إسلاموفوبيا أم خوف مرضي من الحرية؟

استغلّ الإسلاميون سذاجة بعض الغربيين وعقدتهم الكولونيالية، وانتهازية بعض المثقفين في الغرب عموما وفرنسا خصوصا، لتمرير بعض “الكلمات” إلى الخطاب الإعلامي والسياسي، أقلّ ما يقال عنها إنّها تضليلية. من أسخف هذه الكلمات لفظ ‘إسلاموفوبيا’. يعمل كثير من المتلاعبين بالعقول على فرضها وإدخالها إلى قاموس اللغة اليومية. أوّلا، ليتسنّى للإسلاميين الضغط على المؤسسات من أجل افتكاك حقوق فئوية (مسابح وقاعات رياضية غير مختلطة، فرض الحجاب والنقاب، تجريم فقدان العذرية..وبقية الترسانة المتخلفة)، وثانيا، ليتمكن أعداء العلمانية الفرنسية من الدفاع عن لائكيتهم الجديدة، مستغلّين الفوضى المفهومية المفتعلة.

تسرّبت الكلمة إلى كثير من الدوائر، ووصلت إلى فم نيكولا ساركوزي ذاته، زعيم اللائكيين الجدد، هؤلاء الذين يتخذون من الإسلام في فرنسا ذريعة لإعادة النظر في اللائكية، من أجل إعادة الدين المسيحي إلى الواجهة، وهو ما أشرت إليه في مقال سابق تحت عنوان :”هل انتخِب ساركوزي ليقضي على اللائكية في فرنسا؟”.

لكن هل أصبحت الإسلاموفوبيا سلوكا ثقافيا في فرنسا حقا، كما عنونت ‘الخبر الإسبوعي'(1) الجزائرية اللقاء الذي نشرته مع فانسان جيسكار، أحد مروّجي الكلمة، والذي حاول تضليل قراء الأسبوعية، مقدّما صورة مشوّهة عن وضع المسلمين، فكأنّ فرنسا أصبحت مذبحة للمسلمين والعرب. فهل هو خوف مَرضيّ من الإسلام فعلا، كما يقول المستجوَب والمُستجوب؟ هل يمكن الحديث عن رهاب ما؟ هل هو خوف لاعقلانيّ من الإسلام؟ هل هناك هلع من الإسلام فعلا؟

في فرنسا، لا يمكن أن تجد بسهولة إنسانا مكوّنا تكوينا طبيعيا يكره المسلمين لكونهم مسلمين أو يكره الإسلام هكذا مجانا. حتى الأقلية العنصرية لا تجرؤ على إظهار ما يختلج في دواخلها من أحقاد. ففضلا عن وقوف القانون بالمرصاد لكل من تسوّل له نفسه الأمّارة بجان ماري لوبان، تجد الأفكار العنصرية مناهضة شديدة وحاسمة من لدن المجتمع المدني الفرنسي.

لئن كان العنصريون يمرحون ويسرحون في بلاد المسلمين، فينعتون هذا بالضالّ وذاك بالكافر المغضوب عليه، عبر وسائل الإعلام الرسمية ومختلف المنابر وخطب الجمعة المنقولة على أمواج الأثير، دون أن يلاحقوا قانونيا ودون أن يُتفهوا إعلاميا، فإنّ إخوانهم في كره الآخر في الغرب وفي فرنسا تحديدا، سرعان ما يجدون أنفسهم متّهمين في المحاكم ومبهذلين أمام الرأي العام بمجرّد محاولة التعبير همسا عن كرههم للآخر. في الغرب يخاف ويستحي من كان عنصريا ويضطر صاغرا إلى ممارسة عنصريته في السرّ. في بلاد المسلمين تمارس العنصرية علانية أمام ربّ العالمين، ولو لم يغضّ الغربيون الطرف عمّا يقال عنهم عندنا وكيف ينظر إليهم جيرانهم المسلمين، وكيف تصفهم كتب المسلمين لأصبحوا عنصريين أجمعين. من يتابع ما يرتكبه بعض المسلمين من فضائح في فرنسا، لا يحزن فحسب، بل يستغرب كيف لا يصوّت الفرنسيون بكثافة لصالح اليمين المتطرف؟

