ربّ صدفة تنهي ثورة علمية!
لعلّ المثل الشائع الذي يقول: “ربّ صدفة خير من ألف ميعاد” يجد أبرز تطبيقاته وأوضح تجلّياته في مجال الاكتشافات العلمية، منذ حمام أرخميدس إلى تفاحة نيوتن، إلى عشرات الأدوية التي تكتشف فائدتها في علاج مرض ما على هامش تجريبها أو استخدامها في معالجة مرض آخر مختلف، وصولاً ـ وليس انتهاء ـ إلى اكتشاف حديث جداً ـ بالصدفة المحضة ـ أطلق عليه مبدئياً اسم “أنابيب الكربون العملاقة”، وهي تهدّد ـ إذا ترسّخت قيمتها العلمية والعملية ـ بانتهاء عصر ما اصطلح على تسميته “ثورة النانو”، التي يقصد بها تطبيقات أنابيب الكربون من القياس الصغير جداً (النانو) في مجالات متنوعة جداً جداً.
وقد حفلت الدوريات والمجلات والمواقع الالكترونية العلمية في السنوات الأخيرة، بالعديد من المقالات والأبحاث التي تتناول تقنية النانو وأنابيب النانو والثورة النانوية، وقد شغل هذا الموضوع العلماء والباحثين والمهتمين على مدى سنوات، قبل أن تخفّ حماستهم تدريجياً ويتسلّل الملل والسأم إلى نفوس الكثيرين منهم، وذلك بسبب محدودية النتائج والنجاحات التي حققتها تقنية النانو، بعكس ما كانت تعد وتبشّر به في بداياتها. ولعلّ جميع الذين ملّوا وتعبوا وسئموا من وعود النانو التي لم تتحقّق، أو تحققت بشكل أقلّ من المرجوّ، يشعرون بشيء من العزاء والأمل إزاء هذا الاكتشاف الحديث الذي يظهر وجود خييطات أضخم وأقوى وأكثر مرونة وعمليّة من أنابيب النانو، وهي يمكن أن تكون كل شيء إلا أن تكون نانو، على الرغم من أنّ اكتشافها جاء بالصدفة على طريق النانو، حيث كان فريق من الباحثين يعملون بجدّ لتطوير أنابيب النانو لتغدو أفضل وأطول، ولكن ظهرت لهم بشكل عرضيّ وغير متوقّع وغير محسوب خييطات كربون أثخن من النانو بعشرات آلاف المرات، ولها نفس قوتها ومتانتها، وقد عُمّدت الأنابيب الجديدة باسم: أنابيب الكربون العملاقة colossal carbon tubes. ونشرت الدراسة المتعلقة بها في دورية Physical Review Letters .
وفي التفاصيل، بدأت القصة في مختبر لوس ألاموس الوطني في مدينة نيومكسيكو، حيث كان عالم العناصر هوشينغ بينغ Huisheng Peng وشركاؤه يعملون على تطوير أنابيب النانو الكربونية التي لها قوّة استثنائية، ولكنها تفتقر في حالات كثيرة للطول المناسب لبعض الاستخدامات، أو لإمكانية إدراجها داخل ألياف أكبر. وقد حاولت مختبرات عديدة في كل أنحاء العالم استحداث أنابيب نانو أطول أو ربط الأنابيب ببعضها، لأنّ ألياف أنابيب النانو الطويلة يمكن أن تقود إلى منتجات مستقبلية هامّة، مثل القمصان المضادّة للرصاص فوق الضوئية، أو حتى أسلاك يمكن أن ترفع شحنة أو حمولة في الفضاء بكلفة لا تتجاوز جزءاً صغيراً جداً من كلفة مركبة فضائية. إلا أن جميع تلك المحاولات باءت بالفشل أو على الأكثر حظيت بنجاح جزئيّ غير مكتمل.
وفي إحدى محاولاتهم المتكررة قام بينغ وشركاؤه في لوس ألاموس بإحداث تغييرات داخل فرن مفرغ، وكانت غايتهم تنمية “غابة” من أنابيب نانو طويلة من غاز الكربون. ولكن المفاجأة وقعت عندما فتح بينغ باب الفرن المختوم، حيث رأى مشهداً يمكن تشبيهه بأرضية صالون لحلاقة الشعر: شعر أسود رفيع مبعثر في كلّ مكان.
