قيام إسرائيل.. في الخطاب والمجاز

“سيموت الذين لن يفهموا، أما الذين سوف يفهمون فسوف يحيون.. ”

– هنود المايا-

{{1}}

في مسلسل “ليلة سقوط غرناطة” من تأليف الكاتب المصري (محفوظ عبد الرحمن) تقول إحدى الشخصيات: (قلت لي كلاما، وقلت للآخرين كلاما آخر؛ وها أنت الآن تقول كلاما غير الذي قلته لي وللآخرين..). هذا الحوار، حيث تعدد الخطابات من نفس المرسل، يديره كاتب السيناريو المصري وهو يصور المأساة التي عاشها العرب في اللحظة الأخيرة عندما كان الإسبان يحاصرون آخر مدينة عربية بانتظار إسدال الستار على الوجود العربي في اسبانيا، وتصادف عرض التلفزيونات العربية لهذا المسلسل عندما كان الجيش الإسرائيلي يحاصر بيروت عام 1982. لكن (محفوظ عبد الرحمن) كان يهدف إلى إسقاط الأحداث التاريخية على الواقع العربي المعاصر بلغة رمزية. والانقسامات التي أثارها الضغط الإسباني على (غرناطة)، كما يعرضها سيناريو المسلسل، بين من وجد عدم جدوى المقاومة بعد سقوط كل المدن الأندلسية ومن نادى بالقتال ضدّ الجيوش الإسبانية حتى الموت وعدم تسليم مفتاح المدينة لهم؛ لم يكن يختلف عمّا كان يدور في الأثناء ذاتها داخل (بيروت) فهناك من طالب بالقتال ضد الجيش الإسرائيلي حتى آخر مقاتل فلسطيني ولبناني، ومن رأى عدم جدوى ذلك بسبب انعدام موقف عربي داعم، وبخروج المقاتلين الفلسطينيين من لبنان بدأت مرحلة تهميش الحركة التقدمية العربية، وما يثير اهتمامنا هنا هو اللغة التي تطفو على السطح بين خصمين اختلف موقعهما بمقياس الضعف والقوة وكيف أن الكلام أو الخطاب يعكس بشكل ملتبس ميزان القوة كلغة إشارية ورمزية أو كـ(علاماتsigns/) على ما يقوله (تودوروف) وهو يحلل موقفا شبيها هو الموقف الناجم عن اللقاء بين الغزاة الإسبان وهنود المكسيك، وهو موقف شديد الشبه لا لأنّ الإسبان هم العنصر المشترك في الواقعتين، حيث تصادف سقوط غرناطة على يد الإسبان اكتشاف أمريكا في العام نفسه على أيديهم مما أدّى، في القرن التالي إلى غزو المكسيك باعتباره أكبر حدث تمّ على يد (كورتيس) ؛ ليس هذا وجه الشبه الوحيد، بل لأنّ هزيمة العرب في فلسطين تشبه هزيمة الهنود الحمر أمام الأوروبيين في الأدبيات العربية بالإضافة إلى أن العرب بكوا الأندلس مرة ثانية عند ضياع فلسطين، كما أنّ الفاتحين الإسبان أطلقوا على أوّل مدينة صادفوها في الأراضي المكتشفة أمام دهشتهم من ضخامتها اسم: (القاهرة).. وعلى المعابد الدينية للهنود اسم: (المساجد) وفي رسالة بعثها كورتيس إلى الملك يقول: ” ربما تجدون تناقضا بينما أقوله الآن وما قلته من قبل وما سأقوله لاحقا لكن البلاد التي نفتحها واسعة وشديدة التنوع ما يقتضي القول بحسب مقتضى الأحوال ” لكنّ قلة قارنت بين خطاب الإسبان المنتصرين وخطاب الإسرائيليين المحتلين ناهيك عن مقارنة خطاب الهنود بالخطاب العربي!.. وهذا يقودنا إلى وجه جديد للتشابه حيث اليهود عنصر مشترك، فقد أطلق الإسبان على سنة سقوط (غرناطة)، لقب ” السنة الرائعة ” لأنها شهدت ثلاثة أحداث إسبانية هامّة هي: إخراج العرب من إسبانيا، وإخراج اليهود، واكتشاف أمريكا، وهي أحداث تاريخية وقعت كلها عام 1492، والمفارقة أن اليهود حينها كانوا ضحايا الإسبان مثل العرب والهنود، غير أنهم يلعبون اليوم دور الإسبان ضدّ العرب الفلسطينيين، لكنّ تودوروف يضيف حدثا رابعا إلى العام نفسه وهو: التدوين النهائي لقواعد اللغة الإسبانية!!..

