود، برأينا، طمعاً منه في أن يدخلوه في سلسلة أنبيائهم؛ ولمّا كان الرفض الطابع اليهوديّ العامّ في مواجهة الطلب المحمّدي، كان لا بدّ أن يثأر النبيّ لكرامته من هؤلاء، ويبدأ بسلسلة ممارسات ضدّهم، بدأت بتحويل القبلة عن بيت ها-مقداش ( بيت المقدس أو هيكل سليمان، باعتبار أنّ المسجد الأقصى بني بعد وفاة النبي بزمن ليس قصيراً، وتمّ اقتطاع نصّ من السورة 17 وإلصاقه بهذا المكان لإعطائه صبغة قدسيّة )، ولم تنته بطردهم شرّ طردة من يثرب، وقتل من أنبت منهم وسبي نسائهم، اللاتي انتقى منهنّ النبيّ ذاته أجملهنّ، صفيّة بنت حيي واختارها لنفسه. ومن بحوثنا غير المتوقّفة في هذا المجال، يبدو أنّ النبي ومن بعده خلفائه كانوا يحضّون على نوع من الرفضيّة غير العقلانيّة لكلّ ما هو يهوديّ، لأنّ أيّ اطلاع مقبول على ثقافة العبرانيين لا بدّ أن يكشف دون لبس المصادر الأصلية للتراث الإسلامي، مقدّساً كان أم شبه مقدّس.
2 – رغم بعض أيّام العسل النادرة في العلاقة بين الإسلام واليهوديّة، يبدو أنّ التشنّج العدوانيّ كان المعيار في علاقة الطرفين. وزاد الطين بلّة ظهور القوميتين، زمن القوميّات، العربيّة التي اعتمدت الإسلام عموماً قاعدة تعمل على أساس منها، والصهيونيّة التي اعتمدت اليهوديّة- الربانيّة مرجعاً أيديولوجيّاً لبناء دولة الأرض الموعودة للعبرانيين. واحتدم الصراع بعد أن اختارت الصهيونيّة – دون مبرّر أخلاقيّ من منظور علمانيّ على الأقلّ – فلسطين وطناً تجمع فيه يهود الدياسبورا بعد كارثة النازيّة.
عودا على بدء، يمكن القول إنّ دور اليهود كان غير عاديّ في تاريخ الثقافة البشرية؛ وأسباب ذلك كثيرة، نذكر منها:
1- شئنا أم أبينا، فقد حفظ اليهود للعالم كمّاً لا يجارى من أساطير الشرق الأوسط. فقصص الخليقة، الطوفان، الخروج وغيرها – كلّ ذلك أساطير شرق أوسطيّة ( وفق حدود علمنا ) تبنّاها اليهود عن جيرانهم، بعد أن أسبغوا عليها طابعهم الدينيّ الأخلاقيّ.
2- في التراث الدينيّ اليهوديّ المتواصل دون انقطاع تقريباً، نجد صور الحياة في هذه المنطقة الغنيّة للغاية بتعدّديتها ونظمها وتغيّراتها المتوقّعة أو المفاجئة. التلمود، على سبيل المثال، والذي يندر أن تجد عربيّاً أو مسلماً إلا شتمه دون أن يعرف كنهه – هو العمل الموسوعيّ الأهمّ، الذي ينقل صوراً رائعة من تاريخ سوريّة الكبرى، منذ أزمنة البابليين حتى ما بعد المسيح الناصريّ بزمن لا بأس به.
3- لقد قدّم اليهود للعالم أحد أهمّ اكتشافاتهم على مرّ العصور: الإله المجرّد، جرثومة استمرارية غريزة الماوراء عند الكائن البشريّ المتعطّش حتى الظمأ إلى وجود ما بعد الموت. إنّ السبب الأوحد لاقتصار التراث اليونانيّ العظيم على دوائر نخبويّة بعينها، في حين تعرف اليهوديّة بشكليها العبرانيّ والعربيّ ( عبر الإسلام ) اتساعاً لا سابق له خاصّة في غير صفوف النخبة، هو العقل. فقد ارتأى اليونانيّون عموماً أنّ دور الثقافة في نسختها الفلسفيّة إطلاق سراح العقل من قيود الغريزة، خاصة غريزة حبّ البقاء كفرد، في حين سخّر اليهود ومن ضمنهم المسلمون العقل لصالح غريزة الماوراء.