يقول بينغ الذي انتقل حديثاً من جامعة فيودن في شنغهاي في الصين إلى لوس ألاموس:”أعلم أن أنابيب النانو الكربونية لا يمكن مشاهدتها بالعين المجردة، وقد ظننت في البداية أن ما أشاهده هو أنابيب نانو كربونية ربطت إلى بعضها البعض”. ولكن الفحوص المخبرية لتلك الخييطات المستحدثة، التي يمكن أن يصل طولها إلى سنتيمترات وثخانتها إلى عُشر الميليمتر، أظهرت بما لا يقبل الشك أنها ليست أنابيب نانو، بل هي ذات بنية جديدة ومغايرة كلياً لكل ما هو مألوف، رغم أنها ـ وفق معطيات الأشعة السينية X ـ مؤلفة من ذرات كربون مشابهة لتلك التي في أنابيب النانو، وتلك الذرات مرتبة في شبكات سداسية متماثلة بشكل مشابه للأسلاك الأثخن. ولكن بدلاً من أن تكون تراكيب أسطوانية بسيطة، تملك الأنابيب العملاقة طبقتين دائريتين متّحدتيْ المراكز. ويعتقد الباحثون أنّ كلّ طبقة تتكوّن من صفائح من الأسلاك الخفيفة الملفوفة بشكل السندويش على نحو متّصل، والجدران التي ثخانتها 100 نانومتر تربط الطبقتين وتقسم الفراغ بينهما إلى قنوات تمتدّ على كامل طول الأنبوب ـ مشابهة للثغرات داخل الورق المقوى (الكرتون) المضلع.
ومن المميزات التي ذكرها الباحثون للأنابيب الكربونية العملاقة أنها أقوى بثلاثين مرة من كيڤلر Kevlar لكل وحدة وزن (كيڤلر هو علامة تجارية لمواد مقوّاة تستخدم في الإطارات والقمصان المضادة للرصاص)، كما أنها أقوى بمرتين من أقوى الألياف المصنوعة من أنابيب النانو الكربونية، وهي كذلك مضيئة وناقلة جيدة للكهرباء، ومن السهل أن تلوى وتمد، مما يسهل استخدامها في التطبيقات العملانية.
ولم يسلم الباحثون إثر إعلان اكتشافهم هذا ـ كالعادة ـ من الانتقادات التي جاء أعنفها من لازلو فورو László Forró من معهد التقنية الاتحادي في لوزان في سويسرا، حيث عبر عن اعتقاده بأن الباحثين ربما اندفعوا في نشر نتائج أولية جداً، وأضاف : “إنها في هذه المرحلة مثل كتب الطهي. وهم بالأساس لا يعرفون أيّ شيء جازم حول بنية الأنابيب إلا التكهنات”.
وردّ الباحثون على فورو بالاعتراف على لسان كوانكسي جيا Quanxi Jia من مختبر لوس ألاموس الوطني “بأن الأمر يحتاج إلى المزيد من الأبحاث، خاصة لفهم كيف تكونت البنى وتطورت”. ولكنهم وضحوا أن اختباراتهم تقترح بنية شبيهة بحزم أنابيب النانو الكربونية المتراكزة (متحدة المراكز)، ولكنها أكبر بكثير، مع بعض صفائح الأسلاك الخفيفة المتموجة لتترك فجوات للأقنية.
وهنا يردّ فورو بأنّ “بيانات المؤلفين تظهر أن صفائح الأسلاك الخفيفة ليست مرتبة بشكل دقيق كما هم يشرحون”. مما قد ينسف فرضيتهم من أساسها.
أما أوتو زهو Otto Zhou من جامعة كارولينا الشمالية في شابل هيلChapel Hill فيكتفي بالتساؤل:”ماذا تظهر هذه الدراسة؟! هل هذا يعني أن هناك الكثير جداً من مواد الكربون التي تنتظر من يتحرّى عنها ويكتشفها ويظهرها للوجود؟”.
وبغضّ النظر عن كون أجواء المنافسة بين العلماء والباحثين، وكذلك بين أرباب الصناعة وسدنتها، حامية الوطيس غالباً ويكثر فيها الجدل العقيم والأسئلة الاستفزازية (ويبدو لافتاً في هذا الإطار ما لاحظه أحد المفكرين من أن الحقائق العلمية لا تتحول إلى حقائق لأنّ معارضيها وافقوا عليها، بل هي تتحول إلى حقائق فقط بعد وفاة معارضيها وغيابهم عن الوجود)، فإن ما لا شك فيه أن هذا الاكتشاف ـ فيما لو ثبت ـ أو أيّ اكتشاف آخر حديث سيتعرض لهجوم عنيف من الأوصياء على الاكتشاف القديم الذي يهدد الحديث وجوده وفعاليته وفائدته وعوائده المادية، وخاصة إذا كان الاكتشاف الحديث من النوع الذي ينهي مرحلة ويبشر ببدء مرحلة جديدة مختلفة كلياً، وخاصة أيضاً وأيضاً إذا كان هذا الاكتشاف قد تم بطريق الصدفة، دون سابق تحضير واستعداد، مما يجعلنا نردّد: ربّ صدفة قد تنهي ثورة علمية!.