يتمحور بحث (تودوروف) في كتابه (غزو أمريكا) رغم تطرّقه إلى موت ملايين الهنود نتيجة للغزو، حول السؤال المدوّي: ” هل يمكن أن يكون الإسبان قد انتصروا على الهنود بواسطة العلامات..؟!” فبعد معارك طاحنة بين الفرسان الإسبان والمقاتلين الهنود الذين يحملون الرماح في مواجه البنادق ويرتعبون من الحصان الذي لم يكونوا قد رأوه ويطلقون صيحات الحرب في مقابل البارود؛ فإنّ تودوروف لا يجد هذا التفاوت مبرّرا للانتصار الحاسم الذي حقّقه الإسبان، وإذن.. لا بدّ من تحليل الحقل الدلالي، وعوضا عن تعدّد الخطابات من المرسل نفسه سنجد تعدّد المعاني في الخطاب نفسه استنادا إلى تأويلات الهنود واستغلال الإسبان أساطير الهنود لصالحهم.

وقد يبدو اللقاء المدهش بين الغزاة الإسبان وهنود المكسيك أكثر قدما من أن يطابق اللقاء الراهن بين العرب والإسرائيليين، وأنّ الإسرائيليين ليسوا كالإسبان حقّا لأنّ العرب ليسوا كالهنود حقا.. لكننا نحلّل لقاء الإسبان بالهنود من خلال دراسة ( تودوروف) الذي ينتمي إلى حقبتنا إلى حدّ أنّ الاعتراض الافتراضي يصبح معكوسا على الشكل التالي: إنّ انتصار الغزاة على السكان الأصليين من خلال المجاز والإيحاء والتلاعب بالتأويل يبدو أكثر حداثة من أن يكون قد وقع حقّا في القرن السادس عشر بين الإسبان والهنود والأرجح أنه يحدث الآن..وأنّ (تودوروف) معاصرنا قام بإسقاطه على واقعة تاريخية نموذجية من حيث لقاء الذات والآخر.. ” لأنه من غير الممكن التفكير بالمجال الدلالي إلا من خلال الآخر”.. كما يقول تودوروف نفسه.

وأمّا أنّ الغزاة الإسبان لا يشبهون الإسرائيليين لأنّ العرب ليسوا مجرّد هنود.. فهذا لا نعترض عليه لكننا نؤجّل المقارنة بين الاختلافات إلى ما بعد المقارنة بين التشابهات، وكما يقول “ليفي شتراوس” الذي درس أساطير هنود أمريكا: ” إن التشابه بين الأساطير ليس قائما من خلال التطابق فقط بل من خلال التعاكس المتطابق.. أيضا”. لكن يبقى ما يجده تودوروف في دراسته للواقعة عبر كتب التأريخ الإسبانية والكتب الهندية مثيرا للاهتمام، وهو أكثر بكثير من أن يكون إسقاطا.