في مدينة “كليرمون فيرون” الفرنسية وفي ساحة سانت كاترين بالذات، تنازل الكاثوليك عن كنيسة للمسلمين ليحوّلوها إلى مسجد. من يدلّني على مسجد تنازل عنه المسلمون للنصارى، سأكون له من الشاكرين إلى يوم الدين؟ في فرنسا مثلا، لم تبق إلا حفنة من أهل اليمين المتطرف وبحياء، تتأسّف لضياع الجزائر، أمّا أغلبية الشعب الفرنسي فهي تدين الإستعمار اليوم، ولم يعترف الإيطاليون بجريمتهم في ليبيا فحسب بل هم في طريق تعويض الليبيين. أما المسلمون فلا يزالون في أغلبهم يتباكون على ضياع الأندلس ويحلم بعضهم باسترجاعها، بل يطالب بذلك دون حياء. وكان أحرى بهم أن يحمدوا الله على ضياعها فلو لم تضع لكانت اليوم خرابا في خراب، كأخواتها العربيات المسلمات.
الإسلاموفوبيا، خدعة وفخّ للمغفلين، يخلط بها الإسلاميون وحاملو حقائبهم الأوراق، فيوهمون الناس أنّ كلّ من يعاديهم يعادي الإسلام ومعشر المسلمين، بل هو مريض يعاني اضطرابا نفسيا، يجعله يخاف خوفا لاعقلانيا من الشريعة. فالشريعة، حسبهم، ليست خطيرة ومن يخاف منها فهو مريض مسكين أو جاهل أو عنصريّ لعين. في بلدانهم الأصلية كانوا ولا يزالون يعتبرون كلّ من لا يجاريهم في غيّهم سفيهًا وماسونيا وشيوعيا..ويحرمونه حتى من حقّ الإنتخاب(السفيه الجزائري لا يحقّ له الإنتخاب في برنامج الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وللقاريء أن يتخيّل ما يقصد بالسفيه)، وهي تهم مُحسنة لخّصها إخوانهم في الغرب في عبارة “الخوف اللاعقلاني من الإسلام”، لتتماشى مع متطلّبات الأسلمة في أوروبا. يحاولون من ورائها تشويه كلّ العلمانيين، وكلّ الذين يناضلون ضدّ تطبيق الشريعة على مسلمي الغرب، وخلق التمايز الديني وزرع الشقاق الإثني. في فرنسا هناك إرادة حقيقية لجعل الإسلام يتمتع بمكانة مساوية لكلّ الديانات الأخرى، وهذا أمر طبيعيّ في إطار العلمانية الفرنسية.”أنا محظوظة أن أولد في هذا البلد ذي الثقافة المسيحية اليهودية، الذي أتاح لي عن طريق لائكيته أن أمارس شعائري الدينية بكل حرية، ودون أن يتدخّل أحد في ضميري واعتقاداتي.” هكذا تعترف فضيلة عمارة قبل أن تتبوّأ منصبها السياسي.2″

اسلاموفوبيا.. يحاولون بهذا الإختراع تغطية حقيقة الهجوم الإسلاموي على أوروبا، وصدّ، بل وتجريم، كلّ نقد نزيه يوجه للإسلام، وإسكات المسلمين الرافضين للشريعة وتعطيل كل محاولة انعتاق من الدين في بلدان الإسلام. هي خطّ أماميّ في حربهم ضدّ العلمانية التي بدأت تتخلّص من عقدتها رويدا رويدا داخل المجتمعات العربية.

هل هو إسلاموفوبي من ينادي بفصل الدين عن الدولة، يكره اللامساواة بين الرجل والمرأة، يرفض العيش تحت إرهاب نيران جهنم، ويدين قطع يد السارق ورجم الزاني والزانية وعدم اعتبار الآخرين “قردة وخنازير”؟ إنّ كره هذه العادات والأفكار لا يعني البتّة كره المسلمين، وانتقاد تدخّل الشريعة في حياة الناس الحميمية ليس انتقادا للمسلمين. العلمانيّ فرنسيا كان أو عربيا أو توغوليا، لا يكره المسلمين وإنما يكره رجم المسلمين وجلدهم وضرب أعناقهم ودفعهم لمعاداة بقية الإنسانية. لا أحد من العلمانيين تزعجه صلاة إنسان أوصومه شهر رمضان أو شعبان أو حجه إلى مكة أو الفاتيكان، ذلك حق تكفله القوانين في بلدان بني عِلمان. ما هو غير مقبول هو أن يتحوّل الإعتقاد الخاصّ إلى قضية عامة، وأن يحاول بعض ‘الحدَاثفُوبيين’ ترتيب العالم للآخرين إرضاء لباتولوجيتهم وعقدهم الشخصية ورهابهم من الغيب.

لكل إنسان الحقّ أن يستر عورته كيفما شاء أو لا يسترها ” جَملة “، كما يقول أشقّاؤنا في تونس. لكن حينما يتمترس داخل بوركة، ذلك الحجاب الشامل، يصبح هذا الأمرمتعلّقا بالأمن العام: يمكن لأيّ كان أن يختفي تحت هذه الخيمة المتنقلة ليرتكب أفعالا ضدّ المجتمع؟ هل يحقّ لأحد أن يخفي هويته في مجتمع ديمقراطي؟ هل يحقّ للمواطن أن يتحوّل إلى شبح؟

لكي يرضوا عن الكفار والنصارى، وكي يكون بنو جلدتهم مسلمين صالحين، ينبغي على هؤلاء تركهم يعيثون في العلمانية فسادا، يقطعون الأيدي ويسيلون دم الأضاحي في العمارات ويصلون صلاة الجمعة حيثما أرادوا، ويحرمون بناتهم من حضور حصص الرياضة ودروس الجهاز التناسلي.. وإن لم يقبلوا بكلّ هذا سيصنّفون مع الذين بنفسهم مرض، الذين يكرهون العرب ويخافون الإسلام دون سبب.

لا يكره معظم الفرنسيين من معظم المسلمينولا يخافونهم. على عكس ما تحاول أن توحي به الكلمة، يعرف الفرنسيون الأخطار التي تحدق بهم، هم ليسوا مرضى بل يهابون بوعي من الإسلام الشامل، الشريعة. لقد ولى ذلك الزمن الذي سيطرت فيه مقولة ” الغربيون يجهلون الإسلام وعلينا أن نُعرّفهم به”. هم يحسنون القراءة جيدا ولا يحتاجون إلى من يقدم لهم النسخة التي يريد من الإسلام. لا إسلاموفوبيا بل هناك خوف مشروع وعقلاني ومؤسس على معرفة، يشاركهم فيه حتى المسلمون المعتدلون. فمن لا يخاف على حريته، فهو إما غير واع أو جاهل أو متواطيء، أو هو كل هذا في آن.

1 من30 أوت إلى 6 سبتمبر 2008
2 A.Jacquard & Fadela Amara, Jamais soumis, jamais soumise, éd. Stock ,2007 ,p.124

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This