حتى الآن لا يوجد في الدوائر الثقافيّة العربيّة ما يشير إلى أنّ مثقّفي الضّاد وصلوا إلى الدرجة الأولى في سلّم المقاربة العقلانيّة الحياديّة للتراث الثقافيّ- الدينيّ اليهوديّ. وقد شهدت قبل سنوات موقفاً لم يميّز فيه صاحبه، الذي يعتبرونه مؤرّخ سوريّا، بين الأسفار القانونيّة الثانية للعهد القديم ونصوص الأبوكريفا-المنحولة. مع أنّه الأجدر بنا، حتى من منطلق “اعرف عدوّك”، أن نحاط علماً كباحثين بتراث ضخم لشعب قريب، أعجبنا هذا الواقع أم آلمنا.
في النصوص التالية نقدّم سلسلة مقالات تعرّف بالتراث اليهودي. نبدأ ذلك بالنص الأبوكريفي-المنحول المسمّى عهد موسى. وهذا النصّ، وإن كتب من قبل أحد اليهود في حقبة هامّة من تاريخ العبرانيين، فهو غير معتبر قانونيا أو مقدّسا؛ ودوره بالتالي أدبيّ- تاريخيّ- نقد دينيّ. ومن هذا النصّ يمكن الانطلاق إلى مقارنات بينه كنتاج عبرانيّ، وبين بعض نصوص العهد الجديد، وهو ما يشكّل رافداً هاماً للرأي الذي يرى أنّ العهد الجديد لم يكن نتاجاَ يونانيّاً صرفاً (في محاولة نسب المسيحيّة للغرب)، بل هو وعاء صهرت فيه تيّارات معرفيّة من الغرب والشرق على حدّ سواء.
في النصّ الذي يعقبه، نقدّم خليطاً مترجماً تُشرح فيه فقرات عهد موسى. هذا الشرح هامّ لأنه يسلّط أضواء كثيرة على لحظات غامضة من تاريخ المنطقة. إضافة إلى ما سبق، فالتفسير على قصره وقلة صفحاته، يمكن أن يعطينا درسا في طريقة مقاربة النصوص المقدّسة أو شبه المقدّسة أو التي تحكي عن شخوص مقدّسين، فالقداسة لا يمكن أن تعصب عين العقل في النظر إلى الأسطر التراثيّة عبر موشور الحداثة النقديّة.
في النص القصير الذي تعمّدنا تقديمه، استعرضنا باختصار نصّين مدراشيين يتناولان الشخصيّة المقدّسة ذاتها: موسى. وكان الهدف الجليّ من هذا الاستعراض المختصر، محاولة إيضاح الفرق بين ما هو توراتيّ وما هو مدراشيّ وما هو أبوكريفيّ- منحول. قداسة التوراة لا لبس فيها في اليهوديّة التقليدية ( في نسختنا عن التراث اليهودي التي أنتجتها جامعة بار إيلان، ثمّة سطر واحد يتكرّر في كلّ صفحة: هذا النص مقدّس، تعامل معه باحترام )، وكذلك المدراش؛ أمّا الأبوكريفا- النصوص المنحولة فمسألة أخرى. مع العلم أنّ التيارات العقلانيّة اليهوديّة، التي يمكن اعتبارها الغالبيّة العظمى في عالم الأكاديميا اليهودي، تتناول أقدس مقدّسات التراث اليهوديّ بالطريقة الموضوعيّة ذاتها التي تتناول بها أيّة فكرة علمانية حديثة.