ورغم توقيت إسرائيل حربها على لبنان في الخامس من حزيران عام (1982) من خلال (العلامة)، بالعودة إلى التقويم العربي للهزيمة في الخامس من حزيران عام (1967) لتشجيع العرب على التأريخ المتكرر للفجيعة، فإنّ منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية لم يتعرّضا للهزيمة بواسطة (العلامات) ولكن من أجلها، بواسطة أحدث الطائرات وآلاف القذائف التي لم تتوقف عن السقوط فوق المدينة طوال ثلاثة أشهر، وقوات برّية جرارة؛ وبكلمات أخرى فإنّ شراسة الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان كانت نتيجة فشل (العلامات) الإسرائيلية في إرباك الخطاب التقدمي العربي ونجاح الفلسطينيين بالصمود، ليس العسكري، بل الرمزي أمام الخطاب الإسرائيلي، وللسبب نفسه فإنّ الإسرائيليين لم ينتصروا حينها وحتى وسائل الإعلام في ذلك الوقت اعتبرت أن الإسرائيليين انتصروا عسكريا وهزموا سياسيا، وأنّ الفلسطينيين خرجوا بهزيمة عسكرية وانتصار سياسي.. وبروز (إدوارد سعيد) وليس (الظواهري) كمتحدث باسم القضية الفلسطينية بلغة يفهمها العالم كله، وكهروب إلى الإمام أطلق الإسرائيليون على (سعيد) لقب “بروفسور الإرهاب” للتقليل من شأن المستوى الذي بلغه الخطاب الفلسطيني العصيّ على قبول الإيحاء، لكنّ الإسرائيليين، وليس الفلسطينيين وحدهم، سيقاتلون حتى الموت من حول بيروت عندما حددت إسرائيل على الأرض وليس في خطابها من هو عدوّها الحقيقي، وجازفت بتدمير صورتها أمام العالم في سبيل تدمير صورة الفلسطينيين وأنصارهم التقدميين، وسوف تصبح الكوفية منذ ذلك الوقت، رمزا يضعه مثقفون وصحافيون عبر العالم كله كرمز للنضال ضد أشكال الهيمنة، ويكتب إدوارد سعيد في تلك المرحلة: “لم يعد يوجد فلسطيني يجهل اليوم أن المهام الملقاة على عاتقه أكبر من إمكانياته بكثير.. وسوف يخرج الفلسطينيون من هذه المحنة أكثر وعيا وعقلانية”، ويخرج الفلسطينيون من بيروت ليس إلى الكهوف التي جاؤوا منها، بل إلى العالم وحتى حين سدّت كلّ الطرق أمامهم قاموا من مركز الصراع في الضفّة وغزة بانتفاضة مدنية لا عسكرية، نادت بحق تقرير المصير لا إلقاء اليهود في البحر، وللمرّة الأولى في صراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين وقف الرأي العام الأوروبي مع الفلسطينيين وليس الإسرائيليين و.. فشل الخطاب الإسرائيلي.. إلى حين.

أفلا يمكننا التساؤل إذا ما كانت الحروب التي شنتها إسرائيل بدون توقف، منذ بروز الناصرية وحتى اجتياح لبنان، مهدت الأرض، المحروقة، لحروب جديدة حول المجاز والتأويل؟! بدل أن تمهّد لنوع قديم من السلام يفرضه انتصار المنتصر وهزيمة المهزوم؟ مما يجعل الحروب الجديدة ملغزة أكثر وأكثر.

{{2}}

{{الخروج من الكهوف أم العودة إليها ؟}}

يقول تودوروف إنّ النجاح الساحق للإسبان مذهل وهم يفتحون أراضي البلدان في أمريكا: “وخاصة في المكسيك الأكثر تألقا في أمريكا ما قبل كولومبس “، وهو لذلك الأكثر إذهالا. في لقاء أوّليّ بين الغزاة والهنود توقّف الطرفان قبالة بعضهم بعضا، فما كان من كورتيس إلا أن ألقى خطبة طيّبة عن السلام قبل الاشتباك مع الهنود، أمّا الهنود فلم يرفضوا الخطبة بذاتها لكنهم لم يكونوا على درجة من المرونة بحيث يتكلمون عن السلام وهم قادمون للحرب، فعندما أنهى كورتيس كلماته الطيّبة والودودة أطلق الهنود سهامهم على الإسبان.. لكنّ الإسبان فهموا صدق الهنود أي عجزهم عن الكذب واستوعبوه في مناوراتهم اللاحقة. كان الهنود يخرجون من كمائنهم للانقضاض على الإسبان، ولكنهم كانوا أوّلا وبحسب تقاليدهم القتالية يصرخون صرخة الحرب فكان الإسبان يبادرون دون تمهيد إلى إطلاق النار.

وبعد أربعة قرون من انتصار (كورتيس) فإنّ اليهود قالوا إنّهم لا يريدون أكثر من أن يعيشوا بسلام مع العرب، لكنهم يريدون دولة لهم واستغرب العرب وقاحتهم، لأنّ العرب ظنّوا أنهم يستطيعون القضاء على الإسرائيليين دون سلاح تقريبا إذا أصرّوا على تحديهم. كان اليهود قد تدرّبوا على القتال ضمن الجيش البريطاني، وكان (موشي دايان) جنديا مع القوات البريطانية التي دخلت سوريا من أجل هزيمة الفرنسيين الموالين لحكومة (فيشي) الخاضعة للنازيين في الحرب العالمية الثانية، وفقد عينه برصاصة قنّاص فرنسي في منطقة الجولان، وبعد الاستقلال ترك البريطانيون فلسطين للعرب واليهود. كانت المنظمات الصهيونية قد بدأت بحصار القرىوتدميرها، وفي قضاء (حيفا) قامت القوات اليهودية بقصف إحدى القرى، وكان الفلسطينيون قابعين في منازلهم وفجأة توقف القصف ونادى الإسرائيليون أنّ على المختار أن يذهب إلى مواقعهم وراح المختار يطمئن الأهالي قائلا إنّه لا بدّ أن يكون اليهود قد قرروا الاستسلام وإنهم ربما يريدون التفاوض معه لكنه عاد مصدوما، لأنّ اليهود أخبروه بأنهم أوقفوا القصف لكي يعطوا سكان القرية مهلة للرحيل، ومن يبقى سيكون معرضا للموت، وهكذا رحل السكان. بعدها قام الإسرائيليون بارتكاب المجزرة المعروفة في قرية دير ياسين، وهي من البشاعة بحيث حاولت الدول العربية الاستفادة منها لكشف جرائم المنظمات الصهيونية، فأذاعت وقائعها على نطاق واسع بل شجّعت الناجين على المبالغة في الوقائع مثل التركيز على استخدام اليهود للسكاكين رغم اقتنائهم للرشاشات، وقياهم ببقر بطون النساء الحوامل.. لكن الدعاية العربية أدّت مفعولا معاكسا لأنّ العرب خافوا كثيرا من أن تتعرّض نساؤهم للاعتداء طالما أنّ اليهود لا يتورّعون عن أيّ شيء، ويتباهى مناحيم بيغن في مذكراته “أنّ اليهود حين دخلوا مدينة يافا أخذ العرب يهربون أمامهم وهم يصرخون: دير ياسين.. دير ياسين” وقامت ( إسرائيل).. وبعد عشرين سنة قاد (موشي دايان) نفسه وبعين واحدة إلحاق الهزيمة بالدول العربية المحيطة بفلسطين، حين كانت إذاعات الدول العربية هي التي تهدد وتتوعد بالحرب وتخلق جوا مشحونا ساعد الإسرائيليين على الظهور بمظهر المدافعين ولكن الأقوياء..

{{* * *}}

قبيل إحدى المعارك مع الهنود في المكسيك، اختار (كورتيس) واحدا من جنوده لكي يقود الإسبان وهو (هيرنان) الأعور.. وقال له:” شكلك القبيح سيجعل الهنود يخافون” وبعد كلّ شيء، يقول تودوروف، فإنّ ما يثير الدهشة تجرّؤ كورتيس مع مئات الفرسان الإسبان على أسر الإمبراطور في عاصمته وهو محاط بمئات الآلاف من المحاربين رهن إشارة لم يعطها، بينما كان (كواهتيموك) يتحرّق غضبا من تردّده، والذي سوف يشنّ حربا مريرة على الفاتحين بعد موت الإمبراطور. وعندما كان كورتيس يتقدم على رأس قواته داخل الأراضي المكسيكية كان (موكتيزوما) إمبراطور المكسيك يتلقّى أنباء الغزو من خلال أتباعه الذين كان ممنوعا عليهم النظر إليه.. وكان الإسبان قد بدؤوا بالسؤال عن الإمبراطور الذي بدأ يقلق من ذلك، وفي مرحلة ما “أخذ يتمنّى لو يختفي داخل كهف عميق “(!) كأنه أحسّ نفسه موضع نظرات الغرباء دون هوادة، وأخذ يستشيط غضبا من الأنباء السيّئة التي يحملها أتباعه وراح يلقي بهم في السجون، وحتى العرّافون الذين يطلب تفسيراتهم عن هذه الظاهرة الغريبة، أي الغزاة، فقد كانت تنبؤاتهم كلها سيئة فبطش بهم، واتفق العرّافون على الامتناع عن التنبؤ لكن (موكتيزوما) لاحقهم وانتقم منهم. ولعلّ الرغبة بالاختفاء داخل كهف كناية عن الرغبة بالعودة إلى الرحم.. لكنه رحم الموت، وأصرّ الإسبان على رؤية الإمبراطور بالعين المجرّدة وأخذ الخجل والغضب يحرقان أعصاب الهنود وخاصة (كواهتيموك) وعندما مات (موكتيزوما) بصورة مهينة فقدت الأشياء معانيها، ورأى الهنود حضارتهم تنهار أمام الغزاة البيض، وانطلق كواهتيموك بحربه بعد رحيل موكتيزوما، وكان الهنود من الأزتيك قد عرفوا في هذه المرحلة أنّ الإسبان بشر وليسوا آلهة وأنهم قابلون للموت، بينما كان هنود المايا قد عرفوا ذلك منذ البدء، لكنّ الوقت قد فات على هزيمة الإسبان، ويكتب الهنود المايا في النهاية :”من الكاهن الذي سيعطي المعنى للكلمات في الكتاب؟”. واحتاج هنود (الأنكا) وقتا إضافيا وهم يعتقدون بأنّ الإسبان ليسوا بشرا.

وتبين بعد نشر وثائق تتعلق بالحرب الإسرائيلية عام (67) أنّ مخططي الحرب وجّهوا للباحثين الإسرائيليين واليهود طلبات لدراسة الشخصية العربية، وتوصّلوا إلى حصر سؤال عن المدة التي يحتاجها إنسان عربيّ من أجل نقل خبر سيّء، فقال الباحثون أنّ العربي ربما يحتاج خمس عشرة دقيقة قبل نقل خبر غير سارّ.. وترجم العسكريون المعلومة عن الإنسان العربي إلى الجندي العربيّ، وقالوا إنّه يتوجّب على الطائرات التي سوف تنطلق على ارتفاع منخفض أن تنجز مهمّتها في الوصول إلى مصر خلال نصف ساعة، ولمزيد من الحيطة قالت القيادة الإسرائيلية إنّ عشرين دقيقة ستكون هي الوقت الذي يجب أن تستغرقه الغارات قبل أن تصل المعلومات للقاهرة.. وتدمير الطائرات المصرية قبل أن تطير… ووجّه الإسرائيليون قواتهم من أجل هزيمة الدول العربية، وخاصة مصر أكبر دولة في العالم العربي منذ ما قبل قيام إسرائيل، وتعمدوا أن يجعلوها هزيمة مهينة حيث مات عشرات الآلاف من الجنود دون قتال، وهرب آلاف منهم بعد أن علقت أحذيتهم في الرمال، من أجل التجرؤ على الزعيم (عبد الناصر) والنظر إليه بعيونهم المجرّدة وهو مصعوق وإظهاره بمظهر العاجز في أعين ملايين العرب الذين كانوا مستعدين للسير خلفه، وحتى المقرّبون منه، كما عبّر أحدهم، فإنّه لم ينظر إلى وجه الزعيم مباشرة أبدا. والتقط الجنود المصريون العاملون على الجبهة الأردنية تغيّر الشيفرة في اللحظة الأخيرة، ورأوا الطائرات بعيونهم وهي تنطلق من المطارات تحت مستوى الرادار، لكنهم امتنعوا عن نقل هذا الخبر السيّئ إلى المسؤول عنهم مدّة عشر دقائق، والمسؤول الذي حصل على هذه المعلومة غير الطيّبة تأخّر عشر دقائق قبل أن ينقلها للقيادة في مصر، لكن كانت قد مضت عشرون دقيقة. واضطرت الهزيمة ناصر إلى الخروج إلى مواطنيه الذين كانوا يعشقون صوته ويحفظون خُطَبه غيباً، ليعلن تحمل المسؤولية عن الكارثة بصوت منكسر. في الوقت الذي كان الفلسطينيون، وهم لا يقلون عن العرب تبجيلاً لعبد الناصر، ينتظرون الفرصة للخروج من ظله الثقيل وإشعال الحرب الوحيدة التي يفهمها الإسرائيليون: الحرب الفدائية.. وبعد عشرين سنة أخرى سيقول بروفيسور إسرائيلي من جامعة تل أبيب: “إنّ أسوأ ما فعلته إسرائيل هو أنها انتصرت في الحرب..” ولأنّ الروح العربية روح كهفية تحبّ التخفّي كما يقول (أسوالد اشبنغلر): “روح خجولة لا تحبّ الظهور المباشر وتميل للعودة إلى كهفها بين حقبة وأخرى قبل الظهور على مسرح التاريخ من جديد”، وقبل أن يستفيق الإسرائيليون من نشوة النصر المدوّخ، فقد انبثق نوع من المقاتلين الملثمين بكوفيات تخفي وجوههم: الفدائيون الفلسطينيون بقدراتهم على القتال حتى الموت بدل الهرب، وتعرض الإسرائيليون للهزيمة في معركة (الكرامة) أمام الفدائيين وكاد (موشي دايان) بطل الحرب السابقة يموت في المعركة، قبل أن يستفيق العرب وزعيمهم ناصر من فجيعة الهزيمة.. كان الفلسطينيون الذين خسروا كلّ شيء هم أوّل من تحرّر من أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، ونافست أسطورة المقاتل الفلسطيني أسطورة الجيش الإسرائيلي. وظل عبد الناصر زعيما مبجلاً وكئيباً، وبقي رمزا للنضال ضدّ الإمبريالية ولكن فوجئ أنصاره حين قبل مشروعا أمريكيا للتسوية السياسية من حيث كان الجميع يتوقعون رفضه سلفا، وبلغ غضب الفلسطينيين من ناصر مبلغا غير مسبوق. وهنا مات ناصر فبكاه العرب، ثم بكاه الفلسطينيون، بكاء الأيتام.. ومازالوا يرددون: (من الحاكم الذي سيكون صلاح الدين ويحرر القدس ؟) كأنهم يرددون بشكل معكوس ما قاله الجنرال (غورو).. بعد الاحتلال الفرنسي لسوريا، عندما وقف أمام ضريح (صلاح الدين) في دمشق بعد سبعة قرون على هزيمة الصليبيين وقال: “ها قد عدنا يا صلاح الدين..” إشارة إلى نوايا الثأر من العرب والمسلمين، مع أنّ دوافع الاستعمار الغربي مختلفة تماما، وما يظنه العرب زلات لسان وإشارات متخفية قد تكون موضوعة عمدا من أجل أن يعثر العرب عليها ويصبحوا عرضة للإيحاء. ولعل الرغبة بالعودة إلى التراث هي أيضا كناية عن الرغبة بالعودة إلى (الرحم). لكن كورتيس الذي أصر على رؤية (موكتيزوما) دافعا إياه إلى الرغبة بالاختفاء حتى الموت.. تفوّق على الهنود، فكلماته تتلاعب بتأويلاتهم من جانبه، وهو أمر مستحيل من جانبهم والنتيجة محسومة..

{{ * * *}}

ومن الروح الكهفية إلى الولادة الجديدة، فقد أحرق الفلسطينيون المراحل ما جعل (إدوارد سعيد) يقول :” إنّ مقاومة الشعب الفلسطيني للإمبريالية الإسرائيلية حملته إلى القرن العشرين”.. من خلال شعار “فلسطين ديمقراطية علمانية” وازدهار الثقافة التقدمية في ظلال بنادق المقاتلين، وإنشاء مركز بحوث، لا منصات صواريخ فقط، وبقاء بيروت مدينةً للثقافة وللحركات الثورية في آن واحد.

أما (كورتيس) وبعد مواجهات عنيفة كاد هو نفسه يقتل في بعضها حول مدينة (مكسيكو)، فقد راح يستثمر كل ما يقع عليه أثناء حواره مع الهنود، وحين يلحظ سوء فهم أو تأويل غير مقصود كان يأخذه بعين الاعتبار ويعود إلى استثماره، فعلى سبيل المثال، تعمّد كورتيس تعزيز خوف الهنود من الحصان بحسب تنبؤاتهم واعتقادهم بأنّ الخيول غير قابلة للموت، وكان بعد انتهاء المعارك يأمر بدفن الخيول الميتة بعيدا عن أعين الهنود. ويفسّر تودوروف بلبلة (موكتيزوما) بأنّ الثقافة المكسيكية تنظم العلاقة بين الإنسان والعالم الكوني، والجميع يقرأون إشارات الكون لفهم كل شيء وكل ما يقع يمكن فهمه من خلال نبوءات وإشارات، ويتم التعامل معه من خلال طقوس وتقاليد، وحتى العلاقة بين الإنسان والإنسان والتي تفترض التعامل بين الذات و(الآخر) فإنّ الآخر الذي يعرفونه هو هنديّ من شعوب مكسيكية أخرى مثل(الأنكا) و(المايا) و(التلاكسكالتيك)، ينظم علاقته مع الإنسان من خلال نقس العلاقة مع الكون، أمّا الإسبان وهم بشر آخرون لكنهم لا يخضعون للإشارات والطقوس ولا يفهمون (الآخر) من خلال إشارات كونية، بل من خلال الاتصال معه، ولذلك فإنّ الإسبان بالنسبة للمكسيكيين ليسوا (آخر) بل آلهة.. وإن تفاوتت درجة الاعتقاد بذلك بين الشعوب المكسيكية بحسب تفاوت تطور الشعوب، وعلى آلهة المكسيكيين أن تتصرف الآن أو أن تكون أرسلت إشارات سابقة، وقد عثر العرافون على ما يبدو أنها نذر، لكن لم تعد الإلهة ترسل إشارات فعالة لكيفية التصدي للإسبان، في النهاية صمت(موكتيزوما) والذي كان المقربون منه يستمتعون بحظوة الاستماع إلى أحاديثه، لأن الآلهة المكسيكية صمتت..

ويقود (كواهتيموك) الحرب ضدّ الإسبان من قلب مدينة (مكسيكو) بعد أن فقدت أسطورة الإسبان الآلهة سطوتها على الهنود، والجنود الإسبان الذين وقعوا بيد الهنود تمّ قتلهم وتقطيعهم بينما كان (كورتيس) وجنوده يطوّقون مكسيكو من الخارج على رأس عشرات الآلاف من هنود (التلاكسكالتيك) الذين أصبحوا حلفاء الإسبان واستمرت حرب مكسيكو، المدة نفسها التي استغرقها حصار (بيروت): ثلاثة أشهر، بعدها أقتحم تحالف الإسبان والهنود مدينة مكسيكو وتم تقتيل عشرات الآلاف من سكانها، وتمّ إلقاء القبض على (كواهتيموك) الذي وقف بشجاعة أمام (كور تيس) وقال له: “اسحب خنجرك واقتلني”، لكنّ كورتيس رفض قتله مباشرة بل لجأ إلى تعذيبه وتركه يموت وعمّ الصمت فوق مكسيكو، وربما فوق المكسيك كما يقول شهود تلك المرحلة، ويقول (لوكليزيو) إنه صمت أكبر حضارة في التاريخ. مذبحة مكسيكو هذه لا تشبه مذبحة (صبرا وشاتيلا) التي أعقبت حرب (بيروت)، إلا من حيث الصمت الذي تلاها، لكنّ المذهل أنها تشبه بحسب أحد كتب التأريخ الإسبانية كما يصفها أحد الجنود الإسبان: مذبحة (القدس).. على يد الصليبيين في القرن الحادي عشر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This